الفصول
الفصل الثالث: التطور سنة إلهية
وهم الإلحاد · أحمد الحسن
الفصل الثالث
التطور سنة إلهية
يتصور كثير من الذين يرفضون نظرية التطور أنّ السجل الاحفوري يسجل تطور الإنسان
عن القردة العليا المعروفة لنا الآن أو عن الارونجوتان أو الشمبانزي بالخصوص، في حين أنّ
فرع تطور بقية القردة العليا الحالية منفصل عن فرع تطور الإنسان منذ ملايين السنين،
والارونجوتان منفصل عن الإنسان منذ أمد أبعد من الشمبانزي الذي يعتبر أقرب للإنسان،
ومع هذا فهو منفصل عن الإنسان منذ ملايين السنين أيضاً، فيسجل التاريخ الاحفوري كائناً
يعود إلى (𝟒.𝟒) مليون سنة تقريباً، واسمه العلمي (آرديبيثيكوس)، ومختصره (آردي)، كان
يسير منتصباً على قدمين في غابات أفريقيا وأنيابه صغيرة كأنياب الإنسان وليس كأنياب
الشمبانزي، وهو علمياً الآن في ضمن شجرة تطور الإنسان، أي باختصار أن السجل الاحفوري
يسجل سلسلة منتصبة على قدمين مثل الإنسان الحالي تمتد من الآن إلى ما قبل 𝟒.𝟒 مليون
سنة بل وربما حتى قبل هذا، فتاريخ انفصال الإنسان عن بقية القردة العليا يصل لما يقارب
سبعة ملايين سنة، وهناك كثير من الاحفوريات تعود لملايين السنين تؤكد وجود أشباه
الإنسان، وكون الإنسان الحديث وإنسان النياندرتال تطورا عن إحداها، ومن هذه الاحفوريات التي تعود إلى أكثر من ثلاثة ملايين سنة، لوسي وإنسان كينيا.
والتاريخ الاحفوري الذي يخص الإنسان يسجل بداية أشباه الإنسان أو الإنسان ذو
الجسم المنتصب (الهومو إركتس) بتاريخ يعود إلى الوراء (𝟐) مليون سنة تقريباً، والهومو
إركتس في الأغلب تمكن من استخدام النار والأدوات البسيطة كالفؤوس الحجرية، ولديه حياة
اجتماعية، فقد سجل التاريخ الاحفوري في جورجيا في القوقاز بقاء عجوز من الهومو إركتس
حياً لسنتين بعد سقوط أسنانه، وهذا ربما يعني أنهم كانوا يطعمونه - أو يعدون له الطعام -
أي إنّ هذا يرجح ربما إلى أنّ لدى الهومو اركتس الذين هاجروا من أفريقيا حياة اجتماعية
ولو بسيطة
“Family Ties
Our ancestors had already ventured out of Africa ١.٨ million years ago-and
settled in the republic of Georgia.
The skull of this old man is humanlike but small, but the remarkable feature is
the mouth. Not only are there no teeth, but nearly all the sockets are smooth, filled
in by bone that grew over the spaces.
The jaws look like two crescent moons. Although it's hard to be sure of his age,
'it looks like he was maybe about ٤٠, and the bone regrowth shows he lived for a
couple of years after his teeth fell out,' says Professor Lordkipanidze. 'This is really
incredible.' How did the toothless old man survive, unable to chew his food? Maybe
his companions helped him, says Lordkipanidze. If so, those toothless jaws might
testify to something like compassion, stunningly early in human evolution.”
«الروابط العائلية
أجدادننا غامروا قبل مليون وثمانمائة الف سنة من افريقيا واستقروا في جورجيا
ويقول البروفيسور لوردكيبانيدزي بان الجمجمة التي تم العثور عليها في موقع
دمانسي في جمهورية جورجيا هي لرجل عجوز تشبه جمجمة الإنسان ولكنها صغيرة،
ولكن الميزة الرائعة هي الفم، فليس فقط لا توجد اسنان فيه، ولكن تقريبا جميع تجاويف
الاسنان ملساء،وقد ملئت بالعظام التي نمت فوق الفراغات.
