الفصول

زوجات الرسول

دفاع عن الرسول · د. علاء السالم

المصدر ↗

صفحة PDF الأصلية ٣٥٥

من المعلوم أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) كانت لديه عدة زوجات، وهذا الأمر استغله المشككون والملحدون ليوجهوا سهام نقدهم للرسول، وأثاروا في هذا الصدد عدة شبهات، وسنبحث أهمها تباعاً.

يطرح المشككون والملحدون مسألة تعدد زوجات الرسول ضمن إطار شدة رغبته الجنسية في اتخاذ أكثر من زوجة كما يدّعون!

:

١- مسألة إثبات رسالة الرسول ونبوّته لا علاقة لها بتعدد زوجاته؛ لأننا نتكلم عن مسألة متعلقة بالله سبحانه، والله هو من له الحق - وحده لا غير - في وضع الحدود والصفات التي يجب أن يتحلّى بها المصطفى من قبله للنبوة والرسالة، وأيضاً هو سبحانه من يضع القانون الذي به يتم التعرف على خليفته في أرضه سواء كان نبياً أو رسولاً أو إماماً، ونحن قرأنا تلك الصفات واطلعنا على القانون الإلهي المعرّف بخليفته ولم يكن من بين بنوده قضية الزواج أو عدد الزوجات.

وبالنسبة للملحدين الذين يطرحون هذه الشبهة، فكونهم غير مؤمنين بالله لا يمنحهم الحق في اشتراط صفات وبنود معينة من عندهم؛ لأن الكلام ليس عمّن ينتدبونه هم لتمثليهم في محفل أو مكان ما، وإنما الكلام عمّن ينتدبه الله ليمثله في أرضه، فالأولى

صفحة PDF الأصلية ٣٥٦

بالملحدين - إن كانوا أهلاً للحوار - أن ينصرفوا للاهتمام بإثبات عقيدتهم القائمة على نفي وجود الإله بالدليل، ويركزوا حديثهم حول هذا الأمر إن كان لديهم ثمة شيء يعبأ به في هذا الصدد ويطرحوه لخصمهم وينظروا في رده وجوابه، بدل الاستهزاء واللعب والخوض في مساحة ثانوية بل قد لا تعنيهم بشيء إطلاقاً.

وأما بالنسبة لمن يؤمنون بوجود إله ويطرحون هذه الشبهة كالمسيحيين، فأقول: إنّ نصوص الكتاب المقدس أثبتت وجود أكثر من زوجة لبعض الأنبياء، مثل:

- إبراهيم (عليه السلام): له ثلاث زوجات عدا السراري (١). - يعقوب (عليه السلام): له أربع زوجات (٢). - داود (عليه السلام): له تسع زوجات عدا السراري (٣). - سليمان (عليه السلام): عنده سبعمائة من النساء وثلاثمائة من السراري (٤).

لهذا حاول بعض علماء الكنيسة إيجاد الحلول لكثرة زيجات داود - مثلاً - الذي يعترفون بنبوته (٥).

وبصرف النظر الآن عن صحة نصوص الكتاب المقدس بخصوص زيجات الأنبياء وعددهن، لكن الواضح أنّ المسيحيين يعتقدون بصحتها ومع هذا فهم لا يشككون بنبوة المذكورين فيها لمجرد تعدد زوجاتهم، فلِمَ ثقل عليهم تعقل تعدد زوجات الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) واعتبروه طعناً في نبوته ورسالته؟!!

٢- في عالمنا المعاصر، لا شك أنّ تعدد الزوجات مسألة قانونية أعني لها صلة بالقانون النافذ في أي دولة من الدول، ولم تتفق كلمة دول العالم جميعاً على قول فصل بشأنها من الناحيتين النظرية والعملية، حيث لا زال أكثر من ربع دول العالم تجيز التعدد

صفحة PDF الأصلية ٣٥٧

ولم تمنعه قانونياً، لكن أكثر الدول اليوم أخذت تتعامل معه على أساس أنه غير مجاز قانونياً ولا رسمياً وفق أحدث القوانين المدنية والأسرية الصادرة والنافذة لديها، بالرغم من اختلاف تعاطي الدول مع الحالة إن حصلت، فمثلاً: في روسيا لا يتم المعاقبة على تعدد الزوجات و إقامة العلاقات الجنسية مع العديد من الشركاء البالغين، لكن لا يمكن تسجيل الزواج الثاني أو الأكثر والاعتراف به رسمياً وفقاً لقانون تكوين الأسرة في روسيا. وفي ألمانيا يتم التسامح مع تعدد الزوجات من الناحية العملية فقط، فعند موت رجل له زوجتان - مثلاً - يتم توزيع ميراثه بينهما بالسوية بالرغم من أنّ تعدد الزوجات أمر غير قانوني ويعاقب عليه القانون الألماني بالغرامة أو السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات (١).

ما أريد قوله إنّ المسألة غير محسومة إلى الآن، ولها تأثيرات وامتدادات تتصل بالتأكيد بثقافة أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية وكذلك العادات والأعراف السائدة فيها؛ أيّاً كان مصدر تلك الثقافات والعادات.

ولما كان القانون - أي قانون - وليد بيئته ومحيطه كما يقال، فبخصوص اتصال المسألة بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) ينبغي للباحث المنصف عدم إغفال الشروط الموضوعية والبيئة الاجتماعية والمحيط الذي كان يعيش فيه الرسول، وليس من الصحيح محاكمة قضية حصلت وفق تلك الظروف بمعايير وظروف الإنسان اليوم.

بعض مظاهر المحيط الذي عاش فيه الرسول:

إنّ نظرة سريعة على ما يميز الفترة الزمنية والبيئة الاجتماعية التي عاش فيها رسول الله - مما له صلة بمسألتنا - يدعونا للتركيز على ظاهرتين أساسيتين:

١- ظاهرة وئد البنات:

تميز المجتمع الجاهلي بظاهرة وئد البنات أي دفنهن في التراب وهن أحياء، وقد قصّها الله في القرآن، قال تعالى: "وَإِذَا بُشِّرَأَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَ ادا وَهُوَكَظِيمٌ * يَتَوَارَى

صفحة PDF الأصلية ٣٥٨

مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ"

[النحل: ٥٩ - ٥٨ ].

روى أبو خديجة عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إني قد ولدت بنتا وربيتها حتى إذا بلغت فألبستها وحليتها ثم جئت بها إلى قليب فدفعتها في جوفه وكان آخر ما سمعت منها وهي تقول يا أبتاه فما كفارة ذلك؟ قال: ألك أم حية؟ قال: لا، قال: فلك خالة حية؟ قال: نعم، قال: فأبررها فإنها بمنزلة الام يكفر عنك ما صنعت، قال أبو خديجة: فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى كان هذا؟ فقال: كان في الجاهلية وكانوا يقتلون البنات مخافة أن يسبين فيلدن في قوم آخرين) (١).

ولست الآن بصدد استقصاء أسباب هذه الظاهرة الإجرامية، لكن ليس ثمة شك في أنّ بعضها يتصل بالخوف من العار الذي قد يلحق الأهل؛ نتيجة الخشية من أخذ النساء سبايا في الحروب والغزوات المنتشرة بين قبائل شبه الجزيرة العربية يومذاك كما لاحظناه في الرواية أعلاه، وأكيد أنّ تلك الحروب وكثرة قتل الرجال فيها كانت سبباً أساسياً في قلة نسبة الرجال إلى النساء في مجتمع شبه الجزيرة العربية.

