الفصول

سنة الرسول

دفاع عن الرسول · د. علاء السالم

المصدر ↗

صفحة PDF الأصلية ٣٨٣

سنّة الرسول: يقصد بها ما صدر منه من قول أو فعل في حياته بعد بعثه وإرساله من الله سبحانه.

وكان لسنّة الرسول (صلى الله عليه وآله) - خصوصاً في جانبها القولي الصادر منه - نصيب من طعن المشككين، وقبل كل شيء لابد من معرفة أمر مهم يتعلّق بموقع السنة في منظومة الدين الإلهي بشكل عام من وجهة نظرنا.

موقع السنّة في الدين الإلهي:

١- تحتل السنّة موقعاً ريادياً مهماً في الدين الإلهي، باعتبار أنّ ما يصدر من حجّة الله (النبي، الرسول، الإمام) على مستوى القول والفعل (في الجانب التشريعي والديني عموماً) يتم التعامل معه على أساس أنه دين الله المرضي عنده، قال تعالى: "وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللََّّ إِنَّ اللََّّ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [الحشر: ٧].

والسبب في ذلك: إنّ المشيئة الإلهية اقتضت أن يكون أصل الدين وأساسه رجل يتجسّد في شخص الحجّة الإلهي، لهذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الدين وأصل الدين هو رجل وذلك الرجل هو اليقين وهو الإيمان وهو إمام أمته وأهل زمانه فمن عرفه عرف الله ومن أنكره أنكر الله ودينه ومن جهله جهل الله ودينه ولا يعرف الله ودينه وشرايعه بغير ذلك الإمام كذلك جرى بأنّ معرفة الرجال دين الله) (١).

صفحة PDF الأصلية ٣٨٤

بحسب معتقدنا الديني، فإنّ العالم الذي نحن فيه هو ملك لله سبحانه، والتصرف في ملك الله بحاجة إلى إذن منه سبحانه، ولما كان الله خلق هذا العالم داراً للاختبار والامتحان تكون حاجة الإنسان إلى معرفة إذن الله ومراده وقبوله ببعض التصرفات دون البعض الآخر أمراً ضرورياً حتى يتمكن الإنسان من تجنّب مخالفة الله "المالك الحقيقي" واستحقاق العقوبة المترتبة على تلك المخالفة، ومن الواضح أنّ العمل بمراد الله لا يكون إلا بعد معرفة مراد الله نفسه، وطريق التعرف على مراد الله لا يتم إلا من قبل الحجة الإلهي المنصّب من قبله سبحانه.

وإذا اتضح هذا تكون سنّة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) باعتباره أحد حجج الله - بل سيدهم - في غاية الأهمية؛ لأنها المعرّفة بمراد الله سبحانه.

ملاحظة: نحن لما نذكر سنة الرسول نقصد بها ما يشمل أقوال و أفعال أوصيائه الطاهرين من بعده، وهم الاثنا عشر إماماً والاثنا عشر مهدياً الوارد ذكرهم في وصية الرسول ليلة وفاته.

٢- لا شك أنّ سنّة الرسول ليست على نحو واحد، فمن السنة: ما يبيّن دين الله في مسائل لا يوجد فيها نص ديني بالخصوص ويكون قول الرسول أو أحد أوصيائه بنفسه نصاً ودليلاً شرعياً في تلك المسائل، في قبال المسائل التي تستند إلى نص ديني - كالآيات القرآنية - ويكون قول الرسول أو أحد أوصيائه فيها بمثابة الشرح والتفسير والتبيين لتلك النصوص.

والسنّة - بكلا نحويها - مبيّنة لدين الله ومراده، ومتممة للقرآن الكريم ولا غنى له عنها، لأنها توضح مراد الله من آيات القرآن خصوصاً وأنه كتاب متشابه فهمه على غير الحجج الإلهيين، قال تعالى: "اللَُّّ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَِّّ ذَلِكَ هُدَى اللَِّّ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَُّّ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ" [الزمر: ٢٣ ].

وكمثال للتوضيح: شرّع الله سبحانه وجوب الصلاة اليومية، قال تعالى: "أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا" [الإسراء:

٧٨ ].

صفحة PDF الأصلية ٣٨٥

لكن وجوب الصلاة بنص قرآني وحده لا يكفي لتعريفنا بحدود الصلاة وواجباتها وكيفيتها وفق ما يريده الله سبحانه، وإنما نحتاج إلى الرسول وأوصيائه في بيان ذلك:

(عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عما فرض الله عز وجل من الصلاة فقال: خمس صلوات في الليل والنهار، فقلت: فهل سماهن وبينهن في كتابه؟ قال: نعم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل" ودلوكها زوالها ففيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سماهن الله وبينهن ووقتهن وغسق الليل هو انتصافه ثم: قال تبارك وتعالى: "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا" فهذه الخامسة وقال الله تعالى في ذلك: "أقم الصلاة طرفي النهار" وطرفاه المغرب والغداة "وزلفا من الليل" وهي صلاة العشاء الآخرة وقال تعالى: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" وهي صلاة الظهر وهي أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وهي وسط النهار ووسط الصلاتين بالنهار: صلاة الغداة وصلاة العصر) (١).

في المسائل العقائدية أيضاً كذلك، فالله تعالى يقول: "قُلْ هُوَ اللَُّّ أَحَدٌ" [الإخلاص: ١]، لكن أحديته سبحانه بأي معنى؟ وكيف تنسجم تلك الأحدية مع تعدد صفاته التي وصف بها كالرحمن، الرحيم، العليم، الحي، القيوم، السميع، البصير..... إلخ؟ وهي من المسائل التي أدّت إلى اختلاف المسلمين ونشوء فرق كلها تنتسب إلى الإسلام وفي نفس الوقت يكفّر بعضها بعضاً، وما كان لمثل هذا الاختلاف أن يحصل لو أنهم جميعهم تركوا إدخال ظنونهم وآرائهم في دين الله وتمسّكوا بما أوصاهم به الرسول (صلى الله عليه وآله) من أنه تارك فيهم الثقلين ما إن تمسكوا بهما لن يضلوا بعده أبداً: كتاب الله وعترته الطاهرة!

وواضح أنّ التمسك بالرسول والأوصياء من بعده يكون بأخذ ما يصدر منهم قولاً وفعلاً، لأن كل واحد منهم قام الدليل العقلي والشرعي على عصمته وأنه لا ينطق عن هوى، قال تعالى: "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" [النجم: ٤ - ٣ ].

صفحة PDF الأصلية ٣٨٦

نعم، لا مجال لتدخل الظنون والأهواء في سنّة خلفاء الله، ولهذا قال الإمام الصادق (عليه السلام) لأبان بن تغلب: (إن السنة لا تقاس، ألا ترى أن امرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها يا أبان! إن السنة إذا قيست محق الدين) (١).

ولأن السنّة دين الله وجب أن يُردَّ إليها كل من خرج عنها، قال الإمام الباقر (عليه السلام): (كل من تعدى السنة رد إلى السنة) (٢).

فاتضح أنّ السنّة من ناحية الحجية والإلزام لا تختلف عن القرآن الكريم في شيء، لأن كلّاً منهما مبيّن لدين الله ومراده.

والآن، وقد اتضح لنا موقع السنّة في الدين الإلهي، نستعرض أهم ما طرحه المشككون في هذا الصدد.

يزعم المشككون أنّ أقوال الرسول مأخوذة عن الأمم الأخرى، وما هي إلا تكرار لما هو موجود عند اليهود والمسيحيين ومسطور في كتبهم، بل وبعض ما قاله مذكور مثله أو قريب منه عند الهنود والبوذيين وغيرهم، وهذا يطعن بنبوته ورسالته المدعاة!

١- كرّرت أكثر من مرة، وقلت: إنّ المنهج الصحيح للتأكد من أحقية الرسول وصدقه يتم من خلال التعرف على دليل نبوته وإرساله من الله، وهو دليل تام وثابت عقلاً ونقلاً كما تقدم. وبالتالي، فحتى مع افتراض أنّ الرسول اقتصر في دعوته الناس إلى الله على تبليغهم بأنه نبي مرسل من الله فقط دون أن ينطق بقول غيره لكان كافياً في ثبوت صدقه ولما ضرَّ نبوته وإرساله من الله شيء إطلاقاً.

صفحة PDF الأصلية ٣٨٧

٢- من يزعم أنّ كل أقوال الرسول مأخوذة مما هو موجود لدى الأمم والديانات الأخرى فليقدم دليله التام على ذلك، أما مجرد الاتهام بدون دليل فلا قيمة علمية له كما هو معلوم.

ثم إنّ القرآن كله من ألفه إلى يائه هو من قول ونطق محمد (صلى الله عليه وآله) بوحي من الله إليه، وقد تحدّى العرب وغيرهم منذ نزوله ونطْقِ الرسول به أن يأتوا بمثله في تأثيره على نفوس سامعيه، ولم يحصل - إلى يوم الناس هذا - أن قبل أحد التحدي وأتى بما يشبهه في التأثير على النفوس، فما بال الأمم الأخرى بما فيها من علماء وحكماء ...إلخ عجزت عن قبول التحدي والإتيان بكلام وقول مثله إن كان كل ما قاله الرسول أخذه منهم كما يزعم المشككون!!