يبدو الفكان على شكل هلالين. وعلى الرغم أنه من الصعب تحديد عمره بدقة، ولكنه
"يبدو حوالي ٤٠ سنة، ونمو العظام بحيث ملئت الفراغات تظهر انه عاش لبضع سنوات
بعد سقوط أسنانه،"هذا أمر لا يصدق حقا" كيف لرجل بلا أسنان البقاء على قيد الحياة،
وهو حتى غير قادر على مضغ طعامه؟ ربما ساعده أصحابه، يقول لوردكيبانيدزي (١). إذا
كان الأمر كذلك، فان فكي ذلك الانسان التي هي بلا أسنان تشهد على شيء يشبه الرحمة،
وبشكل مذهل في وقت مبكر في التطور البشري »(٢).
ويسجل التاريخ الاحفوري أيضاً نشوء فرع عن الهومو إركتس وهو هومو هايدلبيرغ قبل
حوالي (𝟖𝟎𝟎−𝟔𝟎𝟎) ألف سنة، وهذا الإنسان (أو أشباه الإنسان) قد تمكّن من صناعة
الرمح وصيد فرائس كبيرة، وكان يملك دماغاً كبير الحجم، وهاجر هذا الأخير من أفريقيا وتطور
إلى إنسان النياندرتال الذي انتشر في أوربا وبقي إلى أن انقرض قبل (𝟐𝟒) ألف عام تقريباً.
كما وتسجل الاحفوريات ظهور الإنسان العاقل (الهومو سابينس) قبل (𝟐𝟎𝟎) ألف سنة
تقريباً منشقاً عن الهومو إركتس أو إنسان هايدلبيرغ، ثم تكامل الهومو سابينس إلى شكله
النهائي الحالي قبل (𝟏𝟎𝟎) ألف عام تقريباً.
ثم يسجل علم الآثار بتتبع الأدوات ظهور المهارات لدى الهومو سابينس وهجرته بحدود
(𝟕𝟎) ألف سنة تقريباً، وهذه الهجرة كانت هجرة ناجحة أدت إلى انتشار البشر في كل الأرض،
وقد كانت هجرة مجموعة صغيرة (منتقاة) عن طريق باب المندب في البحر الأحمر من أفريقيا
إلى الجزيرة العربية، وكانت في تلك الفترة المياه منحسرة، فتمكنت مجموعة من العبور،
وأخذت هذه المجموعة المنتخبة (٣) من هومو سابينس أفريقيا تتقدم في جنوب شبه الجزيرة العربية؛ لوجود ينابيع المياه على الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة (١) في ذلك الوقت حيث كانت
مكشوفة قبل أن تغطيها مياه البحر نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر، وهذه الينابيع
ساعدتهم على تجنب صحراء الجزيرة، وتمكنوا من أن يقطعوا الجزيرة العربية على الخط
الساحلي مروراً باليمن وعمان الحاليين حتى وصلوا إلى منطقة الخليج المغطاة بالمياه حالياً،
وهي لم تكن مغطاة بالماء المالح بعد في تلك الفترة بل كانت وادياً دافئاً (٢) تجري فيه الأنهار التي
تدخله من الشمال (أي من جنوب العراق الحالي وجنوب غرب ايران الحالي)، وكان الوادي
(الخليج الحالي) مكاناً مناسباً جداً للعيش فيه، فهو مليء بالأنهار والبحيرات والأهوار والغابات
ودافئ، وهذا أمر مهم جداً في تلك الفترة، حيث مرت الأرض بفترة صقيع وبرد قاسية مع نهاية
العصر الجليدي الأخير، فكان هذا الوادي مكاناً مثالياً لنمو البشر الأوائل، مكان مليء بالمياه
العذبة والثمار والغذاء، ويمكن أن نقول: إنه أفضل مكان لنمو الإنسان العاقل في تلك الفترة،
وهنا تكاثرت أعدادهم، وهاجر بعضهم إلى بقية أنحاء العالم، وبقيت مجموعة في هذا الوادي
حتى تاريخ فيضان هذا الوادي عندما تسببت مياه البحر بملئه، ويقدر تاريخ ملء الخليج بالماء
(٣) علمياً بين (𝟖−𝟏𝟓) آلاف سنة قبل الميلاد وبعد الفيضان، فإنّ المجموعة المنتقاة أو
الناجين من الفيضان انتقلوا إلى أعلى جنوب العراق الحالي وجنوب ايران الحالي متتبعين
الأنهار التي كانت تجري إلى واديهم الخصب الذي أصبح خليجاً تغطيه المياه المالحة (٤).