٢- ظاهرة ذوات الرايات:

الظاهرة البارزة الثانية في المجتمع الجاهلي هي ظاهرة ذوات الرايات، أي: النساء الباغيات اللواتي يعلنَّ عن رغبتهن بممارسة العلاقة الجنسية، ولكن ليس لهن أزواج محددين ومعروفين، وإنما يكون للواحدة منهن عدة رجال تمارس معهم الجنس، وهو المعروف في الجاهلية بنكاح الجمع.

يقول الحلبي: (نكاح الجمع وهو أن تجتمع جماعة دون العشرة ويدخلون على امرأة من البغايا ذوات الرايات كلهم يطؤها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم قد عرفتم

صفحة PDF الأصلية ٣٥٩

الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمى من أحبت منهم فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل إن لم يغلب شبهه عليه) (١).

ظاهرة البغاء التي عرفت بها كثير من النساء في المجتمع آنذاك تعود في بعض أسبابها أيضاً إلى قلة عدد الرجال قياساً بالنساء للسبب الذي أشرنا إليه وهو كثرة عدد القتلى من الرجال بسبب الحروب والمعارك التي كانت متفشية بكثرة.

الرسول يضع حلاً قانونياً لمجتمعه:

ينبغي أن نعرف - ابتداء - أنّ تعدد الزوجات موجود قبل بعث الرسول (صلى الله عليه وآله)؛ نتيجة كثرة عدد النساء مقارنة بالرجال كما قلنا. ولمواجهة هذه المشكلة ووضع حل صحيح لها، كان الرسول - كمبعوث من الله لإصلاح حال الناس - أمام أحد حلول متاحة وممكنة:

- إما أن يمنع تعدد الزوجات، وبالتالي تتفشى ظاهرة ذوات الرايات بنحو أكبر، ويزداد إجرام الآباء بقتل بناتهم، إضافة إلى نشوء جملة من المشاكل الأخلاقية والاجتماعية المترتبة على زيادة نسبة النساء وبقائهن بلا زواج قانوني ورسمي. - أو يبقي المسألة كما هي عليه بلا شروط ولا ضوابط واضحة تحفظ للمرأة والأولاد حقوقهم وكرامتهم. - أو يقوم بتقنين تعدد الزوجات والسماح للرجل الواحد بالزواج من أكثر من امرأة بشكل قانوني ورسمي وفق ضوابط وشروط معينة تضمن للمرأة كافة حقوقها بما في ذلك صيانة كرامتها وعفتها، وأيضاً: تضمن حقوق ما ينتج عن ذلك الزواج من ولد سواء كان ذكراً أو أنثى.

ولا أعتقد أنّ عاقلاً يحيد عن الخيار الأخير؛ خصوصاً وأنّ المسألة و اقعة ضمن مساحة الجواز لا الوجوب والإلزام الديني من جهة، وضمن أُطر وشروط معينة لا تصح بدونها - كالعدالة بين الزوجات من زاوية الحقوق - من جهة أخرى، ولهذا كان لتقنين الرسول (صلى الله عليه وآله) الأثر الفعّال والكبير في القضاء على ظاهرة وئد البنات،

صفحة PDF الأصلية ٣٦٠

وكذلك القضاء على ظاهرة ذوات الرايات في المجتمع الذي قاده، إضافة إلى القضاء على كل أنواع الزواج الأخرى التي كان يُعمل بها في الزمن الجاهلي (١)، ولهذا لم تحصل في زمنه حادثة إلحاق نسب مشكوك به كما حصل مع البعض (٢)، ولا شك أنّ الفضل في ذلك يرجع لتقنين الرسول (صلى الله عليه وآله) مسألة الزواج بشكل يحفظ - إضافة إلى حقوق المرأة - عدم اختلاط الأنساب.

يقول السيد أحمد الحسن: (أما موضوع الزواج في زمن الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وفي بيئته بالخصوص فهو متعدد حتى قبل الإسلام بسبب ارتفاع نسبة النساء إلى الرجال ولا يوجد حل أخلاقي اجتماعي مقبول لهكذا مشكلة اجتماعية كما هو معلوم غير تعدد الزوجات، وسبب هذه المشكلة في تلك البيئة هو أنها كانت بيئة حروب ومعارك مستمرة وقطع طريق وهذا تسبب بأن يقتل باستمرار عدد كبير من الرجال بينما النساء كن يجلسن في البيوت وعادة لا يخرجن ولا يتعرضن للخطر وحتى في المعارك كن يؤخذن كسبايا ولا يقتلن كما هو الحال بالنسبة للرجال، وقد كانت نسبة النساء الكبيرة تمثل مشكلة اجتماعية في تلك البيئة إلى درجة أن كثيراً من النساء اللواتي لم يكنّ يحصلن على أزواج كنّ يرفعن رايات للإعلان عن كونهنّ يرغبن بممارسة الجنس مع الرجال وصاحبات الرايات الحمر كن مشهورات في ذلك المجتمع، وقد كان كثير من الرجال يقتلون بناتهم وهن صغيرات في ظاهرة مشهورة كانت تسمى وئد البنات وذلك بسبب كثرة النساء في ذلك المجتمع وعدم حصول كثير منهن على أزواج ولجوئهن إلى ممارسة الشهوة بشكل غير منضبط بقانون اجتماعي كالزواج.

والرسول محمد (صلى الله عليه وآله) جاء بقانون لتنظيم العلاقة الجنسية في هكذا مجتمع في إطار زواج منضبط بحيث لا تضيع الأنساب فشرع تعدد الزوجات بقانون اجتماعي يضمن للمرأة في هكذا حالة اجتماعية متطرفة كرامتها بحيث لا تكون سلعة يتناقلها الرجال كصاحبات الرايات بل زوجة محترمة لرجل لها حقوقها القانونية، وقد

صفحة PDF الأصلية ٣٦١

كان لقانون تعدد الزوجات الذي جاء به الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) الفضل الأكبر في حل تلك الظاهرة الاجتماعية المتطرفة وفي خلال سنين قليلة انتهت ظاهرة وئد البنات وانتهت ظاهرة صاحبات الرايات الحمر، هذا فيما يخص تقنين الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) لظاهرة تعدد الزوجات لحل مشكلة اجتماعية وهي زيادة عدد النساء في المجتمع بشكل كبير) (١).

الرسول يختار التعدد شخصياً:

أما بخصوص تصرّف الرسول واختياره لأكثر من زوجة، فبالتأكيد أنّ كل أفعاله معللة بحِكَم سواء اتضحت لنا أو لا، وبحسب ما تقدم فإنّ الحكمة من تصرفه هو أنه يمثل حلاً لمشكلة اجتماعية عويصة تتمثل بزيادة نسبة عدد النساء إلى عدد الرجال؛ خصوصاً وأنّ عدد الزوجات الذي اختاره الرسول لا يخرج عن هذا النطاق.

ومن جهة ثانية: واحدة من وظائف الرسول أنه قائد وقدوة اجتماعية، وكان الكثير من أتباعه في زمنه ينصرفون عن الزواج لقلة ذات اليد، فكان في تصرفه و إقدامه على الزواج المتعدد تشجيعاً لمثل هؤلاء، وبالتالي يضمن الرسول كمصلح اجتماعي القضاء على كل الظواهر المنحرفة التي لا تلتقي مع مشروعه الرسالي والإلهي في اصلاح حال الناس بما يريده المرسِل سبحانه.