٣- وجود تشابه في بعض أقوال الرسول مع ما هو موجود لدى الأمم الأخرى أمر أكيد وطبيعي جداً خصوصاً في مثل حالة الرسول، وذلك أنّ بعض الأمم الأخرى لديها أنبياء مرسلون من الله كاليهود والنصارى الذين يعتقدون بموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء المرسلين الذين يدعون إلى توحيد الله ومكارم الأخلاق والرفق والرحمة بالناس ومساعدة الفقراء والمساكين وإيتاء حق اليتيم وترك الظلم والقتل والزنا والربا وما شابه، ولما كان الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) نبياً مرسلاً من الله فأكيد أنّ بعض (أو كثير) مما ينطق به يكون له شبه بما نطق به الأنبياء والرسل قبله، وهو أمر حتمي ويكشف عن أنّ منبع التعليم والتوجيه والوحي لدى جميع الرسل واحد وهو الله سبحانه، أو أنّ المشككين ينتظرون من سيد المرسلين أن يدعو (وحاشاه) للظلم وأكل مال اليتيم ونحو ذلك ليثبت لهم صدقه في دعواه؟!!

الحقيقة التي غفل عنها المشككون - ويجهلها ربما الكثير من المتدينين أيضاً - أنّ كل ما عند البشرية من خير أصله رسل الله، وقد ذكرت في مقدمة كتاب "دفاع عن القرآن": إنّ (تعاليم السماء التي دخلت على خط تطور الإنسان العاقل "الهومو سابينس" في عشرات ألوف السنين الأخيرة - وهي وحدها الكفيلة بتفسير سر القفزة الأخلاقية والثقافية ونشوء أولى حضارات أهل الأرض وجوداً "حضارة السومريين وأسلافهم" - ما كانت لتحصل لولا أولياء الله الصالحين الذين بثّوا في مجتمعاتهم وأممهم آنذاك قيم الإيثار والعدل والرحمة وسائر معالم الرقي والتكامل الإنساني عموماً)، ومن يريد التأكد

صفحة PDF الأصلية ٣٨٨

من هذا الأمر بصورة تفصيلية وعلمية أكثر وأدق فيمكنه قراءة الفصل الخامس من كتاب "وهم الإلحاد" للسيد أحمد الحسن.

بالتالي، فحتى مع افتراض أنّ بعض الأمم الأخرى (التي ذكرها المشككون في شبهتهم) لم يكن لديها دين سماوي أو رسول إلهي معروف، فبالتأكيد لديها حكماء متأثرون بتعاليم السماء وما بثه رسل الله بين الناس منذ آدم (عليه السلام) مروراً بالأجيال البشرية اللاحقة التي لم تخلُ من رسل مبعوثين من الله كما هو الثابت لدينا عقلاً ونقلاً، فيكون شبه بعض أقوال الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) ووصاياه بأقوال بعض الحكماء أمر ممكن والحال هذه.

لكن أبداً لا يضرّ ذلك بصدق رسالة الرسول وبعثه من الله؛ لأن الدليل العقلي والإلهي - كما تبيّن - دلّ على صدقه في دعوته ورسالته الإلهية، ولأن الشبه لم يكن يطال كل ما نطق به كما بيّنا، كيف والرسول جاء بمنظومة دينية (عقائدية وتشريعية) وأخلاقية ومعرفية وسلوكية متكاملة تغطي ما يحتاجه الإنسان في زمنه، ومثل هذا الأمر ليس بموجود في أقوال جميع حكماء وعلماء الأمم الأخرى.

وأيضاً: إنّ علم الرسول وحكمته لم تقتصر على أقواله فحسب ولكنها شملت جميع أفعاله وتصرفاته وسلوكه العملي أيضاً، فواضح أنّ العبرة لا تكمن في الدعوة إلى العدل والرحمة - مثلاً - على مستوى القول ليقال: إنّ أقوال الرسول في هذا الجانب وجد مثلها لدى الأمم الأخرى، العبرة تكمن في تجسيد العدل والرحمة في و اقع الإنسان العملي بحيث يكون عدلاً ورحمة يسيران على الأرض، وبخصوص العدل: العبرة في القدرة على وضع الشيء في موضعه في حالات يبدو فيها تحقيق العدل صعباً كحالات التزاحم والتضاد بين حقوق متجاذبة من قبل أطراف عدة في كوننا الذي نعيش فيه، وهو مليء بالتضاد والتزاحم!

قدرة الرسول على تجسيد العدل في كل المسائل المتصلة بعلاقة الإنسان مع الله ومع نفسه ومع مجتمعه ومع محيطه وما يحتويه من مخلوقات أخرى لها حقوق أيضاً، وفي فروض وحالات لا تكاد تحصر، هذا هو المهم، فيكون وجود الرسول الإلهي - والحال هذه - ضرورة تستدعيها حاجة الإنسان إلى قدوة ومعلّم من جنسه لا ينفصل العدل عن

صفحة PDF الأصلية ٣٨٩

وجوده، بل يكون عدلاً يسير على الأرض، والرسول بهذا التصور لا يكون قدوة لغيره ودليلاً لهم على تحقيق العدل فحسب، ولكن يكون معرّفاً لهم بعدل الله أيضاً؛ باعتبار أنّ الله غيب مطلق لا متناهي والمخلوق محدود متناهي، فمنطقياً لا يتمكن المتناهي من إدراك صفة اللامتناهي، وبالتالي فمهما حاولنا أن ندرك عدل الله لا نصل إلى نتيجة، لكن إذا أمكننا رؤية مخلوق من جنسنا تتحلّى فيه صفة العدل بأروع ما يكون نستطيع أن نقول إنه مثالاً رائعاً لعدل الله ويبقى عدل الله أرفع وأعلى قدراً من ذلك. وهكذا الحال في سائر صفات الرقي والكمال الذي ينشده الإنسان.

وبهذا يتضح أنّ كل ما يصدر من الرسول (صلى الله عليه وآله) من قول وفعل وسلوك وتصرف لا غنى لنا عنه إن كنّا فعلاً ننشد الرقي الإنساني، أما من يريد التنازل عن إنسانيته ولا يهمه تحصيل مفاتيحها التي يصنعها الرسل بتعاليمهم ونهجهم فهذا شأنه، وكل إنسان في هذا العالم مختار وهو مسؤول عن اختياره.

يتحجج بعض المشككين بأن لا حاجة لسنّة الرسول بعد أن كانت يد الوضع والتزوير والتقوّل على الرسول ممكن أن تنال منها، بل هذا ما حصل بالفعل بحسب اعتراف المتدينين أنفسهم، وبالتالي لا قيمة حقيقية لها!

بطلان هذه الشبهة يتضح بملاحظة ما يلي:

١- لم يقل أحد إنّ الوضع والتقوّل على الرسول قد طال جميع السنّة المنقولة لنا عبر الروايات، ولا أنّ المشككين استطاعوا إثبات ذلك بدليل، كما أنه لا ملازمة بين وجود وضّاعين وكذبة وبين أن تكون سنّة الرسول كلها محكوم عليها بالكذب والوضع.

٢- أقصى ما يقتضيه وجود بعض الروايات المكذوبة على الرسول وأوصيائه هو ضرورة وجود ميزان شرعي يستطيع المتلقي من خلاله التمييز بين صحيح السنّة والدخيل

صفحة PDF الأصلية ٣٩٠

عليها مما دسّه المنافقون والمغرضون بين ثناياها تمريراً لمآربهم الخبيثة، وأكيد أنّ مسألة مهمة كهذه لا يمكن بحال أن يغفلها الرسول وأوصياؤه، ليس لأن الأقوال لهم وبالتالي فهم الأولى بوضع الميزان الذي يميز كلامهم الصادر منهم عن غيره المنسوب لهم كذباً، ليس هذا فحسب ولكن لأن السنة - كما قلنا - تحتل موقعاً ريادياً كبيراً في دين الله وتبيين مراده، وحاشا خلفاء الله من أن يتهاونوا في أمر يخص حفظ الدين وبيان مراد الله تعالى.

وباختصار، فإنّ المنهج الصحيح لمعرفة الصادر منهم فعلاً هو العرض على المعصوم في حال وجوده، وهذا أمر واضح؛ باعتبار أنه الأعرف بدين الله وبما صدر منه أو من غيره من الحجج المعصومين وتمييزه عن المكذوب عليهم، وفي حال غيبته يتم العرض على الكتاب وما ثبت من السنّة بشكل قطعي.

وهذه بعض النصوص الدينية التي تؤكد هذا المنهج:

- الإمام الباقر (عليه السلام): (قرأت في كتاب لعلي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إنه سيكذب عليّ كما كذب على من كان قبلي فما جاءكم عني من حديث و افق كتاب الله فهو حديثي، وأما ما خالف كتاب الله فليس من حديثي) (١). - الإمام الصادق (عليه السلام): (قال خطب النبِي صلى الله عليه وآله بمِنى فقال: (أيها الناس ما جاءكم عنّي يو افق كتاب الله فأنا قلته وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله) (٢). - الإمام الصادق (عليه السلام): (كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة وكل حديث لا يو افق كتاب الله فهو زخرف) (٣).