وبعد هذا الفيضان فإنّ أجزاء من أقصى جنوب العراق الحالي غطتها المياه المالحة،
وعانت آلاف السنين من هذا الفيضان حتى تمكنت المياه العذبة وفيضانات الأنهار من غسلها
من الملوحة وردمها بالترسبات التي تسببت بتكوين أراضي صالحة للزراعة ومتاخمة للأهوار
المليئة بالأسماك، وهذا كان يدفع السكان للزحف باتجاه الخليج مرة أخرى واستيطان الأراضي
التي تكشف أو التي تطمر بعد الفيضان، وهذا الأمر استمر آلاف السنين.
وعموماً، يمكننا اعتبار سكان هذا الوادي (الخليج الحالي) أصحاب أول حضارة إنسانية
على وجه الأرض، وهم من بدأوا بتكوين القرى السومرية أو الاكادية في جنوب العراق التي
سبقت الحضارة السومرية الاكادية التي وصلتنا، ولهذا يمكن أن نقول عنهم: إنهم السومريون
الأوائل، أو هم أولئك الأجداد الذين نقرأ للسومريين كتاباتهم في الرقم الطينية وهم يفتخرون
بهم وبحضارتهم وقيمهم الأخلاقية العليا.
وأيضاً هؤلاء السومريون الأوائل أو لنقل سلف السومريين انتشروا إلى باقي الأرض، فهم
انتقلوا إلى مصر وبنوا أسس الحضارة المصرية القديمة التي سبقت الحضارة المصرية التي
وصلتنا، وبحسب الدراسات الجينية الأخيرة فإن كل إنسان على الأرض الآن إذا لم يكن من
الذين بقوا في أفريقيا فهو يعود في أصوله إلى هذه المجموعة الصغيرة المنتقاة التي هاجرت من
أفريقيا إلى جنوب الجزيرة العربية (اليمن وعمان والإمارات الحالية)، ثم إلى الحوض الخصب
(الخليج حالياً) وإلى العالم، ثم إلى جنوب العراق ثم منه أيضاً إلى العالم، ولم تساعد الظروف
الطبيعية اللاحقة في أفريقيا الكثرة الباقين فيها كما ساعدت القلة الذين هجروها، وبهذا فقد
تكاثرت المجموعة المنتقاة وبشكل كبير وملأوا الأرض(١)، حتى وصل الأمر إلى أن يهاجروا هجرة عكسية من الوادي الخصب وجنوب العراق إلى شمال أفريقيا، فسكان شمال أفريقيا - من
مصر حتى المغرب العربي بل حتى السودان - هم مهاجرون من الوادي ومن جنوب العراق
القديم بحسب بعض البحوث الجينية، وبهذا فقد حصلت الغلبة والهيمنة للمجموعة المنتقاة
(المنتخبة)، ونجت من ظروف أفريقيا أولاً ومن غرق الخليج ثانياً وعادت واستعمرت شمال
أفريقيا أخيراً.
وبحسب السجل الاحفوري فقد واجه وعاصر الإنسان الحديث (الهومو سابينس) بعد
هجرته باتجاه أوربا ولمدة (𝟏𝟓) ألف سنة تقريباً إنساناً آخر هو إنسان النياندرتال، والذي كان
قد سبقه للظهور من نفس سلفه الهومو إركتس أو الهايدلبيرغ في أفريقيا كما بينّا سابقاً،
ولكن هجرة الهومو إركتس من أفريقيا كانت من الشمال وقد وصل إلى أقصى آسيا، ووجدت
بقايا أشباه الإنسان المتطورين عن الهومو إركتس حتى في أندونيسيا والصين. وكان النياندرتال
المتطور عن الهايدلبيرغ يستخدم النار ويدفن موتاه أحياناً، ثم انقرض النياندرتال قبل (𝟐𝟒)
ألف سنة تقريباً ليبقى فقط الإنسان العاقل الحديث متفرداً بالأرض.