يكمل السيد أحمد الحسن كلامه المتقدم فيقول: (أما ما يخص تصرفه هو (صلوات الله عليه) بالخصوص فكان سببه أن أكثر الرجال كانوا يعرضون عن الزواج من عدد من النساء بسبب صعوبة الحياة وتوفير الغذاء وما شابه فكان إقدام الرسول على الزواج من عدد من النساء رغم قلة ذات يده تشجيعاً لغيره، ولم يكن تصرفه خارج حدود الحياة الاجتماعية للبيئة التي كان يعيش فيها والتي كانت تفرض على من كانوا فيها من الرجال الزواج من عدد من النساء لحل معضلة كبر نسبة النساء إلى الرجال حلاً أخلاقياً يسد حاجة المرأة البيولوجية للجنس ويحفظ كرامتها بالزواج المتعدد.

صفحة PDF الأصلية ٣٦٢

بعد هذا التوضيح أعتقد أنه من السفه الإشكال على رجل تزوج سبع نساء وهو يعيش في مجتمع نسبة النساء إلى الرجال فيه هي سبعة إلى واحد؛ لأنك تعيش في القرن الواحد والعشرين في مجتمع نسبة النساء إلى الرجال فيه هي واحد إلى واحد وأغلب الرجال فيه يتزوجون زوجة واحدة، فزواجك من سبع نساء في زمنك ومجتمعك خطأ ولكن أيضاً زواج ذلك الرجل من زوجة واحدة في زمنه ومجتمعه خطأ بل وخطأ فاحش ومدمر للمجتمع لأنه يتسبب بظواهر مثل وئد البنات وصاحبات الرايات) (١).

تعدد الزوجات من زاوية أخرى:

يمكننا أن نقول: إنّ تعدد الزوجات ليس حلّاً و اقعياً في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) فحسب، ولكنه يصلح أن يكون حلّاً لبعض الحالات الخاصة - كحد أدنى - في زمننا أيضاً، بل وفي كل زمان؛ وذلك بعد ملاحظة ما يلي:

١- وفق الدراسات التي قام بها علم الأحياء التطورية وتحديداً علم الجينات، فإنّ هناك استراتيجة تزاوج معينة يسلكها كل من الذكر والأنثى البشريين لتمرير جيناتهم إلى الأجيال اللاحقة، فبينما يقوم الذكر - أثناء العلاقة الجنسية - بتقديم الحيوانات المنوية تقدم الأنثى بويضة واحدة فقط صالحة للتلقيح خلال شهر كامل، كما أنها تحتاج إلى فترة لا تقل عن تسعة أشهر عادة بعد التخصيب ليلد طفلها مكتملاً، إضافة إلى أنها تحتاج بضع سنين أخرى لاحتضان الطفل وتغذيته وتربيته ليتمكن من البقاء على قيد الحياة.

والملاحظ هنا: إنّ الذكر لا يتحمل كلفة إنتاج البويضة ولا هو مسؤول عن فترة أشهر الحمل، وبالتالي فمن جهة جينية يجد نفسه مطالباً بعدم تضييع كل هذا الوقت الذي يمكن استغلاله وإنفاقه مع أنثى بشرية أخرى لتمرير أكبر قدر ممكن من جيناته في عملية التنافس مع الرجال الآخرين كما هو مقتضى نظرية التطور الدارويني. فالأنثى - وفق هذه النظرية - تسعى لكسب رجل واحد والحفاظ عليه لخفض الكلفة التي تفرضها عملية التخصيب والتكاثر بالنسبة لها؛ إذ لا فائدة جينية ترجى من أي تواصل جنسي معها بعد التخصيب كما هو معلوم، وأيضاً: لكي يكون الذكر جاهزاً للاتصال بها عندما تستعد

صفحة PDF الأصلية ٣٦٣

للتخصيب مرة أخرى، ففي حين تسعى الأنثى لذلك يسعى الذكر - من جهته - إلى الارتباط بأكثر من أنثى؛ لأنه جاهز ومهيأ على نحو دائم لنشر جيناته وتمريرها إلى أجيال لاحقة.

وهكذا نرى أنّ سعي الذكر البشري للارتباط بأكثر من أنثى استراتيجية غرستها الجينات في دماغه وجهازه العصبي بخلاف الأنثى؛ لأنها - أي الجينات - لا تهدف سوى البقاء والمرور إلى الأجيال اللاحقة. لهذا، نرى أنّ الذكر - بنحو غالب تقريباً - في مختلف المجتمعات البشرية وفي مختلف العصور والحقب الزمنية لا ينقطع عن التفكير بممارسة الارتباط بأكثر من أنثى، وإذا لم يقنّن ذلك الارتباط بقانون وحدود معينة لا يكف عن ممارسته ولو بصورة فوضوية تشبه إلى حد كبير ما يجري في سائر الممالك الحيوانية.

المسألة إذن قديمة بقدم الإنسان نفسه وسيره التطوري على هذه الأرض، وليس من الصحيح ربطها بالإسلام ورسوله الكريم، بل ما يحسب للدين الإلهي (والرسول الكريم تحديداً) أنه قام بتحديد تلك الظاهرة والاستراتيجية "الجينية - الحيوانية" الموغلة في القدم - وكانت منتشرة في زمان الرسول أيضاً - بحدود وقوانين معينة وصارمة؛ ابتداءً من تحديد التعدد بأربعة فقط، وبشروط وضوابط شرعية وأخلاقية تضمن للمرأة وما ينتج منها كافة الحقوق.

وبهذا كان تقنين الرسول للتعدد - إضافة إلى أنه يمثل حلاً اجتماعياً رصيناً للقضاء على الظواهر المنحرفة في مجتمعه - هو أيضاً حل و اقعي ينسجم مع التركيبة الجينية التي يتصف بها الذكر البشري.

كتب السيد أحمد الحسن على صفحته في الفيسبوك الموضوع التالي:

(الأحياء التطورية والجينات وتعدد الزوجات:

أريد هنا أن أبين وأناقش المسألة من ناحية بيولوجية جينية للإجابة على سؤال: هل أن جينات الذكر تدفعه باتجاه الارتباط بأكثر من أنثى أم لا؟

صفحة PDF الأصلية ٣٦٤

الحقيقة أنه لا يمكن فهم الرجل والمرأة وبصورة صحيحة ودقيقة يمكن الاعتماد عليها في دراسات رصينة للمشاكل الاجتماعية والنفسية دون فهم نظرية التطور واستراتيجيات التطور في الحياة على هذه الأرض.

الذكر والأنثى كأجساد عبارة عن مستعمرات جينية تستخدم كأداة لعبور وبقاء الجينات جيلاً بعد جيل من خلال المشاركة الجينية في الذرية، ولا تتم هذه المشاركة عادة إلا بالاجتماع الجنسي والذي كان بدوره سبباً لتكون العائلة والعلاقة العاطفية بين الذكر والأنثى، هذه العلاقة التي نحتاج فهمها بصورة صحيحة ودقيقة حتى يمكننا فهم كثير من المشاكل الاجتماعية والعقد والمشاكل والأزمات النفسية تمهيداً لإيجاد حلول ناجحة وصحيحة لها. إذن، فنحن بحاجة ماسة للأخذ بنظر الاعتبار طبيعة سلوك الذكر تجاه الأنثى وطبيعة سلوك الأنثى تجاه الذكر.