صفحة PDF الأصلية ٣٩١

- رسول الله (صلى الله عليه وآله): (سيأتيكم عني أحاديث مختلفة، فما جاءكم مو افقاً لكتاب الله ولسنتي فهو مني، وما جاءكم مخالفاً لكتاب الله ولسنتي فليس مني) (١).

بهذا يتضح أنّ التعبّد بسنة خلفاء الله - ومنهم الرسول (صلى الله عليه وآله) - باقٍ على أهميته وقيمته العليا في الدين الإلهي، وأنّ الموضوع والدخيل على سنتهم يمكن فرزه ورفضه بتطبيق الميزان المقنَّن من قبلهم، وهكذا لا تبقى قيمة علمية لشبهة المشككين أصلاً.

وجود تعارض بين بعض الأحاديث يعتبره بعض المشككين سبباً لرفض سنّة الرسول وما صدر منه برمّته سواء كان قولاً أو فعلاً؛ لأنها - بحسبهم - رويت لنا بأحاديث متعارضة!

لابد من الإشارة إلى ما يلي:

١- إنّ التعارض في مسألتنا يقصد به التنافي والتكاذب بين مدلولي خبرين، كأن يردنا خبران يذكران مسألة تخص صحة الصلاة في حالة معينة مثلاً، وكان الجواب في إحداهما: "يعيد الصلاة"، وفي الآخر: "لا يعيد الصلاة".

٢- بحسب علماء أصول الفقه فإنّ التعارض يُقسَّم إلى قسمين، أحدهما: التعارض المستقر الذي لا يمكن الجمع به بين مدلولي النصّين، ومثاله: أن يأتي خبران أحدهما يثبت شيء والآخر ينفي نفس الشيء. والثاني: التعارض غير المستقر، كما لو جاء خبر يقيد آية قرآنية عامة، فإنّ التعارض بين الخبر والآية من قسم غير المستقر؛ لأنه يمكن الجمع بين النصّين باعتبار أنّ النص الخاص يقيّد النص العام.

صفحة PDF الأصلية ٣٩٢

٣- أوضح خلفاء الله المعصومين المنهج الصحيح في حال استقرار التعارض بين نصّين، ووضعوا عدة مرجّحات تؤدي بالنتيجة إلى تقديم النص الذي تصطف معه بعض تلك المرجحات، وعلى رأسها المو افقة لكتاب الله، فمثلاً: إذا وردنا عن الرسول نصّان أحدهما ينسجم مع عظمة أخلاقه التي نص القرآن الكريم عليها بقوله: "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ" [القلم: ٤]، والآخر لا ينسجم مع ذلك، فالنص المقدم والصحيح هو المو افق لكتاب الله دون الآخر المخالف لكتاب الله الذي يحكم عليه بالكذب قطعاً.

بهذا توضح لنا أن ليس مطلق عدم التطابق بين خبرين يعني تعارضاً، وأيضاً: ليس كل تعارض يؤدي إلى طرح النصّين واعتبارهما بلا قيمة دينية وإنما يُصار إلى ذلك في حالة كون التعارض مستقراً بحيث لا يمكن الجمع بين مضمون الخبرين. وكذلك اتضح أنه في صورة استقرار التعارض يمكننا معرفة الصحيح الصادر من المعصوم فيما إذا تم تأييده بإحدى المرجحات الموجبة لتقديم أحد النصّين على الآخر كالمو افقة لكتاب الله مثلاً.

وإذا اتضح هذا، أقول في إجابة الشبهة:

إنّ التعارض المستقر لا يشمل جميع السنّة ليحكم عليها كلها بالترك وعدم الفائدة كما يروم له المشككون، ومن يقول بذلك فليقدم دليله وهو مفقود قطعاً. نعم، وقع التعارض في بعض الأخبار التي يُصار إلى طرحها وعدم الأخذ بأي منها في حال عدم وجود مرجّح يرجح أحدها.

وواضح - عقلاً - أنّ ترك الكل لأجل وجود خلل في جزء منه لا يقول به عاقل، فمثلاً: هل بوسع عاقل أن يترك الاستماع لكل قول بحجة أنّ بعض القول يحصل فيه كذب، وماذا سيقال له لو أنه فعل ذلك غير أنه قليل الإدراك! خصوصاً وأنّ المسألة (في حالتنا) قد تنبّه لها المشرّع ووضع لها حلولاً يمكن من خلالها معالجة ذلك الخلل الجزئي وفرز الصحيح منه عن المكذوب، علماً أنّ معرفة الصحيح أمر ممكن حتى في حال غيبة المعصوم فضلاً عن صورة حضوره التي يكون التعرّف فيها على السنة الصحيحة أمراً يسيراً جداً من خلال العرض عليه ومعرفة قوله فيه.

صفحة PDF الأصلية ٣٩٣

تبقى فقط الأخبار المتعارضة التي لا وجود لمرجح فيها - مع افتراض عدم حضور المعصوم - فيتم التوقف فيها وعدم الأخذ بها، ومعلوم أنّ نسبتها قليلة جداً قياساً بعموم السنة القولية والفعلية المعتمدة، ومثل هذا الأمر يعد أمراً طبيعياً في دنيا الامتحان التي يحصل فيها الكذب المتعمّد والاختلاق وما شابه.

القرآن الكريم صرّح بأنّ فيه تبياناً لكل شيء، قال تعالى: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ" [النحل: ٨٩ ]، وبحسب المشككين لا تبقى حاجة للسنة أصلاً طالما أنّ القرآن فيه تبيان كل شيء!

إنّ المشككين - من جهة - لا يعرفون معنى "تبيان كل شيء" الوارد في القرآن الكريم، ومن جهة أخرى: لا يكاد يفرّقون بين التبيان والاحصاء، وباختصار: كون القرآن تبياناً لكل شيء لا يعني أنّ كل شيء محصى فيه، وإنما يعني أنه مبيّن فيه كجزئيات تندرج ضمن بيان كلي وعام، وبالتالي فالمسألة بحاجة إلى خبير إلهي يستطيع أن يرجع الجزئي إلى أصله العام المذكور في القرآن الكريم.

يقول السيد أحمد الحسن جواباً على سؤال وجه إليه بخصوص تفسير الآية من سورة النحل: (قبل أن نبحث في القرآن وكيف يكون تبياناً لكل شيء دنيوي وديني لابد أن تلتفت إلى أن بيان القانون الكلي الذي تندرج تحته جزئيات كثيرة أو حتى قوانين جزئية هو بمثابة بيان لتلك الجزئيات أو القوانين الجزئية، وكمثال على هذا الأمر أقول:

لو قلت "كل شيء لك طاهر حتى يتبين لك أنه نجس بعينه" فهذا قانون شرعي عام تنطوي تحته قوانين كثيرة، منها أن الماء المجهول الحال في الطريق طاهر، وإن الإناء المجهول الحال والملقى على الأرض طاهر، وإن الحصير المجهول الحال الموضوع في قارعة الطريق أو في فناء الدار طاهر، وهكذا يمكنك تفريع قوانين كثيرة عن هذا القانون الكلي.

صفحة PDF الأصلية ٣٩٤

أيضاً في مجال العلم الجسماني المعروف لو قلت: (لكل فعل ردة فعل) فهذا قانون فيزيائي عام تتفرع عنه قوانين كثيرة جداً، فمن رد الفعل من تصادم الذرات وأجزاءها إلى قوانين الاحتكاك، إلى قوانين الطيران، إلى قوانين كثيرة جداً كلها تقع ضمن هذا القانون العام وهو "لكل فعل ردة فعل".

الآن نعود للقرآن ونقول كيف بيّن القرآن كل شيء؟ وأين بيّن القرآن كل شيء؟ ويكون بحثنا في جهتين على الأقل هما جهة الدين وجهة الدنيا.

أما جهة الدين: فقد أعطى القرآن العقيدة التي بها النجاة وهي حاكمية الله ووجود خليفته سبحانه الذي يمتحن به خلقه على هذه الأرض في كل زمان، والدين منطوٍ تحت جناح خليفة الله في كل زمان، فالنجاة في إتباعه والعمل بما يأمر به "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" [البقرة: ٣٠ ]، كما بيّن القرآن قوانين العبادة الكلية، فالصلاة بيّن أنها قراءة قرآن وركوع وسجود، والصيام بيّن أنه ترك للشهوات في شهر رمضان، وهكذا بيّن القرآن قوانين كلية والباقي فيما يخص العبادات المذكورة يأخذ مما يسنه خليفة الله في أرضه.

أما فيما يخص الدنيا: فالقرآن بيّن مثلاً قانوناً عاماً وهو أن عالم الأجسام كله يعود إلى القوة الأولى التي خلق منها ولا يزال دائماً ومتقوماً بها، "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ" [الأنعام: ٧٣ ]، وبالتالي فالقرآن بيّن أن المادة الجسمانية تعود إلى القوة أو الطاقة كما يسمونها فالمادة ما هي إلا تكثف طاقة، وهذا الأمر تبين الآن بعد أكثر من ألف عام من خلال تطبيق نظرية اينشتاين النسبية الخاصة ومن خلال التجارب المختبرية وتحويل المادة إلى طاقة وكذا العكس.