شكل٤: صور توضيحية تبين امتلاء الوادي بالمياه. الفترات الزمنية المذكورة في الصور
تقريبية (١)
عمر آدم الديني أو لنقل تاريخ وجوده كإنسان يعيش على الأرض يمثل رقماً بسيطاً أمام
عمر الإنسان الأرضي المكتشف علمياً، فبحسب النص التوراتي مثلاً يكون عمر آدم أو الإنسان
على الأرض بحدود 𝟕𝟎𝟎𝟎−𝟔𝟎𝟎𝟎سنة فقط.
«١ هذَا ِكتَابُ مَوَاِليِد ادَمَ، يَوْمَ خَلَقَ اللهُ اِلإنْسَانَ. عَلَى شَبَِه ِالله عَِملَهُ.
٢ ذَكَرًا وَاُنْثَى خَلَقَهُ، وَبَارَكَهُ وَدَعَا اسْمَهُ ادَمَ يَوْمَ خُِلقَ.
٣ وَعَاشَ ادَمُ ِمئَةً وَثَلاَِثينَ سَنَةً، وَوَلَدَ وَلَدًا عَلَى شَبَهِِه كَصُورَِتِه وَدَعَا اسْمَهُ ِشيثًا.
َي
٤ وَكَانَتْ اَيَّامُ ادَمَ بَعْدَ مَا وَلَدَ ِشيثًا ثَمَاِن ِمئَِة سَنٍَة، وَوَلَدَ بَِنينَ وَبَنَاٍت.
٥ فَكَانَتْ كُلُّ اَيَّاِم ادَمَ الَِّتي عَاشَهَا ِتسْعَ ِمئٍَة وَثَلاَِثينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
٦ وَعَاشَ ِشيثُ ِمئَةً وَخَمْسَ ِسِنينَ، وَوَلَدَ اَنُوشَ.
َي
٧ وَعَاشَ ِشيثُ بَعْدَ مَا وَلَدَ اَنُوشَ ثَمَاِن ِمئٍَة وَسَبْعَ ِسِنينَ، وَوَلَدَ بَِنينَ وَبَنَاٍت.
٨ فَكَانَتْ كُلُّ اَيَّاِم ِشيثَ ِتسْعَ ِمئٍَة وَاثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً، وَمَاتَ.
٩ وَعَاشَ اَنُوشُ ِتسِْعينَ سَنَةً، وَوَلَدَ ِقينَانَ.
َي
١٠ وَعَاشَ اَنُوشُ بَعْدَ مَا وَلَدَ ِقينَانَ ثَمَاِن ِمئٍَة وَخَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَِنينَ وَبَنَاٍت.
١١ فَكَانَتْ كُلُّ اَيَّاِم اَنُوشَ ِتسْعَ ِمئٍَةَ وَخَمْسَ ِسِنينَ، وَمَاتَ.
١٢ وَعَاشَ ِقينَانُ سَبِْعينَ سَنَةً، وَوَلدَ مَهْلَلِْئيلَ.
َي
١٣ وَعَاشَ ِقينَانُ بَعْدَ مَا وَلَدَ مَهْلَلِْئيلَ ثَمَاِن ِمئٍَة وَاَرْبَِعينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَِنينَ وَبَنَاٍت.
١٤ فَكَانَتْ كُلُّ اَيَّاُِم ِقينَانَ ِتسْعَ ِمئٍَة وَعَشَرَ ِسِنينَ، وَمَاتَ.
١٥ وَعَاشَ مَهْلَلِْئيل خَمْسًا وَِسَِتينَ سَنَةً، وَوَلَدَ يَارَدَ.
َي
١٦ وَعَاشَ مَهْلَلِْئيلُ بَعْدَ مَا وَلدَ يَارَدَ ثَمَاِن ِمئٍَة وَثَلاَِثينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَِنينَ وَبَنَاٍت.
َي
١٧ فَكَانَتْ كُلُّ اَيَّاِم مَهْلَلِْئيلَ ثَمَاِن ِمئٍَة وَخَمْسًا وَِتسِْعينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
١٨ وَعَاشَ يَارَدُ ِمئَةً وَاثْنَتَيْنِ وَِسِتينَ سَنَةً، وَوَلَدَ اَخْنُوخَ.