كيف يفترض التطور أن يكون السلوك الجنسي للذكر الحيواني عادة؟

وكيف يفترض التطور أن يكون السلوك الجنسي للأنثى الحيوانية عادة؟

طبعاً، هناك دراسات كثيرة أقامها علماء التطور لمعرفة هذا السلوك، وخلاصة هذه الدراسات:

أن استراتيجية الذكر من الناحية التطورية هي أنه يسعى لنشر جيناته بأوسع نطاق ممكن دون أي التفات إلى ما ستعانيه الأنثى للاهتمام بهذه الجينات، أما استراتيجية الأنثى من الناحية التطورية فهي البحث عن شريك مخلص فهي تريد نشر جيناتها بأوسع نطاق ممكن لكن تسعى لأن يكون معها شريك مخلص يهتم بالذرية التي تحمل جينات الذكر والأنثى معاً.

وسبب هاتين الحالتين المختلفتين - أي ميل الذكر لممارسة الجنس مع أناث كثيرة لنشر جيناته بأوسع نطاق وميل الأنثى للبحث عن ذكر مخلص لنشر جيناتها - هو أنّ الذكر يقدم جينات مجردة بلا غذاء واهتمام (الحيمن يحمل جينات)، بينما الأنثى تقدم جينات محاطة بالغذاء والاهتمام (البيضة وهي جينات وغذاء إضافة إلى الاهتمام بعد الفقس سواء كان هذا الاهتمام في عش طير أو في رحم امرأة أو جراب كنغر أو في الخارج).

صفحة PDF الأصلية ٣٦٥

لهذا، في التاريخ التطوري هناك معركة محتدمة بين هاتين الاستراتيجيتين وما نراه في الو اقع ما هو إلا نتاج هذه المعركة خلال التاريخ التطوري، وبالطبع المعركة لا تزال مستمرة ومحتدمة، فأكيد أجبرت استراتيجية الأنثى المجموعة الجينية على إيجاد حلول لمشكلتها مع الذكر ولكن بقيت المجموعة الجينية الذكرية تدفع المستعمرات الجينية (أجساد الذكور) للبحث عن وسائل ملتوية للالتفاف على ما فعلته المجموعة الجينية الأنثوية من إجبار له على أداء فروض الإخلاص للمستعمرات الجينية الانثوية (أجساد الاناث).

فالذكور يبنون الاعشاش، والبيوت يزينونها، يحضرون الطعام للأنثى، يبدون فروض الطاعة والاحترام والانقياد حتى يجلبون انتباه الأنثى وتقبل بالزواج والشراكة الجينية مع كنزها الثمين في الطبيعة (البويضة).

المقدمة أعلاه مختصرة جداً ربما يحتاج من يريد فهمها بدقة الاطلاع على نظرية التطور بصورة صحيحة ومن مصادرها.

أما إذا كنت لا تهتم بفهمها فخلاصة الكلام أعلاه أن الأنثى الحيوانية (ومنها أنثى الانسان) باعتبارها مستعمرة جينية تبحث في الغالب عن زوج مخلص لترتبط به، أما الذكر الحيواني فهو يبحث عن شريكة تقبل أن يستغل ما تقدمه لجيناتها وجينات شريكها من كرم يبدأ من البويضة وربما لا ينتهي حتى يستقل النتاج الجديد (الذرية).

ماذا حصل بين الذكر والأنثى البشريين خلال المسيرة التطورية في ضوء ما تقدم أعلاه؟

الذكر في الطبيعة حتى يكسب قبول الأنثى يقدم لها مكاناً آمناً للعيش لتجنب المفترسات وغذاء كعربون إخلاص، أما في وقتنا الحالي فيمكن أن نرى كثيراً من التصرفات الأخرى التي تصب في نفس الغرض وهو محاولة الذكر أن يقدم نفسه للأنثى على أنه مخلص وسيستمر معها لوحدها.

صفحة PDF الأصلية ٣٦٦

وفي نفس الوقت لا تزال هناك بقايا تدعو الذكر لنشر جيناته وعدم الالتزام مع أنثى واحدة فلم تتحول الجينات التي تدعوه لخيانة الشريكة إلى جينات غير عاملة كما حصل لغيرها من الجينات في المسيرة التطورية.

فجواب سؤالنا إذن: نعم، جينات الذكر تدفعه باتجاه الارتباط بأكثر من أنثى.

ملاحظة: الكلام أعلاه رد علمي من خلال الأحياء التطورية والجينات على إشكال الملحدين على إباحة تعدد الزوجات في الإسلام، وكنت قد بينت سابقاً المسألة من ناحية اجتماعية وكونها حلاً لمشكلة اجتماعية في زمن الرسول محمد ص.

أيضاً: مناقشتي لهذه المسألة لا تعني أني أشجع على تعدد الزوجات في الوقت الحالي إنما هوبيان علمي ومنطقي لأحقية الإسلام وأحكامه) (١). و

٢- أيضاً: هناك ظروف قد تصادف الرجل وتشكّل بالنسبة له ضاغطاً حقيقياً وحاجة كبيرة وملحة للارتباط بامرأة أخرى، كحالات يضطر فيها الرجل إلى الابتعاد عن زوجته مثلاً والعيش في بلد آخر، أو كأن تكون الزوجة مريضة ولا تتمكن من تلبية حاجة الرجل، أو عقيمة عن إنجاب الذرية ونحو ذلك، فلو افترضنا وجود ظرف كهذا و افترضنا أيضاً أنّ الرجل لا يمكنه أن يصبر في تلك الحالات، فيمكن أن تكون مسألة تعدد الزوجات حلاً ناجحاً في مثل هكذا حالات بدل أن يختار الطلاق والانفصال عن زوجته.

وعموماً، من يرفض خيار التعدد بالضوابط والشروط التي وضعها خلفاء الله، فليس أمامه سوى حضره قانونياً، وهو بالضبط ما فعلته أغلب الدول المتقدمة (كما يصطلح عليها)، لكن هل أدى المنع القانوني غرضه، أم أنّ الذكور في تلك المجتمعات مارست تطبيقات استراتيجية التعدد (الجينية) بصور ملتوية ومزيّفة على شكل زنا وعلاقات جنسية غير شرعية ولا قانونية تحت عناوين كاذبة وغير حقيقية كالحب والصداقة ونحو ذلك؟!!

صفحة PDF الأصلية ٣٦٧

يطرح بعض المشككين شبهة تعدد زوجات الرسول من زاوية أخرى، هي: إنّ الرسول اختص نفسه بعدد معيّن من الزوجات لم يسمح به لأتباعه؛ إذ واضح أنّ الإسلام لا يسمح للرجل المسلم بجمع أكثر من أربع زوجات بعقد دائم، ولكن الرسول لديه أكثر من هذا العدد!

بحسب المؤرخين: كان للرسول إحدى عشرة زوجة، أولهن: السيدة خديجة التي لم يتزوج بغيرها أثناء حياتها، وآخرهن السيدة ميمونة بنت الحارث التي تزوجها قبل وفاته بثلاث سنين. وذكروا أيضاً: إنّ الرسول مات عن تسع زوجات باعتبار أنّ اثنتين من زوجاته توفيتا أثناء حياته، وهما: السيدة خديجة وسودة بنت زمعة. علماً، أنّ زوجاته كن مطلقات أو أرامل وبعضهن لديهن أطفال كأم سلمة وسودة.