فهذا قانون عام يحكم هذا العالم الجسماني وتندرج تحته قوانين.

إذن، فتبيان كل شيء موجود في القرآن سواء كان تبيان هذا العالم الجسماني وما فيه أم تبيان الدين).

صفحة PDF الأصلية ٣٩٥

ولما أخذ السائل بتعداد بعض الأشياء التي لم يرد ذكرها في القرآن، مثل: البكتريا، القطار، مكونات الخشب، توجه بسؤاله إلى السيد أحمد الحسن: أين بإمكانه إيجاد ذلك في القرآن وهو تبيان لكل شيء؟

أجابه السيد أحمد الحسن، فقال: (أما ما ضمنته سؤالك من الأمثلة الجسمانية فهي تندرج كجزئيات ضمن البيان الكلي والعام في القرآن لهذا العالم الجسماني، فبيان القانون الكلي الذي يحكمها وجوداً وبقاءً وتركيباً بياناً لها، وأرجو أن لا يكون هناك خلط بين الذكر التفصيلي والبيان الذي نحن بصدده، فذكر هذه الأمور الجسمانية التي ذكرتها أنت بالتحديد غير موجود في القرآن؛ لأن القرآن ليس كتاب ذكر وإحصاء للموجودات في عوالم الملك والملكوت، وهناك كتاب إحصاء هو غير القرآن، قال تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ" [يس: ١٢ ]، التفت إلى اختلاف هذه الآية عن الآية التي نحن بصددها "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ"، فهناك فرق كبير بين إحصاء كل شيء وبين تبيان كل شيء، فتبيان الموجودات في القرآن موجود ضمن البيان العام لعوالم الخلق وحقيقتها، أما عدم إدراك الناس لهذا البيان الكلي فهو ليس لعدمه بل لقصورهم عن الإدراك، وهذا القصور أيضاً هم سببه وإلا فهم يمتلكون في فطرتهم القدرة على إدراك هذا البيان.

فهم في الحقيقة إيمانهم مشوب بالشك والريب الذي يجعلهم على أقل تقدير يبتعدون عن تدبر الصادر وإن ادعوا الإيمان بالمصدر، فمثلاً عندما يصرخ بهم القرآن منذ أكثر من ألف عام بقوله تعالى: "وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" [العنكبوت: ٦٤ ]، وعندما يقول لهم الأنبياء والأوصياء إنكم في هذه الدنيا تعيشون في الوهم والحقيقة هي الحياة الأخرى يضحكون منهم.

نعم، فالذين في زمانهم يضحكون منهم وبصلافة؛ لأنهم يكذبونهم أصلاً، والذين يأتون بعدهم يكذبون رواياتهم بحجة أنها غير معقولة ولا يقبلها العقل، إذن فالناس لا يقبلون من الغيب؛ لأنهم لا يؤمنون بالغيب بل يؤمنون بهذه الأجسام فقط، ولذا تجدهم لا يصدقون ما ورد وما يرد عن الأنبياء والأوصياء والقرآن من أن الدنيا دار ممر، وأن المادة الجسمانية مجرد وهم، وأن الآخرة هي الحقيقة الثابتة، في حين عندما يخبرهم مختبر تجريبي مثلاً المختبر الأوربي بأن المادة وهم ولا وجود لها وأن الموجود هو فقط قوة واحدة

صفحة PDF الأصلية ٣٩٦

والمادة تكثف قوى تعود في الأصل لقوة واحدة فهم يستقبلون هذا الإخبار برحابة صدر ويصدقونها، حتى وإن لم يمكنهم تعقلها أوإد اكها، ........) (١). ر

فاتضح أنّ كون القرآن تبياناً لكل شيء لا يعني الاستغناء عن سنّة الرسول وأوصيائه (صلوات الله عليهم)، لأن السنّة - في جزء كبير منها - تفصيل قولي وعملي للكلّيات المصرّح بها في القرآن الكريم، كما أنها مبيّنة وشارحة لمفردات الكتاب نفسه بعد كونه كتابا سماوياً مرمّزاً في كثير من الأحيان.

وبهذا تعتبر السنة مكمّلة للكتاب؛ لأنها - كما قلنا - مبيّنة ومفصّلة له، وبالتالي فتحقيق الهدف الذي نزل الكتاب من أجله لا يتم بدونها، وهذا يعني أنّ البيان والتفصيل الذي تتكفله سنّة المعصومين أمر ضروري وأساسي في دين الله؛ لأنه بدونها يبقى القرآن الكريم مبهماً في كليّاته وغامضاً في مفرداته بالنسبة إلى عموم الناس.

مما يطرحه المشككون من شبهات تخص سنّة الرسول هي قولهم بأنّ السنّة ليست وحياً من الله وإنما هي مجرد اجتهاد شخصي وجهد بشري من الرسول، وبالتالي لا تُمنح القيمة والحجية التي تمنح للقرآن، وطالما كانت كذلك فلسنا ملزمين باتّباعها أصلاً!

بيّنا سابقاً أنّ سنة الرسول تعني: قوله وفعله وسلوكه، وهي - بشكل عام - على نحوين:

الأول: قول الرسول وفعله المتصل ببيان دين الله وتحديد الموقف السليم والمرضي لله سبحانه تجاه مختلف المسائل والقضايا التي تصادف رسوله الكريم والتي تتطلب بيان وجهة نظر الدين الإلهي منها، والسنّة بهذا النحو لا تنفك عن دين الله الحق الذي يرتضيه لعباده، بل هي جزء أساسي منه (مبيّن ومفسّر) وتتصل بالوحي الإلهي اتصالاً وثيقاً؛

صفحة PDF الأصلية ٣٩٧

باعتبار أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) - كما وصفه ربه الكريم -: "مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" [النجم: ٤ - ٢ ].

حتى إنه لما قام بتفضيل أهل بيته الأوصياء (صلوات الله عليهم) على سواهم من المسلمين لم يتحمل بعض المسلمين ذلك وحدث بينهم لغط، فأوضح لهم الله سبحانه الحقيقة وأنّ الأمر بتكليف منه وبوحي مرسل منه سبحانه.

قال الإمام الباقر (عليه السلام): (وفي قوله عز وجل: "والنجم إذا هوى" قال: أقسم بقبض محمد إذا قبض" ما ضل صاحبكم (بتفضيله أهل بيته) وما غوى * وما ينطق عن الهوى" يقول: ما يتكلم بفضل أهل بيته بهواه وهو قول الله عز وجل: "إن هو إلا وحي يوحى") (١).

هذا حال الرسول وشأنه في بيان دين الله سبحانه قولاً وعملاً في كل ما يتصل بالقضايا الدينية، وإذا كان نطقه فيها جميعاً محكوماً بالوحي ففعله وعمله محكوم بالوحي أيضاً، وحاشاه - وهو الطاهر المطهّر - من أن يناقض فعله قوله؛ لأن مخالفة فعل الإنسان لقوله أمر يمقته الله، والرسول منزه - عقلاً ونقلاً - عن فعل كل ما لا يرضي الله، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَِّّ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا

تَفْعَلُونَ" [الصف: ٣ -٢ ].

ومما يؤكد ذلك أيضاً، قوله تعالى: "قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [الأعراف: ٢٠٣ ].

روي أنه لما سد الرسول (صلى الله عليه وآله) أبواب المسلمين المشرعة على المسجد وترك باب علي (عليه السلام) مفتوحاً عليه، كلّمه بعض المسلمين في ذلك، فقال: (إني لم أسد أبوابكم و افتح باب علي من تلقاء نفسي، ولكني اتبع ما يوحى إلي، وإن الله أمر بسدها وفتح بابه) (٢).

صفحة PDF الأصلية ٣٩٨

وخلاصة الأمر: إنّ كل ما يصدر من الرسول في القضايا التي تتطلب بيان مراد الله سبحانه فهي تصدر منه بوحي إلهي وليس باجتهاد وإبداء وجهة نظر شخصية، ولا شك أنّ سنّة الرسول بهذا المعنى متصلة بالوحي وليست كما توهم المشككون.

الثاني: قول الرسول وفعله المتصل بقضايا حياتية عامة لا علاقة لها بدين الله، ويمكن أن يبدي الرسول وجهة نظره فيها بوصفه إنساناً وفرداً محسوباً على البشر لا بوحي من الله، والملاحظ هنا أنّ موقف الرسول القولي أو الفعلي في مثل هذه الأمور وإن لم يكن مستنداً إلى الوحي الإلهي، لكن الرسول بحكم الصفات والمزايا التي تتمتع بها شخصيته الكريمة كالعلم والحكمة والفطنة والصدق والأمانة ونحو ذلك تؤهله إلى أن يكون محط نظر جميع المحيطين به للانتفاع من نصحه وتوجيهاته وإرشاداته القولية والعملية على حد سواء التي تعود بالنفع حتماً على من يستشيره ويستنصحه في الأمور الدنيوية العامة.