َي
١٩ وَعَاشَ يَارَدُ بَعْدَ مَا وَلَدَ اَخْنُوخَ ثَمَاِن ِمئَِة سَنٍَة، وَوَلَدَ بَِنينَ وَبَنَاٍت.
٢٠ فَكَانَتْ كُلُّ اَيَّاِم يَارَدَ ِتسْعَ ِمئٍَة وَاثْنَتَيْنِ وَِسِتينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
٢١ وَعَاشَ اَخْنُوخُ خَمْسًا وَِسِتينَ سَنَةً، وَوَلَدَ مَتُوشَالَحَ.
٢٢ وَسَارَ اَخْنُوخُ مَعَ ِالله بَعْدَ مَا وَلَدَ مَتُوشَالَحَ ثَلاَثَ ِمئَِة سَنٍَة، وَوَلَدَ بَِنينَ وَبَنَاٍت.
٢٣ فَكَانَتْ كُلُّ اَيَّاِم اَخْنُوخَ ثَلاَثَ ِمئٍَة وَخَمْسًا وَِسِتينَ سَنَةً.
٢٤ وَسَارَ اَخْنُوخُ مَعَ ِالله، وَلَمْ يُوجَدْ لاَنَّ اللهَ اَخَذَهُ.
٢٥ وَعَاشَ مَتُوشَالَحُ ِمئَةً وَسَبْعًا وَثَمَاِنينَ سَنَةً، وَوَلَدَ لاَمَكَ.
٢٦ وَعَاشَ مَتُوشَالَحُ بَعْدَ مَا وَلَدَ لاَمَكَ سَبْعَ ِمئٍَة وَاثْنَتَيْنِ وَثَمَاِنينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَِنينَ وَبَنَاٍت.
٢٧ فَكَانَتْ كُلُّ اَيَّاِم مَتُوشَالَحَ ِتسْعَ ِمئٍَة وَِتسْعًا وَِسِتينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
٢٨ وَعَاشَ لاَمَكُ ِمئَةً وَاثْنَتَيْنِ وَثَمَاِنينَ سَنَةً، وَوَلَدَ ابْنًا.
٢٩ وَدَعَا اسْمَهُ نُوحًا، قَاِئلاً: «هذَا يُعَزِينَا عَنْ عَمَِلنَا وَتَعَِب اَيِْدينَا ِمنْ ِقبَلِ الاَرْضِ الَِّتي
لَعَنَهَا الرَّبُّ.»
٣٠ وَعَاشَ لاَمَكُ بَعْدَ مَا وَلَدَ نُوحًا خَمْسَ ِمئٍَة وَخَمْسًا وَِتسِْعينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَِنينَ وَبَنَاٍت.
٣١ فَكَانَتْ كُلُّ اَيَّاِم لاَمَكَ سَبْعَ ِمئٍَة وَسَبْعًا وَسَبِْعينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
٣٢ وَكَانَ نُوحٌ ابْنَ خَمْسِ ِمئَِة سَنٍَة. وَوَلَدَ نُوحٌ: سَامًا، وَحَامًا، وَيَافَثَ »(١).
وهم يفسرون هذا النص على أنّ عمر الإنسان لا يتجاوز سبعة آلاف سنة على الأرض.
«ادعى البعض أن الحفريات تثبت وجود عظام إنسانية عمرها أكثر من مليون سنة
بينما أن ما يتضح من هذا الجدول أن عمر الإنسان على الأرض لا يزيد على−٧٠٠٠
٦٠٠٠ سنة والرد على ذلك يكون بحسبة رياضية نجد أن سكان العالم الحاليين لا يمكن
أن يكونوا ثمر أكثر من ٦٠٠٠ سنة على الأرض. فبافتراض أن كل عائلة تنجب حوالي ٣
أطفال، وخصم نسبة مرتفعة من الموتى بسبب الموت الطبيعي والكوارث الطبيعية
والحروب.. لو أن تاريخ الإنسان يرجع إلى مليون سنة فإن تعداد البشرية لو بدأ إنسان
واحد من مليون سنة لكان لا تكفيه ألافًا مضاعفة من مساحة الأرض لوجودهم. وربما
تكون العظام الموجودة لحيوانات ثديية حملت شكل الإنسان ولكن بدون النسمة التي
من فم الله»(٢).