مسألة حرمة الجمع بين أكثر من أربع زوجات بعقد دائم أمر ثابت وقطعي بحسب النصوص الدينية القطعية في القرآن الكريم وروايات خلفاء الله، أما السماح بأن يكون للرسول بالخصوص أكثر من هذا العدد فهو من مختصاته (صلى الله عليه آله)، كغير ها من المختصات التي ذكر القرآن الكريم بعضاً منها، مثل: هبة المرأة نفسها، فهو أمر يصح الزواج به بالنسبة للرسول وهو بالضبط ما حصل في زواجه بالسيدة خولة بنت حكيم السلمي (١)، لكن بالنسبة إلى غير الرسول لا يصح الزواج إلا بعقد ومهر ولا يصح بالهبة، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَُّّ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَُّّ غَفُورًا رَحِيمًا" [الأحزاب: ٥٠ ].

صفحة PDF الأصلية ٣٦٨

روى الكليني بسنده: (عن الحضرمي، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله: "يا أيها النبي إنا أحللنا أزواجك" كم أحل له من النساء؟ قال: ما شاء من شيء قلت: "وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي" فقال: لا تحل الهبة إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله، وأما لغير رسول الله صلى الله عليه وآله فلا يصلح نكاح إلا بمهر، قلت: أرأيت قول الله عز وجل: "لا يحل لك النساء من بعد" فقال: إنما عنى به لا يحل لك النساء التي حرم الله في هذه الآية: "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم" إلى آخرها ولو كان الامر كما يقولون كان قد أحل لكم ما لم يحل له، لان أحدكم يستبدل كلما أراد، ولكن ليس الامر كما يقولون إن الله عز وجل أحل لنبيه صلى الله عليه وآله أن ينكح من النساء ما أراد إلا ما حرم عليه في هذه الآية في سورة النساء) (١).

(وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه سئل عن قول الله: "يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك"، الآية، قال: أحل له من النساء ما شاء، وأحل له أن ينكح من المؤمنات بغير مهر. وذلك قول الله: "وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها، ثم بين ذلك عز وجل أن ذلك إنما هو خاص للنبي صلى الله عليه وآله فقال الله: "خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج"، ثم قال جعفر بن محمد: فلا تحل الهبة إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله أما غيره فلا يصلح أن ينكح إلا بمهر يفرضه قبل أن يدخل بها، ما كان ثوبا أو درهما أو شيئا قل أو كثر) (٢).

من يعتقد بنبوة الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وعصمته يعتقد بالتبع بصدق كتاب الله وصحة جميع أفعال الرسول وأنها بوحي من الله سبحانه، وكان على المشككين حسم مسألة صدق الرسول في دعواه قبل الخوص في تفاصيل الشريعة، أما عدم استيعابهم لهكذا مسائل فهو أمر لا يؤثر على الحقيقة في شيء، ولا يغير من العلل والغايات والحكم الإلهية التي أدت إلى اختصاص الرسول بهذه المسألة الشرعية أعني السماح له بجمع أكثر من أربع زوجات في نفس الوقت.

صفحة PDF الأصلية ٣٦٩

كانت زينب بنت جحش بن رئاب زوجة لزيد بن حارثة، وبعد أن انفصلت من زيد تزوجها الرسول (صلى الله عليه وآله)، فأصبح هذا الزواج مثاراً للقيل والقال بين المشركين والمنافقين قديماً، واحتذى حذوهم المشككون بالرسول في أزماننا المتأخرة واعتبروه سبباً للطعن به وبرسالته، بحجة أنّ زيداً ابنه بالتبنّي فكيف تزوج زوجته!

١- من هو زيد بن حارثة؟

زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي، ثاني المؤمنين بدعوة الرسول (صلى الله عليه وآله) من الرجال بعد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، تبنّاه الرسول وربّاه وكان شديد المحبة له حتى إنه كان يُدعى "زيد بن محمد" لفترة طويلة إلى أن نزل قوله تعالى: "ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ" (١).

كان زيد أصابه السبا قبل بعثة الرسول وبيع في أحد أسواق العرب، فاشترته خديجة بن خويلد (عليها السلام) وهو ابن ثمان سنين ووهبته للرسول (صلى الله عليه وآله) قبل بعثته، فربّاه وأحسن إليه، ولما بلغ الخبر أهله جاء أبوه وعمه للرسول لأخذه ودفع فدائه فقالا له:

(يا بن عبد الله يا بن عبد المطلب يا بن هاشم يا بن سيد قومه أنتم أهل الحرم وجيرانه وعند بيته تفكون العاني وتطعمون الأسير جئناك في ابننا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه فإنا سنرفع لك في الفداء قال من هو قالوا زيد بن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل أنتم لغير ذلك قالوا ما هو قال دعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكما بغير فداء وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا قالا قد زدتنا على النصف وأحسنت قال فدعاه فقال هل تعرف هؤلاء قال نعم قال من هما قال هذا أبي وهذا عمي قال فإنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما فقال

صفحة PDF الأصلية ٣٧٠

زيد ما أنا بالذي أختار عليك أحدا أنت مني بمكان الأب والام فقالا ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك قال نعم إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني أرثه ويرثني فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما انصرفا فدعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام) (١). و

وقد توهم بعض المشككين لما تصور بأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) خالف القرآن الكريم (وحاشاه) في مسألة التبنّي بقوله لوالد زيد: "وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحداً"؛ إذ فاتهم معرفة أنّ الحادثة كانت قبل بعثة الرسول أصلاً، وقبل أن يصدر توجيه من الله بإلغائها - لاحقاً - بقوله تعالى: "ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَِّّ" [الأحزاب: ٥] الذي أسرع الرسول بتنفيذه وإخبار المسلمين به، وصار يُدعى "زيد بن حارثة" وكان قبل ذلك يقال: "زيد بن محمد"، فعن أي مخالفة يتحدث المشككون؟!

(عن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن) (٢).

٢- زواج زيد بن حارثة من زينب:

وبخصوص زواجه من زينب بنت جحش، فقد تم بتدخل من الرسول (صلى الله عليه وآله) نفسه؛ لقرابتها النسبية من الرسول حيث إنّ زينب بنت عمّته أميمة بنت عبد المطلب، وكان أهلها يرجون أن يتزوج الرسول من ابنتهم، لكن الرسول فاجئهم بتوسطه في خطبتها لزيد (٣).

صفحة PDF الأصلية ٣٧١

زينب من جهتها رفضت الزواج من زيد في أول الأمر؛ لأنها من بيت معروف وزيد عبد معتق والعادات والتقاليد آنذاك تأبى ذلك، إلا أنها رضيت به أخيراً نزولاً عند رغبة الرسول الذي أعطى بموقفه الإنساني هذا درساً لأتباعه في أنّ الشرف الحقيقي هو شرف الدين والخلق وليس النسب، وهو القائل: "أنكحت زيد بن حارثة زينب بنت جحش، وأنكحت المقداد ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ليعلموا أن أشرف الشرف الإسلام" (١).