ثم إنّ مسألة أخذ الناس الحلول والإرشادات والتمسك بهدي الحكماء والعلماء الصادقين في نصحهم تكاد تكون محل إجماع العقلاء والبشر الأسوياء بشكل عام تقريباً، وفي مثل حالة الرسول تكون المسألة أولى وأوضح؛ لعدم انفصال جنبتيه الإلهية والبشرية، فالرسول الذي يفيض عليه ربه الطهر والعلم والحكمة والبصيرة والفطنة والحنكة وسدادة الرأي وسائر صفات الكمال نتيجة شدة إخلاصه لله سبحانه، لا ينفصل عنه ذلك وهو يقوم بإبداء نصح ومشورة دنيوية إلى من يطلبها، بالتأكيد ستكون نصيحة ومشورة ممزوجة بصدقه وطهره وحكمته وسداده، وبالتالي فالمنطق الإيماني الصحيح والسليم يقتضي اتّباع الرسول بكل ما يصدر منه في مختلف القضايا سواء التي تتصل بدين الإنسان وآخرته (كما هو واضح) أو التي تتصل بعموم قضاياه الحياتية العامة.

عن فضيل بن يسار قال: (سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال: "إنك لعلى خلق عظيم"، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عز وجل: "ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" وإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان مسدداً

صفحة PDF الأصلية ٣٩٩

موفقاً مؤيداً بروح القدس، لا يزل ولا يخطئ في شئ مما يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله، ...) (١).

بهذا نكون قد خلصنا إلى أنّ سنّة الرسول واجبة الاتباع والأخذ في جنبتها الوحيانية، كما أنّ العقل والمنطق الإيماني السليم يفرض العمل بها في جنبتها الحياتية العامة، وبذلك لا يبقى لمقولة المشككين في عدم وجوب اتباعها وجه يذكر.

شبهات عامة تخص السنة:

هناك بعض الشبهات التي تتصل بسنّة الرسول القولية، أو ما يُحسب عليها بتعبير أدق، كانت - هي الأخرى - مثاراً لعبث المشككين أيضاً، سأستعرض بعضاً منها:

يفتي الكثير من علماء المسلمين بجواز شرب بول البعير بل وسائر الأنعام محللة الأكل للتداوي، والسبب في نظرهم ورود بعض الروايات التي تؤكد ذلك، وهذه بعض الأمثلة لفتاواهم:

- السيد السيستاني: (مسألة ٩٠٣ : لا تحل أبوال ما لا يؤكل لحمه بل وما يؤكل لحمه أيضا حتى الإبل على الأحوط، نعم لا بأس بشرب أبوال الأنعام الثلاثة للتداوي وإن لم ينحصر العلاج بها) (٢).

- ابن باز: (ما حكم التداوي بأبوال الإبل وألبانها؟ ....... ج: لا بأس، فهو طاهر للتداوي به، كل مأكول اللحم بوله طاهر، بول الإبل، أو البقر، أو الغنم) (٣).

صفحة PDF الأصلية ٤٠٠

مثل هذه الفتاوى - المعللة بحسب أصحابها - ببعض الروايات التي تنسب إلى الرسول أو أحد أوصيائه تسبّبت بإثارة الشبهات والاستهزاء بالرسول والإسلام عموماً بحجة مخالفة العلم وما ينصح به الطب.

١- مثل هذه الفتاوى تحسب على أصحابها ولا علاقة لخلفاء الله (أعني الرسول وآله الأوصياء صلوات الله عليهم) بها من قريب أو بعيد.

٢- الروايات التي يستدل بها من حلل الشرب من العلماء قليلة، وبعضها مطعون في سندها، كما أنها مختلفة في مؤداها، ولذا تعددت أقوالهم في المسألة؛ فبعضهم جوّز الشرب مطلقاً وبعضهم اقتصر على حال الضرورة، والصحيح أنها روايات موضوعة ومكذوبة على الرسول وأوصيائه ولم تصدر منهم إطلاقاً.

سئل السيد أحمد الحسن: "هل يجوز استعمال بول الناقة في علاج مرض الخلل التنفسي في الصدر لشخص مؤمن، وقد نعته لي أحد الاطباء بحجة أنّ الامام الصادق (عليه السلام) ينعت البول لهکذا مرض؟"، فأجاب:

(إذا كنت تقصد شرب بول الإبل كما يفعل مشايخ الدين الوهابي والمخدوعون من أتباعهم، فهذا فعل قبيح ومقزز ولا يجوز شرب القذارة، أما الامام الصادق صلوات الله عليه فحاشاه أن يحلّل شرب القذارة) (١).

روى المسلمون عن الرسول - وكذا عن أوصيائه - قولهم صلوات الله عليهم: "إنّ الحرب خدعة"، الأمر الذي أثار حفيظة المشككين واعتبروه طعناً بالرسول وأوصيائه، بحجة أنّ الخداع يتنافى مع الأخلاق الحسنة التي ينبغي أن يتحلّى بها رسل الله!

صفحة PDF الأصلية ٤٠١

وكمثال لتلك الروايات:

- عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة) (١).

- روى الكليني في الكافي: (عن مسعدة بن صدقة قال: حدثني شيخ من ولد عدي بن حاتم، عن أبيه، عن جده عدي وكان مع أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: في يوم التقى هو ومعاوية بصفين ورفع بها صوته ليسمع أصحابه: والله لأقتلن معاوية وأصحابه ثم يقول في آخر قوله: إن شاء الله - يخفض بها صوته - وكنت قريبا منه فقلت: يا أمير المؤمنين إنك حلفت على ما فعلت ثم استثنيت فما أردت بذلك؟ فقال لي: إن الحرب خدعة وأنا عند المؤمنين غير كذوب فأردت أن أحرض أصحابي عليهم كيلا يفشلوا وكي يطمعوا فيهم فأفقههم ينتفع بها بعد اليوم إن شاء الله واعلم أن الله جل ثناؤه قال لموسى عليه السلام حيث أرسله إلى فرعون: "فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" وقد علم أنه لا يتذكر ولا يخشى ولكن ليكون ذلك أحرص لموسى عليه السلام على الذهاب) (٢).

١- بتصور بسيط، الخدعة هي: الحيلة التي يستعملها الإنسان مع الآخرين للوصول إلى قصد معيّن، فهي وسيلة يختلف الحكم فيها باختلاف استعمالها في الموارد والقصود المتعددة، وكذا باختلاف طبيعة الأطراف التي وقعت الخدعة عليهم "المخدوعين"، فمثلاً من الموارد:

- استعمال الخدعة مع طرف مسالم لا يعتبرك عدواً له بقصد استغلاله وإيذائه، وأكيد أنها تكون مذمومة ومنافية لحسن الخلق هنا، بل ويعتبرها الإسلام محرّمة - والحال هذه - وصفة من صفات المنافقين، قال تعالى: "يُخَادِعُونَ اللَّّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ" [البقرة: ٩].

صفحة PDF الأصلية ٤٠٢

- استعمال الخدعة مع طرف لا بقصد استغلاله وإيذائه، وإنما لأجل الحفاظ على سريّة مهمة نبيلة تقوم بها مثلاً، كما لو آويت بريئاً يطلب الظالم قتله، وشعرت أنّ أحد عيون الظالم أحسّ بوجوده عندك، فاستعملت خدعة معيّنة لإبعاد الشك؛ حفاظاً على حياة ذلك البريء. ولا أعتقد أنّ عاقلاً سويّاً يحكم بأنّ استعمال الخدعة من قبلك في هكذا مورد يتنافى مع حسن الخلق. - استعمالها مع العدو الظالم الذي يتربّص بك الدوائر والفرص للقضاء عليك واستئصالك. وبكل تأكيد هو مورد لا يتنافى مع حسن الخلق أيضاً، بل هو أولى من سابقه.

وهكذا يتضح أنّ استعمال الخدعة ليس أمراً منافياً لحسن الخلق دائماً، وبالتالي فإنّ الحكم عليها بحكم واحد - وهو الذم - كما فعل المشككون قول غير صحيح، ولا أعتقد أنّ عاقلاً لديه شيء من الإنصاف يقبل مقولتهم.

٢- موارد استعمال الرسول ووصيه (صلوات الله عليهما) للخدعة:

وردت "الخدعة" في قول الرسول ووصيه بخصوص "الحرب"، ما يعني بوضوح أنّ الطرف الآخر معلن بحربه لرسالة الله ومشروعه الذي بعث به رسوله على هذه الأرض. ولا شك أنّ استعمال الخدع الحربية والتمويه الذي يمكّن خلفاء الله من دفع عدوهم والحفاظ على رسالة الله لا يكون فقط أمراً غير منافٍ للأخلاق الحسنة التي يتصف بها جميع الرسل فحسب، وإنما يكون مصداقاً لجنود العقل التي يجب الاتصاف بها؛ لا سيما في مثل حالة الرسول ووصيه (عليهما السلام)؛ إذ أنّ كثرة أعدائهم الذين يحيطون بهم من كل جانب، وقلة عدد جيشهم، إضافة إلى ضعف عدتهم وإمكانياتهم المادية والحربية، يحتم عليهم استعمال خدع الحرب التي تزعزع جبهة عدوهم وتقلل خسائر صفوفهم، خصوصاً إذا ما لاحظنا:

- أنّ تلك الخدع ليس فيها ما يتنافى وحسن الخلق. - أنّ الحروب التي اضطرهم إليها عدوهم هي حروب دفاعية (لا هجومية) كما توضح لنا سابقاً.