إذن، فأنطونيوس فكري يقرر - كما البقية - أنّ عمر الإنسان أو آدم على الأرض لا يتجاوز
𝟔𝟎𝟎𝟎 سنة، أما حسابه للتعداد السكاني المفترض فهو من المؤكد حساب ساذج جداً، حيث
لم يأخذ بنظر الاعتبار أموراً كثيرة لها علاقة بالتكاثر والبقاء، مثل الحياة البدائية والقاسية
التي كان يعيشها الإنسان في أفريقيا أو قبل الزراعة، حيث تكفي الأمراض ووجود المفترسات
وصعوبة الحصول على الطعام والطرائد لتضع حداً لعدد البشر الذي وصل في بعض الفترات
إلى حد الانقراض، ولولا أن الإنسان تعرض في أفريقيا لعملية انتخاب طبيعي قاسية وضعته
في حالات على حافة الانقراض لما تطور الدماغ بهذه الصورة وفي فترة تعد قصيرة في الزمن التطوري.
أما بالنسبة للمرويات فهي قليلة في تحديد هذا التاريخ، وقد حدد بعض علماء السنة
الفترة منذ آدم بحدود سبعة آلاف سنة.
لدينا الآن معلومات عن عمر الإنسان المكتشف علمياً على الأرض بحسب الاحفوريات
التي توفرت، ولو اقتصرنا على الهومو إركتس أو الإنسان المنتصب، والذي لديه شكل إنسان
ومنتصب الجسم، ومنزوع الشعرتقريباً، وكان يعرف النار، ولديه بعض آلات الصيد، فسيكون
لدينا عمر إنساني يمتد إلى مليوني عام تقريباً، وهذا الرقم لا يتناسب مع عمر آدم الديني
المتقدم وحتى لو تمت مضاعفته، أضف أن الهومو اركتس علمياً لم يدفنوا موتاهم، وأشكالهم
تختلف عن شكل الإنسان الحالي، وهذا أمر لا يتناسب مع آدم وولده (عليهم السلام) الذين
ينص القرآن على أنّ الله علمهم دفن الموتى:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بالْحَقّ إذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبّلَ من أَحَدهمَا وَلَمْ يَُتَقَبَّلْ مَنَ الآخَرَ قَالَ
لأََقْتُلَنَّكَ قَالَ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ منَ المْتَُّقينَ.........َ... فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخيَه فقَتَلَهُ فَأصْبَحَ
مَنَ الْخَاسَريَنَ * فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَُثُ في الأرْضَ ليُريَهَُ كَيْفَ يُوَاري سَوْءةَ أخيه قَالَ يَا وَيْلَتَا
أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مثْلَ هَـذَا الْغُرَاب فَأوَا ريَ سَوْءةَ أخي فَأصْبَحَ منَ النَّادمينَ﴾(١).
وحتى لو اقتصرنا على الهومو سابينس أو الإنسان العاقل فسيكون لدينا في أحسن
الأحوال مئتي ألف عام تقريباً، وهذه الفترة الزمنية لا تناسب عمر آدم (عليه السلام) الديني،
مع العلم أن الهومو سابينس كانوا لمئة ألف عام تقريباً محصورين في أفريقيا ولم يكونوا
يدفنوا موتاهم، حيث إنّ أقدم دلائل دفن للموتى بالنسبة للهومو سابينس كانت خارج أفريقيا
وبحدود مئة ألف عام مضت لمجموعة يحتمل أنهم من الهومو سابينس كانت قد هاجرت إلى
فلسطين وانقرضت، وآدم والأنبياء بعده لم يكونوا في أفريقيا، وكانوا يدفنون موتاهم بحسب
النص الديني.