٣- طلاق زيد بن حارثة لزينب:

لم يدم زواج زيد بن حارثة بزينب، ولم يكن الانسجام بينهما موجوداً، ما أدى بالنتيجة إلى طلاقها منه، بالرغم من أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) تدخّل أكثر من مرة لمنع حصول الطلاق، وكان ينصح زيداً بالبقاء على زوجته وعدم الانفصال عنها، إذ قال له في إحدى المحاولات ما حكاه الله في كتابه: "وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَُّّ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللََّّ" [الأحزاب: ٣٧ ]. لكن زيداً بالنهاية قرر تطليق زوجته وحصل الانفصال بينهما.

٤- زواج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من زينب:

(روى ثابت عن أنس بن مالك قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وآله لزيد: اذهب فاذكرها علي، قال زيد: فانطلقت فقلت: يا زينب أبشري قد أرسلني رسول الله صلى الله عليه وآله يذكرك، ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل عليها بغير إذن لقوله: "زوجناكها") (٢).

٥- قال المنافقون تعليقاً على زواج الرسول من زينب: "حرم محمد نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه" (٣). وهو نفسه كلام المشككين ومن لف لفهم اليوم.

صفحة PDF الأصلية ٣٧٢

وجوابنا لهم ما أجابهم به القرآن الكريم قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، إذ قال تعالى: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَِّّ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَُّّ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" [الأحزاب: ٤٠ ]، وقال: "ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّّ" [الأحزاب: ٥].

(روي عن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن "ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله") (١).

فزيد ليس ابناً حقيقياً للرسول حتى يحرم عليه الزواج من زينب.

هذه مجريات حادثة زواج الرسول (صلى الله ليه وآله) من زينب باختصار، ولم نلحظ فيها غير المو اقف التي تؤكد عظيم أخلاقه، وأما ما يذكره المشككون من أقاويل تمس خلق الرسول كقولهم إنه كان يشتهيها ويحبها قبل انفصالها عن زوجها وما شابه ذلك، فهو باطل ومرفوض، وبعض ما يلمح لذلك من المنقولات مكذوب ومختلق على الرسول قطعاً؛ للطعن به وبشخصيته المقدسة.

يبقى أنّ بعضهم ربما يفهم ذلك من الآية: "وتخفي في نفسك ما الله مبديه" بتصور أنّ الرسول (وحاشاه) كان يخفي عن زيد رغبته وهواه بزوجته زينب، والحقيقة إنّ هذا الفهم مغلوط وخاطئ تماماً، وقد أوضح أوصياء محمد (عليهم السلام) المعنى الصحيح للآية وهو بعيد كل البعد عن هوس المشككين.

(روي عن عليّ بن الحسين عليه السلام: إنّ الذي أخفاه في نفسه هو أنّ اللَّّ سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه. فقال: لم قلت أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنّها ستكون من أزواجك) (٢).

صفحة PDF الأصلية ٣٧٣

وأيضاً: سأل المأمون الإمام الرضا (عليه السلام) عن معنى قول الله عز وجل: "إذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه"، فقال الرضا عليه السلام:

(إن رسول الله صلى الله عليه وآله قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي في أمر أراده، فرأى امرأته تغتسل فقال لها: "سبحان الذي خلقك" وإنما أراد بذلك تنزيه الله عن قول من زعم: أن الملائكة بنات الله، فقال الله عز وجل: "أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولاً عظيماً" فقال النبي صلى الله عليه وآله لما رآها تغتسل: "سبحان الذي خلقك" أن يتخذ ولداً يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال، فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجئ رسول الله صلى الله عليه وآله، وقوله لها سبحان الذي خلقك، فلم يعلم زيد ما أراد بذلك وظن أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن امرأتي في خلقها سوء، وإني أريد طلاقها. فقال له النبي: "أمسك عليك زوجك واتق الله" وقد كان الله عرفه عدد أزواجه وأن تلك المرأة منهن، فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد، وخشي الناس أن يقولوا: أن محمدا يقول لمولاه أن امرأتك ستكون لي زوجة، فيعيبوه بذلك، فأنزل الله عز وجل: "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه" يعني: بالإسلام "وأنعمت عليه" يعني: بالعتق "أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه". ثم إن زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه فزوجها الله عز وجل من نبيه محمد صلى الله عليه وآله، وأنزل بذلك قرآنا فقال عز وجل: "فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا" ثم علم عز وجل أن المنافقين سيعيبوه بتزويجها فأنزل الله: "ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له") (١).

واضح أنّ معنى الآية هو أنّ الله سبحانه عرّف رسوله وأطلعه على عدد أزواجه وأنّ منهن زينب بنت جحش وهي لا زالت تحت زيد، وأنّ الأمر عند الله تام ومنتهي "وكان أمر الله مفعولاً"، ولكن الرسول لشدة حيائه أخفى تلك المعلومة عن زيد، ولم يكتمها عنه فحسب

صفحة PDF الأصلية ٣٧٤

وإنما طلب منه أن يتقي الله ويمسك زوجه ولا يطلقها، فعاتبه ربه الكريم على ذلك "وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه". وأين هذا مما فهمه المشككون والملحدون؟!!

(قال علقمة: فقلت للصادق (عليه السلام): يا بن رسول الله، إن الناس ينسبوننا إلى عظائم الأمور، وقد ضاقت بذلك صدورنا. فقال (عليه السلام): يا علقمة، إن رضا الناس لا يملك، وألسنتهم لا تضبط، فكيف تسلمون مما لم يسلم منه أنبياء الله ورسله وحججه (عليهم السلام)؟ ألم ينسبوا يوسف (عليه السلام) إلى أنه هم بالزنا؟ ألم ينسبوا أيوب (عليه السلام) إلى أنه ابتلى بذنوبه؟ ألم ينسبوا داود (عليه السلام) إلى أنه تبع الطير حتى نظر إلى امرأة أوريا فهواها؟ وأنه قدم زوجها أمام التابوت حتى قتل ثم تزوج بها؟ ألم ينسبوا موسى (عليه السلام) إلى أنه عنين وآذوه حتى برأه الله مما قالوا، وكان عند الله وجيها؟ ألم ينسبوا جميع أنبياء الله إلى أنهم سحرة طلبة الدنيا؟ ألم ينسبوا مريم بنت عمران (عليهما السلام) إلى أنها حملت بعيسى من رجل نجار اسمه يوسف؟ ألم ينسبوا نبينا محمدا (صلى الله عليه وآله) إلى أنه شاعر مجنون؟ ألم ينسبوه إلى أنه هوى امرأة زيد بن حارثة فلم يزل بها حتى استخلصها لنفسه؟ ألم ينسبوه يوم بدر إلى أنه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء؟ حتى أظهره الله عز وجل على القطيفة وبرأ نبيه (صلى الله عليه وآله) من الخيانة، وأنزل بذلك في كتابه: "وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة"، ألم ينسبوه إلى أنه (صلى الله عليه وآله) ينطق عن الهوى في ابن عمه علي (عليه السلام)؟ حتى كذبهم الله عز وجل، فقال سبحانه: "وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى"، ألم ينسبوه إلى الكذب في قوله: إنه رسول من الله إليهم؟ حتى أنزل الله عز وجل عليه: "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا"، ولقد قال يوما: عرج بي البارحة إلى السماء فقيل: والله ما فارق فراشه طول ليلته) (١).