صفحة PDF الأصلية ٤٠٣

لا شك أنّ ترك استعمال خدع الحرب في ظل هكذا شروط وظروف أمر مجانب للحكمة والفطنة والكياسة التي يجب توفرها في أي قائد فضلاً عن أن يكون قائداً إلهياً بحجم الرسول محمد والإمام علي (صلوات الله عليهما).

٣- عرفنا أنّ أسلوب الخدع والتمويه الحربي يستعمله خلفاء الله مع أعدائهم المحاربين لهم دفاعاً عن أنفسهم والمؤمنين بهم، وقبل ذلك الحفاظ على رسالة الله التي يحملونها، ومع هذا فإنّ استعمالهم لهذا الأسلوب مشروط بأن لا يكون فيه غدر أو نقض لعهد وميثاق ساري بين الطرفين؛ لأنه حينئذٍ يكون خيانة، وهي لا تصدر منهم أبداً لقول الله تعالى: "إِنَّ اللََّّ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ" [الأنفال: ٥٨ ].

ومن تتبّع سيرة الرسول يجد أنّ الموارد التي استعمل فيها التمويه والخداع الحربي لم تكن بصورة تتنافى وحسن الأخلاق نهائياً، فلم يكن فعله (وحاشاه) مشوباً بالغدر أو نقض العهد ولا مخالفة أي صفة حميدة أمر الناس بالاتصاف بها حتى على مستوى الكذب وقول ما ليس بحق إطلاقاً، وإنما كانت تهدف إلى زعزعة الأعداء وتفريق عزمهم على القتال، مثل ما فعله في عام الفتح (٨ ه) لما أمر بإشعال نار عظيمة على الجبال المحيطة بمكة لإيهام العدو بأنّ معه قوة كبيرة جداً، حتى إنّ كبير قادة الكفر (أبو سفيان) قال حينها: "ما أيت كالليلة نيراناً قط" (١). ر

وأيضاً: قد يستعمل الرسول أسلوب التمويه لرفع معنويات جيشه وعدم انكسارهم، كما حصل في معركة الخندق "الأحزاب" التي جمعت أشد الناس عداوة للرسول ولمشروعه الإلهي الرسالي، لما زحفوا بجيوشهم المؤلفة باتجاه المدينة "يثرب" وحاصروها من جميع الجهات، وكانت أشد أيام الرسالة وقعاً على الرسول وأتباعه كما تقدمت الإشارة لذلك. في تلك الظروف بلغ الرسول خيانة بني قريظة ونقضهم لعهد السلم الموقع بينه وبينهم، فأرسل لهم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ليتحسسوا له الخبر ويتبيّنوا صدقه من كذبه، وقال لهما: (انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقاً فألحنوا لي لحناً أعرفه، ولا تفتّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فأجهروا به للناس).

صفحة PDF الأصلية ٤٠٤

وفعلاً، لما وجدوهم على أشد ما يكون من خبث ونقض للعهد وتحالف مع الأعداء، رجعوا للرسول وبعد أن سلّموا عليه بمحضر المسلمين قالوا له: (عضل والقارة، أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع، خبيب وأصحابه، فقال رسول الله: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين) (١).

واضح أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يسمح بالكشف عن حقيقة بني قريظة أمام جيشه؛ لأنه بالأساس غير مجبر على التصريح بها والكشف عنها في ظل ظروف حرب وحصار شديد، ولا أعتقد أنّ قائداً لديه أدنى مستوى من الحنكة والحكمة يسمح بهذا. لكن الرسول في نفس الوقت لم يكن في فعله ما ينافي حسن الخلق، ولم يقل غير الحق والصدق، أما أسلوب التمويه والتورية الذي فعله فالهدف منه عدم إضعاف معنويات جيشه، واكتفى بالتكبير وتبشير المسلمين الذي يحفز في نفوسهم الثقة بنصر الله لهم، وهو صادق في ذلك، لأن ربه أكبر من كل شيء حقاً وصدقاً كما أنه على يقين كامل بنصره إياه على أعدائه. فالحق، أنّ فعل الرسول ليس فقط غير منافٍ لمكارم الأخلاق وإنما هو أدل دليل عليها، لأنه يكشف عن أنّ شخصيته فذة وكانت تتمتع بدرجة كبيرة من رباطة الجأش والصبر والحكمة والحنكة والقوة والعزيمة العالية جداً وقبل كل ذلك الثقة بربه سبحانه بالرغم من أنه كان في أحلك الظروف وأكثرها قساوة وشدة.

وبخصوص الموارد التي أطلق فيها الرسول مقولة "الحرب خدعة"، فمنها: ما رواه المؤرخون من أنه كان "إذا أراد غزوة ورّى غيرها، وكان يقول: الحرب خدعة" (٢)، والخدعة هنا حصلت بالتورية، وهي - كما هو المعروف في معناها - أن يستر الإنسان مراده الحقيقي ويظهر للناس (أو بعضهم) شيئاً آخر لقصد معين في نفسه.

يمكننا أن نفهم قول الرسول "الحرب خدعة" في هذا المورد: أنه لما كان يخرج لقتال عدو في جهة ما يسأل عن طريق آخر تمويهاً على الجهة المقصودة له حقيقة، وهو إجراء طبيعي واحترازي حكيم منه بالتأكيد؛ لأنه يعزز من فرص نجاح المهمة وأبلغ في إصابة العدو؛ خصوصاً وأنّ المدينة "يثرب" كانت مليئة بالمنافقين وجواسيس العدو، بل وممكن جداً أن يتواجد بعضهم ضمن صفوف جنوده الخارجين معه للقتال، وبالتأكيد أنّ هكذا

صفحة PDF الأصلية ٤٠٥

ظروف تحتم على الرسول - كقائد عسكري - الاحتياط لمسيره وعدم كشف تفاصيل خطته والتمويه عليها، من ثمّ استعمل إحدى "خدع الحرب" التي لم نراه (وحاشاه) قد نطق كذباً فيها، ولا أنه مارس شيئاً يطعن بحسن أخلاقه، وكل ما في الأمر أنه أضمر مراده الحقيقي وموّه عليه بسؤاله عن شيء آخر؛ احترازاً لعدم كشف خطته.

وأيضاً: أطلق الرسول (صلى الله عليه وآله) مقولة "الحرب خدعة" أمام من يتمكّن من التأثير على جبهة العدو لأجل تفكيكها وزعزعتها ودفع خطرها، مثل: ما طلبه من نُعَيْم بن مسعود الأشجعي الذي كان سيداً في قومه وتربطه علاقة صداقة بسادة قريش وكبار قبائل العرب واليهود المتحالفين معهم للقضاء على الرسول ودعوته الإلهية، فإنه لما أتى الرسول ليعلن إسلامه، قائلاً: "يا رسول الله إني قد أسلمتُ ولم يعلم قومي فمُرني بما شئت"، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنت رجل واحد فخذِّل عنا ما استطعت فإن الحرب خَدْعَة" (١). وفعلاً استطاع نعيم - من خلال خدعة ذكية - من تفكيك الحلف الثلاثي القائم آنذاك بين قريش وغطفان ويهود بني قريظة الذي كان يهدف إلى حرب الرسول والقضاء عليه تماماً.

ولا شك أنه أسلوب يكشف عن فطنة القائد وحنكته وقدرته على إدارة الحرب ودفع خطر العدو بالسبل المتاحة قبل الاضطرار لخوض الحرب الفعلية التي تكلّف بطبيعة الحال خسائر في الأرواح؛ خصوصاً مع تفوق جبهة العدو عدة وعدداً، وبالتالي فالقائد الذي يترك التدرّج في خطواته ويُقدِم على اختيار السبيل الأصعب في الحرب مباشرة أقل ما يقال عنه أنه متهور وغير مؤهل للقيادة، أما من يتمكن من تجنيب جيشه الخسارة وذهاب الأرواح مع الحفاظ على مبادئه وقيمه ورسالته فهو أولى بالاتباع ويكون على درجة عالية من الحكمة والفطنة، وهذا بالضبط ما يقصده الرسول من قوله: "الحرب خدعة".

كذا الحال لو لاحظنا رواية الكافي المتقدمة التي أطلق فيها الإمام علي (عليه السلام) مقولة "الحرب خدعة"، فإنه كان بصدد رفع همم جنوده الذين كانوا ضمن جيش يعلم قائده جيداً أنه منخور بسبب السموم والأحقاد التي يبثها المنافقون بين صفوفه المتفرقة

صفحة PDF الأصلية ٤٠٦

بالرغم من الحق المتجسد في إمامهم، في حال كانت جبهة معاوية اللعين متماسكة رغم باطل كبيرهم، ففي ظل احتدام القتال بين جبهة الحق والباطل ماذا ننتظر من قائد جبهة الحق غير أن يقوم بتحريض جنوده على القتال والدفاع عن الحق واستخدام جميع السبل المتاحة لتحقيق ذلك مما لا ينافي المبادئ والقيم الإلهية التي يقاتل إمام الحق من أجلها، كاستفادته من ثقة جنوده المؤمنين بصدقه وأنه لا يكذب في شيء من أقواله أو يتقوّل على الله ورسوله (وحاشاه من ذلك)، لذا رفع صوته قائلاً: "والله لأقتلن معاوية وأصحابه"، وهو صادق في قوله هذا ولم يقل غير الحقيقة؛ لأنه فعلاً خارج ومصمّم على قتل إمام الباطل وأتباعه، لكن سيد الموحدين يعلم يقيناً أنّ كل شيء مرهون بمشيئة الله سبحانه، لذلك استثنى وقال: "إن شاء الله" التي خفض بها صوته، لئلا يفقد قوله وحثّه بريقه في دفع جنوده للقتال أو يتم تأويل قوله بشكل يوهن من جبهته ويضعف من عزيمة مقاتليه.