صفحة PDF الأصلية ٣٧٥

بحسب الرأي الغالب لدى علماء السنة فإنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) تزوج بعائشة في سن مبكرة، حدّده بعضهم بتسع سنوات، بل ذهب بعضهم إلى أنه عقد عليها بعمر ست أو سبع سنوات بإذن أبيها ودخل بها بعمر تسع سنوات!

روى البخاري ومسلم: (عن عائشة رضي الله عنها قالت تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وانا بنت ست سنين فقدمنا المدينة فنزلنا في بنى الحرث بن خزرج فوعكت فتمرق شعري فوفى جميمة فأتتني أمي أم رومان وانى لفي أرجوحة ومعي صواحب لي فصرخت بي فأتيتها لا أدرى ما تريد بي فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وانى لا نهج حتى سكن بعض نفسي ثم اخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي ثم أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني فلم يرعني الا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى فأسلمنني إليه وانا يومئذ بنت تسع سنين) (١).

هذا الأمر حمل المشككين على الطعن بالرسول من جهة زواجه بقاصر، بل طفلة لا زالت تلعب على الأرجوحة!

لا صحة للقول بأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) تزوج من عائشة في سن تسع سنوات فضلاً عن أن يكون تزوجها في سن أبكر من ذلك، والصحيح أنه تزوجها وهي كبيرة وراشدة.

سُئل السيد أحمد الحسن عن زواج الرسول بعائشة بعمر تسع سنوات، فأجاب: (لم يتزوجها بهذا السن بل كانت كبيرة) (٢).

صفحة PDF الأصلية ٣٧٦

وهذا الأمر تؤيده المصادر التاريخية التي روت سير الدعوة الإسلامية وبعض ثوابتها التاريخية المعروفة للجميع، بالبيان التالي:

تجمع كتب التاريخ والسيرة على أنّ حياة الرسول الدعوية = ٢٣ عاماً، منها ١٣ عاماً في مكة، و ١٠ أعوام في المدينة. ورواية البخاري ومسلم المتقدمة تفترض أنّ الرسول تزوج بعائشة بعمر ست سنين وبنى بها في العام الأول للهجرة وهي بنت تسع سنين، وهذا يعني أنّ ولادتها - بحسب رواية البخاري ومسلم - كانت في مكة قبل هجرة الرسول بثمان سنين أي في العام الخامس من البعثة النبوية.

لكن يمكننا تقييم صحة هذه النتيجة بمقارنتها بتاريخ ولادة ووفاة أختها "أسماء بنت أبي بكر" التي ذكرت أهم كتب التاريخ والسير أنها تكبر عائشة بعشر سنين وربما أكثر (١).

قال الذهبي عن أسماء: (وكانت أسن من عائشة ببضع عشرة سنة) (٢). وقال أيضاً: (قال ابن أبي الزاد: كانت أكبر من عائشة بعشر سنين) (٣).

وقال عنها ابن كثير: (وهي أكبر من أختها عائشة بعشر سنين) (٤).

إذا اتضح هذا، أقول:

١- ولدت أسماء قبل الهجرة بـ ٢٧ عاماً (٥)، وهذا يعني أنّ عمر عائشة عند الهجرة ١٧ عاماً، ولما كان الرسول تزوجها في نهاية العام الأول أو بداية العام الثاني من الهجرة يكون عمرها عند زواجه بها ١٨ عاماً على أقل تقدير.

صفحة PDF الأصلية ٣٧٧

٢- ماتت أسماء بمكة بعد أيام من مقتل ابنها عبد الله بن الزبير عام ٧٣ للهجرة وكان عمرها ١٠٠ عام (١)، وهذا يؤكد أيضاً أنّ عمر أسماء عند الهجرة هو ٢٧ عاماً، إذ: ( ١٠٠ – ٢٧ = ٧٣ )، ولما كانت عائشة تصغرها بعشرة سنين - كحد أقل - فيكون عمرها عند الهجرة ١٧ عاماً، وبالتالي يكون عمرها عند زواج الرسول بها ١٨ عاماً.

وهكذا يتضح أنّ سن زواج عائشة المشهور عند الكثير من أهل السنة - الذي تسبب بالإشكال - كلام غير صحيح ولا دقيق، ومن ثم لا قيمة للتهريج الذي أحدثه المشككون بعد معرفتنا بالحقيقة التاريخية.

إحدى زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله) هي صفية بنت حيي بن أخطب من نساء بني إسرائيل ومن يهود بني النضير تحديداً، تزوجها في السنة السابعة للهجرة بعد فتح خيبر. هذا الأمر بالذات أثار حفيظة المشككين بالرسول، متهمين إياه بإجبار امرأة على الزواج منه بعد مقتل زوجها وأخذها سبيّة دون أن يراعي مشاعرها، بل حتى دون أن يتركها تعتد لموت زوجها المقتول. وتمادى بعضهم ليصور إقدام الرسول على فتح خيبر وقتل زوجها طمعاً بجمال المرأة وحسنها!

١- لماذا فتح الرسول (صلى الله عليه وآله) خيبر؟

المتتبع لسيرة الرسول يجد أنه ومنذ الأيام الأولى التي وطأت قدماه المدينة المنورة عرض دعوته المباركة على سادات وكبار اليهود (بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو قينقاع) الذين جاءوا لزيارته والاستفسار منه، وكان ضمن الوفد والد السيدة صفية "حيي بن

صفحة PDF الأصلية ٣٧٨

أخطب" ممثلاً عن يهود بني النضير، فأوضح لهم - بالحكمة والموعظة الحسنة - حقه والنص عليه في التوراة وما ذكره أحبارهم في صفته وصفة مخرجه ومهاجره، ولما سمعوا ذلك طلبوا منه الهدنة، والرسول قبل طلبهم ولم يكرههم على الايمان والتصديق به، وهذا مقطع يوضح مجريات الاتفاقية بين الطرفين:

(... وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لا نكون لك ولا عليك، ولا نعين عليك أحداً، ولا نتعرض لأحد من أصحابك ولا تتعرض لنا ولا لأحد من أصحابنا حتى ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر قومك فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك، وكتب بينهم كتاباً ألا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع في السر والعلانية لا بليل ولا بنهار، الله بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول الله في حل من سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونسائهم، وأخذ أموالهم، وكتب لكل قبيلة منهم كتاباً على حدة، وكان الذي تولى أمر بني النضير حي ابن أخطب، ...) (١).

لكن ما حصل على أرض الو اقع أنّهم جميعاً نقضوا عهودهم التي كانت بينهم وبين الرسول وعدم كفهم عن أذاه، وإعانة ألد أعدائه عليه، وحياكة المؤامرات لاغتياله الذي يعني ببساطة القضاء على الإسلام ورسالته في مهدها، وبالتالي استحقوا الجزاء والعقوبة المشترطة بين الطرفين، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.

٢- تقدمت الإشارة - أيضاً - إلى أنّ مسألة الجزاء (بما في ذلك السبي) المشترط في بنود الاتفاقية التي حصلت بين الرسول من جهة واليهود من جهة أخرى أمر متعارف عليه وفق الأعراف والقوانين العسكرية التي يتم التعامل بها في تلك الحقبة الزمنية، بل هو المعمول به فعلاً ليس فقط على نطاق المدينة المنورة وما جاورها من مناطق، بل وليس فقط عند العرب في شبه الجزيرة العربية، ولكنه معمول به حتى في الممالك والإمبراطوريات الحاكمة في ذلك الوقت، ومن ثم يكون تبديله بجزاء آخر أو تركه والتنازل عنه في مثل حالة المسلمين يعني القضاء عليهم تماماً؛ لأنك ما لم يكن لديك سلاح مماثل تواجه به أعداءك المحيطين بك والمتكالبين عليك والذين ينتظرون أدنى فرصة للانقضاض عليك والخلاص منك كيف يمكنك مجابتهم والصمود بوجههم؟!! وبالنتيجة:

صفحة PDF الأصلية ٣٧٩

فهو وسيلة للدفاع عن النفس والحفاظ على كيان الدولة الإسلامية الفتية والمحاطة بالأعداء من كل الجهات.

٣- وأيضاً: لا شك أنّ لكل زمن قوانينه المدنية والعسكرية التي تناسب ظروف بيئته الاجتماعية ومحيطه، ومن ثم لا يصح النظر إلى بعض القوانين والعقوبات - المترتبة على مخالفتها - المعمول بها في القرن السادس والسابع الميلادي بمنظار القرن الحادي والعشرين الذي اختلفت فيه الشروط والظروف بطبيعة الحال.

٤- كانت صفية من سيدات قومها، فهي بنت كبير يهود بني النضير "حيي بن أخطب" وزوجة كنانة بن أبي الحقيق من أحبار وسادات يهود بني النضير، وقد عرفنا أنّ سبب إقدام الرسول على فتح خيبر هو نقضهم العهود والمواثيق التي كانت بين الطرفين.

وعموماً، لما انتهت المعركة وتم فتح حصون خيبر وجيء بالأسرى، اصطفى الرسول صفية لنفسه:

(لما أسرت بنت حي بن أخطب من ولد هارون بن عمران، اصطفاها النبي صلى الله عليه وآله لنفسه من الغنيمة في فتح خيبر، ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها بعد أن حيضت حيضة) (١).

(وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيى بن اخطب وقد قتل زوجها وكانت عروساً فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء حلت فبنى بها ...) (٢).

(... واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي فاتخذها لنفسه وخيرها أن يعتقها وتكون زوجته أو تلحق بأهلها فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته) (٣).

صفحة PDF الأصلية ٣٨٠

(فكانت صفية مما اصطفى يوم خيبر وعرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتقها إن اختارت الله ورسوله فقالت أختار الله ورسوله وأسلمت فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها مهرها ورأى بوجهها أثر خضرة قريباً من عينها فقال ما هذا قالت يا رسول الله رأيت في المنام قمراً أقبل من يثرب حتى وقع في حجري فذكرت ذلك لزوجي كنانة فقال تحبين أن تكوني تحت هذا الملك الذي يأتي من المدينة فضرب وجهي واعتدت حيضة ولم يخرج رسول الله من خيبر حتى طهرت من حيضتها) (١).

وأيضاً: روى ابن سعد أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله): (قال لها: اختاري فإن اخترت الاسلام أمسكتك لنفسي وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك فقالت يا رسول الله لقد هويت الاسلام وصدقت بك قبل أن تدعوني حيث صرت إلى رحلك وما لي في اليهودية أرب وما لي فيها والد ولا أخ وخيرتني الكفر والاسلام فالله ورسوله أحب إليّ من العتق وأن أرجع إلى قومي قال فأمسكها رسول الله لنفسه) (٢).

وهذا يعني:

- أنّ الرسول خيّرها فاختارت الإسلام والزواج منه. - جعل عتقها صداقها، أي: مهرها في الزواج. - تزوجها وبنى بها بعد أن حلّت له، أي: بعد انتهاء عدّتها. - لم يكن الرسول يعرف بجمالها قبل أن يُذكر له ذلك.

وهكذا اتضح أنّ ما أثاره المشككون في شبهتهم غير صحيح، وأنّ السيدة صفية هي من اختارت الزواج من الرسول بإرادتها ودون إكراه منه؛ لا على الزواج منه، ولا حتى على الايمان به وبدعوته الإلهية.

صفحة PDF الأصلية ٣٨١

شبيه بالشبهة السابقة يثير المشككون مسألة زواج الرسول بجويرية بنت الحارث بعد خروجه إلى بني المصطلق وكسر شوكتهم، ويعتبرون زواجه منها قهراً لها على الزواج به؛ لأنها كانت سبية ولا تملك إرادتها!

تقدم عند استعراض شبهات الحروب أنّ غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة للهجرة سببها أنّ كبير يهود بني المصطلق - وهو الحارث بن أبي ضرار - كان يطوف على قبائل العرب من أجل تحشيدهم لحرب الرسول، وكان ذلك بعد فترة قليلة من انتهاء معركة الأحزاب "الخندق" التي لاقى فيها الرسول و أتباعه أذى كثيراً من أعدائهم، ولم تكن ساحة اليهود نظيفة من هذه الجهة، وإنما كان لهم نصيب و افر تمثل بخيانتهم ونقضهم للعهود التي كانت بينهم وبين الرسول، واصطفافهم العلني مع قريش وغطفان ومن حالفهما في عداء الرسول وحربه.

عموماً، كان خروج الرسول بالمسلمين لهم في منطقة "المريسيع" لأجل تفكيك قوتهم و إبطال مساعيهم الخبيثة كما تقدمت الإشارة لذلك، وأما كيفية وصول جويرية للرسول وزواجه منها فقد ذكر المؤرخون في ذلك قصتان (١):

الأولى: بعد هزيمة بني المصطلق من قبل المسلمين ومقتل الحارث وجماعة من مقاتليهم وقعت ابنته السيدة جويرية في سهم أحد المسلمين اسمه ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها (أي: اتفق معها على أن تدفع له مبلغاً من المال مقابل أن يعتقها)، فجاءت إلى الرسول تستعينه على أداء ذلك، فعرض الرسول عليها الزواج وأن يجعل عتقها صداقها ومهرها فو افقت على ذلك، وكان زواجه منها سبباً في عتق العشرات من قومها اقتداء بالرسول.

صفحة PDF الأصلية ٣٨٢

الثانية: إنّ أباها "الحارث بن أبي ضرار" لم يقتل في المعركة، وجاء إلى المدينة ومعه مال يريد أن يفدي به ابنته، لكنه في الطريق ادخر شيئاً من ماله وغيّبه في شعيب معين، فلما وصل المدينة وعرض الأمر على الرسول أخبره بما غيّبه من المال، فكان ذلك سبباً في إسلامه مع ابنين له وناس من قومه، وكذلك أسلمت جويرية، فخطبها الرسول من أبيها وزوّجه إياها بمهر قدره أربعمائة درهم.

ونحن إذا لاحظنا كلا روايتي الحادثة لم نجد فيهما شيئاً اسمه القهر والجبر، وإنما ما حصل هو زواج رسمي ومعلن للجميع من خلال اتفاق ورضا بين طرفين بمهر معين، وليس فيه انتقاص من قيمة أحد الزوجين "المرأة في حالتنا" ولا جبراً لها على الرضا والقبول، وبالتالي لا قيمة لما أثاره المشككون.

معلومات الصفحة
نوع الصفحة
زوجات الرسول - دفاع عن الرسول - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.