وهو - كما نلاحظ - سبيل يتفق تماماً مع الحكمة والفطنة التي يجب أن يتحلى بها القائد في المو اقف الصعبة والحرجة ولا يتنافى مع حسن الخلق إطلاقاً؛ إذ لم يصدر منه (عليه السلام) أكثر من أنه لم يجهر بكل مقولته ويعلنها أمام الجميع لغاية في نفسه صرّح بها أمام من يأمن جانبه، والقائد الحكيم غير مجبر على كشف كل مقاصده للجميع، بل اشتراط ذلك في القائد مجرد هذيان لا قيمة له ولا يقول به عاقل.

لا شك أنّ مسألة الزواج وارتباط الرجل بالمرأة مرهون بتو افر مجموعة من المقوّمات. ونجاح هكذا اقتران مهم - بنظر الشرع والقانون - متوقف على وجود مؤهلات تكشف عن قدرة كلا طرفي العلاقة على تحمّل المسؤوليات والتبعات المترتبة على الزواج وبمستوى لا بأس به من ناحية الإدراك والنضج النفسي والبدني معاً.

البنت في سن التاسعة لا زالت قاصرة، لأنها صغيرة وسلوكها طفولي وتصرفاتها تكشف عن أنها بمستوى نضج نفسي وبدني متدني قياساً بما يجب توفره في الزواج والاقتران كحد أدنى لنجاح التجربة، فلا مستوى إدراكها يؤهلها لأداء وظائف الزوجية

صفحة PDF الأصلية ٤٠٧

والقيام بمسؤولية رعاية الزوج أو الأطفال والقيام بمهام الأسرة عموماً، ولا أنّ أجهزتها البايولوجية (التي تفرضها العلاقة الزوجية) مكتملة فيها كما تشير له الدراسات العلمية والطبية المؤكدة، وبالتالي يكون تزويجها في هذا السن جريمة بحقها، ليس فقط من جهة أنّ السماح بزواجها يؤدي - غالباً - إلى فشل التجربة كما تشير له الاحصائيات المسجلة في كثير من الدول والمجتمعات التي تسمح بمثل هذا النوع من الزواج "زواج القاصرات" ومشاهدة كثرة حالات الطلاق فيها، ولكن أيضاً من جهة أنّ زواج المرأة في هكذا سن يؤذيها لعدم اكتمال أجهزتها الداخلية.

ولهذا، أثارت مسألة تشريع الزواج في سن التاسعة جدلاً ولغطاً واسعاً لدى مختلف الأوساط العلمية والثقافية عموماً؛ الدينية منها والأكاديمية.

من جهتهم، بعض فقهاء المسلمين شرّع زواج البنت في سن التاسعة، والمراجع لفتاواهم وكلامهم يجد ذلك بوضوح، بحجة أنّ الرسول تزوج عائشة في سن مبكرة ودخل بها في التاسعة من عمرها، هذا ما يقوله بعض الفقهاء المحسوبين على السنة.

يقول ابن باز: (..... وهكذا البنت، إذا بلغت تسعًا فأكثر، إذا تيسر الزواج تزوج، بنت تسع، بنت عشر، بنت إحدى عشر؛ لا حرج، عائشة تزوجها النبي ﷺ وهي بنت سبع، ودخل بها وهي بنت تسع -رضي الله عنها-) (١).

أما فقهاء الشيعة، فكذلك جوّز بعضهم ذلك بحجة وجود روايات وردت عن أوصياء الرسول (صلى الله عليه وآله) تدل بنظرهم على جواز تزويج البنت في التاسعة، مثل:

- ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا تزوج الرجل الجارية وهي صغيرة فلا يدخل بها حتى يأتي لها تسع سنين) (٢).

صفحة PDF الأصلية ٤٠٨

- وأيضاً: ما روي عنه عن الرسول (صلى الله عليه وآله): (حد المرأة أن يدخل بها على زوجها بنت تسع سنين) (١).

الملحدون والمشككون بالدين الإلهي استغلوا هذه المسألة للطعن بالرسول وأوصيائه والإسلام عموماً بذريعة تشريع زواج القاصرات، وهو أمر غير مستساغ عقلاً؛ لأن فيه ظلماً واضحاً يقع على البنت، إضافة إلى الآثار والنتائج السيئة التي يخلّفها هكذا نوع من الزواج كما يشاهده الجميع.

١- الإسلام كدين إلهي ومن ينطق باسمه - أعني الرسول وأوصياءه الطاهرين (صلوات الله عليهم) - غير معنيين بالفتاوى والآراء التي تصدر من قبل فقهاء المسلمين غير المعصومين بطبيعة الحال، ولا أنّ الإسلام قدّمهم للناس بوصفهم ناطقين باسمه ومبيّنين لنهجه وشريعته، وبالتالي فهم - أي الفقهاء - أولى بتحمّل تبعات آرائهم وفتاواهم.

٢- بخصوص زواج الرسول (صلى الله عليه وآله) من عائشة، فقد تقدم ذكره في الشبهة ( ٧١ )، وانتهينا هناك - بعد التحليل التاريخي - أنّ عمرها عند الزواج لم يكن تسع سنين وإنما أكبر من ذلك، وبالتالي لا يمكن اعتباره حجة يستند إليها البعض في تشريع زواج البنت في سن التاسعة بشكل عام.

٣- جواز زواج البنت في سنّ التاسعة الوارد ذكره في بعض النصوص الدينية لا يعني بحال أنه أمر مسموح به شرعاً بحيث يكون قانوناً دينياً عاماً يسمح بتطبيقه في الحالة الطبيعية والاعتيادية التي يمر بها الناس، فالسن الطبيعي لزواج البنت يكون بعد اكتمال أعضائها وأجهزتها البايولوجية المناسبة لمسألة الزواج وهو سن الثامنة عشرة عادة أو قبل ذلك بقليل، وأما سنّ "التاسعة" المذكور في بعض الروايات فالمقصود به بيان الحد الأدنى من الناحية التشريعية لزواج البنت في حالات استثنائية وضرورات قصوى يمر بها المجتمع المؤمن كحدوث كارثة تهدد بانقراض المؤمنين أو الجنس البشري مثلاً.

صفحة PDF الأصلية ٤٠٩

وهذا يعني أنّ تشريع الزواج في سن التاسعة في ظرف استثنائي شيء وتقنينه بنحو عام يشمل جميع الظروف والأحوال شيء آخر، لكن الفقهاء لما اطلعوا على روايات التشريع (تشريع الزواج في التاسعة) توهموا أنها تصلح لأن تكون مستنداً لتأسيس قانون مدني عام يخص المرأة (من جهة تحديد سن الزواج) في كل الظروف، والحال - كما بيّنا - أنها نصوص تشير إلى إمكانية السماح بالزواج في ذلك السن في حالات استثنائية يمر بها المجتمع المؤمن، أي إنها بصدد بيان الحدود الدنيا للسماح بزواج البنت في ظل ظروف معينة وخاصة، ولهذا ورد التعبير بـ "حد" في بعض النصوص كما لاحظنا، وبالتالي لا ترقى تلك النصوص لأن تكون قانوناً عاماً يصح العمل به في الظروف الطبيعية التي لا تستوجب العمل بالاستثناء والحد الأدنى.

يقول السيد أحمد الحسن: (بالنسبة لجواز زواج البنت في عمر تسع سنوات في الإسلام هو عبارة عن بيان حدود الحالة الشرعية وليس هو القانون الذي تعمل به الحكومة الإلهية فيما لو تسنى لخليفة الله الحكم ووضع قانون الأحوال الشخصية.

فلو بُسط الأمر لخليفة الله يمكن أن يضع قيوداً تمنع زواج البنت دون سن يضمن فيه عادة اكتمال نمو الأعضاء التناسلية للأنثى البشرية، كأن يشترط وجود ضرورة لهذا الزواج وأن تكون الحالة الجسمانية للفتاة بحسب فحص طبي رسمي مناسبة للزواج... الخ. وعموماً تشريع حلية هذا النوع من الزواج في الشريعة الإسلامية لا يعني أنه الحالة الطبيعية كما تبين، بل هو مجرد الحد الأقصى الذي يمكن أن تتزوج فيه الفتاة عند الضرورة، فمثلاً لو تصورنا أنّ كارثة حصلت على الأرض وبقي أفراد فقط من الجنس البشري أو من المؤمنين فعندها تكون مسألة الزواج المبكر والإنجاب المبكر - مع أخذ احتياطات الأمان - ضرورة للحفاظ على الجنس البشري أو للحفاظ على المؤمنين وإلا فسيزيد احتمال تعرض الجنس البشري للانقراض، ومن يفهم نظرية التطور وكيف تعمل المنظومة الجينية في الطبيعة يفهم ما أقول، فلو لم تكن هناك أهمية للزواج المبكر - أو لنقل استعداد الأنثى البشرية للتلقيح في سن مبكر - في الحفاظ على الجنس البشري في وقت سابق من تطور الهومو لما تطور جسم الأنثى بهذه الصورة بحيث يكون مهيأ للتلقيح في سن مبكرة.

صفحة PDF الأصلية ٤١٠

أما ما يخص تطبيق بعض المسلمين من أنفسهم لهذا التشريع دون ضوابط وتسببهم بأضرار جسدية للفتيات فهذا خطؤهم وليس خطأ الشريعة، فليسوا هم ولا فقهاؤهم مؤهلين لتطبيق الشريعة ولا معرفة حدودها التامة ولهذا جعل الله التطبيق مهمة خليفة الله في أرضه) (١).

الزواج المؤقت أو المنقطع اسمه دال عليه، فهو الزواج المحدد بوقت معيّن في قبال الزواج الدائم غير المحدد بوقت. والملاحظ في هذا الزواج أنّ الشيعة فقط - من بين سائر فرق المسلمين - هي التي تنفرد بالقول بجوازه، بالرغم من ورود نصوص دينية عند كل المسلمين تؤكد وجوده في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله).

هذا النوع من الزواج أثار فضول بعض المشككين للطعن بالإسلام والرسول بالتبع؛ لأنه - بنظرهم - امتهان للمرأة وانتقاص من قدرها وتصوير أنها مجرد لعبة صنعت لأجل ممارسة الجنس لا غير!

١- الزواج المنقطع زواج شرعي بدلالة القرآن الكريم والسنة القطعية الواردة عن الرسول وأوصيائه (صلوات الله عليهم).

(عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن المتعة، فقال: نزلت في القرآن "فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة فلا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة") (٢).

صفحة PDF الأصلية ٤١١

وواضح أنّ الآية لم يحصل لها نسخ في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله). نعم، النهي والمنع حصل من قبل عمر بن الخطاب كما هو الثابت في نصوص المسلمين، ولا شك أنّ قول عمر ليس ديناً إلهياً يتعبّد به.

قال الإمام الجواد (عليه السلام): (كان علي (عليه السلام) يقول: لولا ما سبقني به بني الخطاب ما زنى إلا شقي) (١).

٢- الزواج المنقطع زواج مكتمل الأركان من حيث: الصيغة، والمحل، والمهر، والأجل.

- فالصيغة المشترطة فيه هي نفسها صيغة الإيجاب والقبول المشترطة في الزواج الدائم بلا أي فرق مثل أن تقول الزوجة: "زوجتك ..." ويقول الزوج: "قبلت". - وأما المحل أي الزوج والزوجة، فأيضاً يشترط فيهما ما يشترط في الزواج الدائم، كاشتراط أن لا تكون الزوجة منكرة لله ليصح زواج المسلم بها، أما المسلمة فلا يصح زواجها إلا بالمسلم خاصة، ونحوها من الشرائط. - وأما المهر، فيشترط وجوده في عقد الزواج المنقطع، ويبطل العقد بدونه. - وكذا الأجل "الوقت"، فهو شرط في الزواج المنقطع، ولو لم يذكر في العقد يقع الزواج دائماً، وتقدير الأجل راجع للزوجين لكن يشترط أن لا يقل عن فترة ستة أشهر ليصح الزواج، وإلا يكون العقد باطلاً.

وأيضاً: يشترط في الزواج المنقطع الإشهاد أو الإشهار "الإعلان" كالزواج الدائم تماماً، والاشهاد يحصل بوجود شاهدين يشهدان على حصول عقد الزواج بين الطرفين، وأما الإعلان فيكون بعد حصول العقد وقبل أن يدخل بزوجته كأن يعمل وليمة عرس يدعو لها الناس لتكون وسيلة لتعريفهم بزواجه.

ولا شك أنه إجراء حكيم اشترطه الشارع المقدس لصيانة أعراض النساء وحفظ كرامتهن وضمان حصولهن على كافة حقوقهن، وفي نفس الوقت إجراء يضمن الحفاظ على نسب الأطفال الذين يولدون بذلك الزواج، فإنّ الإشهاد أو الإعلان وسيلة مهمة تمنع

صفحة PDF الأصلية ٤١٢

من استغلال المرأة كما أنها تقطع الطريق أمام بعض ضعاف النفوس من الرجال الذين يفكرون بقضاء وطرهم مع المرأة فقط ورفض المولود الناتج من ذلك الزواج.

وأيضاً: الزواج المنقطع فيه عدة سواء بعد انقضاء مدة الزواج، أو عند وفاة الزوج في فترة الزواج، وهي تماماً كعدة المتوفى عنها زوجها في الزواج الدائم، أي أربعة أشهر وعشرة أيام للزوجة غير الحامل، وللحامل أبعد الأجلين من الفترة المذكورة أو وضع الحمل.

نعم، يختلف الزواج المنقطع عن الدائم في بعض الأحكام، منها:

- إنه ليس فيه طلاق، وإنما يحصل فك رباط الزوجية فيه بانقضاء المدة، أو أن يهب الزوج المدة المتبقية للزوجة. - لا يثبت فيه ميراث بين الزوجين إلا إذا اشتراطا ذلك في العقد.

كانت هذه أهم الأحكام التي تتعلق بالزواج المنقطع بحسب ما ذكره السيد أحمد الحسن في كتاب "شرائع الإسلام" (١)، وقد أينا أنّ الزواج المنقطع فيها لا يختلف عن ر الزواج الدائم إلا في بعض الأحكام التفصيلية والجزئية، وإلا فهو من حيث الأركان والأساسيات التي تحفظ للمرأة والأنساب كرامتهم وحقوقهم الشرعية والقانونية حاله حال الزواج الدائم تماماً دون أي فرق.

ا ٣- لا شك أنّ الزواج المؤقت - إذا ما روعيت أحكامه وشروطه المذكورة - يعدُّ حلا شرعياً وقانونياً مناسباً لكثير من الظروف والحالات الاجتماعية التي يضطر إليها كل من الرجل أو المرأة على حد سواء، فيكون الزواج المؤقت - والحال هذه - حلاً و اقعياً جيداً؛ خصوصاً وأنّ الدين الإلهي - كما قلت - أخذ بنظر الاعتبار جميع الاحتياطات التي يضمن فيها الحفاظ على كرامة المرأة والطفل المتولد من ذلك الزواج.

جودة هذا الحل وو اقعيته تكمن في مراعاته للاحتياطات والضمانات الأساسية المشار لها من جهة، ومن جهة أخرى: إنه يعترف بالحاجة البايولوجية (الرغبة الجنسية) لدى الإنسان ويضع لها حلاً معقولاً ومناسباً، ولا يقابلها بالمنع والكبت فقط، كما أنه لا

صفحة PDF الأصلية ٤١٣

يحصر تنفيس تلك الحاجة بسبيل واحد أي الزواج الدائم (وهو متعذر في بعض الحالات كما قلنا)، وواضح أنّ أسلوب المنع المجرد عن الحلول الو اقعية (في حالتنا) سيدفع الرجل والمرأة - بالنتيجة - إلى إيجاد المتنفس البديل ولو كان بصورة زنا أو علاقات صداقة مبتذلة وما شابه من سبل تمتهن فيها النساء حقيقة وتضيع فيها الحقوق والأنساب تماماً كالذي يحصل في كثير من المجتمعات التي لا تعمل بهذا الحل، وهو بالضبط ما رأيناه في مقولة الإمام علي (عليه السلام) المتقدمة: "لولا ما سبقني به بني الخطاب ما زنى إلا شقي".

علماً - وهو أمر مهم أيضاً - أنّ مسألة الزواج المؤقت لا تقع ضمن مساحة الوجوب والإلزام الديني، وإنما تقع ضمن مساحة الجواز التي يحتاج العمل بها - من جهة - إلى قرار من قبل الشخص نفسه (الزوج، الزوجة) وفق الظروف التي يقدّرها طرفا الزواج، ومن جهة ثانية: إنها لما كانت مشروطة بشروط - كما عرفنا - يكون العمل بها دون إحراز تلك الشروط محرّماً وغير جائز شرعاً.

٤- أما إن كان هناك فئات من الناس تستخدم هذا النوع من الزواج "الزواج المؤقت" للعب بأعراض النساء واستغلالهن جنسياً مقابل حفنة من المال، أو تحديد أوقات وآجال قليلة جداً كساعة مثلاً - وهي أشبه باللعب منها بالزواج المقرّر شرعاً - فهي أمور تحسب عليهم وهم من يتحمل وزرها، والإسلام ورسوله وأوصيائه الكرام برآء من ذلك، حتى وإن كانت أفعالهم تلك مستندة إلى فتاوى بعض الفقهاء؛ لأنها فتاوى لا تعني الدين الإلهي في شيء بعد صدورها من أناس غير معصومين ومعرضين للخطأ ولم ينصّبهم الرسول ناطقين باسمه أو باسم الدين الإلهي عموماً.

معلومات الصفحة
نوع الصفحة
سنة الرسول - دفاع عن الرسول - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.