وعموماً، علمياً الآن لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار أننا من الهومو اركتس، وهناك فرق كبير في حجم الدماغ والقدرات العقلية بيننا وبينهم، وبالتالي فآدم ليس من الهومو اركتس
قطعاً، وهذا ينفي نفياً قاطعاً أن يكون آدم (عليه السلام) يعود للفترة التي سبقت وجود
الهومو سابينس أي قبل (𝟐𝟎𝟎) ألف عام، وأيضاً حتى هذه الـ (𝟐𝟎𝟎) ألف عام منها أكثر من
(𝟏𝟎𝟎) ألف عام قضاها الهومو سابينس محصوراً في أفريقيا، وكان بدائياً في حياته ولم يكن
يدفن موتاه، بل إنّ الهومو سابينس لم يكتمل كهيئة كاملة مطابقة للإنسان الحديث إلا قبل
مئة ألف عام تقريباً، وبالتالي فآدم (عليه السلام) المذكور في النص الديني لا يمكن أن يكون
علمياً قد وجد جسدياً على الأرض إلا بعد تاريخ 𝟏𝟎𝟎 ألف عام ق.م، ولكن على كل حال له
امتداد تطوري إنساني يمتد ملايين السنين، وهذا يعني أنه ولد لأبوين حتماً.
“The evolutionary dividing line between Homo erectus and modern humans
was not sharp.
It extended over several hundred thousand years during the middle of the
Pleistocene Epoch.
Adding to the confusion about this important transitional period is the fact that
some regions were ahead of others in the process of evolving into our species.
The evolutionary changes above the neck that would lead to modern humans
may have begun in Southern Europe and East Africa ٨٠٠,٠٠٠−٧٠٠,٠٠٠ years
ago.
Elsewhere in the Old World, this change apparently began around ٤٠٠,٠٠٠
years ago or later.
The transition to our species,Homo sapiens, was not complete until around
years ago and even later in some regions.”
١٠٠,٠٠٠
«الخط التطوري الفاصل بين الانسان المنتصب والإنسان الحديث ليس حاد. يمتد
لأكثر من عدة مئات من الاف سنة خلال منتصف عصر البليستوسين.
إضافة إلى الالتباس حول هذه الفترة الانتقالية الهامة سببه هو في الحقيقة أن بعض
المناطق سبقت الاخرى في عملية تطور جنسنا البشري.
التغيرات التطورية التي من شأنها أن تؤدي إلى الإنسان الحديث ربما تكون قد بدأت
في جنوب أوروبا وشرق أفريقيا ٧٠٠ – ٨٠٠ الف سنة مضت.
و في أماكن أخرى من العالم القديم، بدأ هذا التغيير على ما يبدو قبل حوالي ٤٠٠
الف سنة مضت أو في وقت لاحق.
الانتقال إلى جنسنا البشري، الإنسان العاقل (هومو سابينس)، لم يكتمل حتى
حوالي ١٠٠ الف سنة مضت، وحتى وقت لاحق في بعض المناطق»(١).
شكل ٥: يوضح الخط الزمني لتطور الهومواركتس والهايدلبيرغ والنيدرتال والهوموسابينس
وصولاً إلى الإنسان الحديث
O'Neil, Homo heidelbergensis المصدر:
البحث في تاريخ الهومو سابينس عن آدم (عليه السلام) الذي يمكن أن يتوافق مع النص
الديني محصور في الفترة التي هاجرت فيها المجموعة المنتخبة من أفريقيا إلى الجزيرة العربية
وما بعدها، أي منذ سبعين ألف عام تقريباً.
والإنسانية الموجودة على الأرض حالياً بحسب التحليل الجيني كلهم يعودون إلى المجموعة
الصغيرة المهاجرة الأولى من أفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية منذ سبعين ألف عام تقريباً، عدا
بعض قبائل أفريقيا القليلة التي تُعتبر أنها انحدرت من هومو سابينس بقوا في أفريقيا.
وبما أنّ بعض الهجرات الإنسانية إلى آسيا وأوربا تعود إلى ما يقارب ستين وأربعين ألف
عام على التوالي، وهم عبارة عن مجموعات من ذرية المجموعة المهاجرة الأولى من أفريقيا إلى
الجزيرة العربية، فإذا أردنا أن نقول: إنّ كل الموجودين على الأرض الآن هم من ذرية آدم الديني
(عليه السلام) جسمانياً - عدا بعض قبائل أفريقيا -، وإن آدم هو من ذرية المجموعة المهاجرة
الأولى من أفريقيا، فلابد أن يكون آدم (عليه السلام) قد ولد من المجموعة المهاجرة في فترة
زمنية بعد هجرتهم إلى الجزيرة العربية ثم انقرضت بقية المجموعة الصغيرة وبقي آدم وذريته
وتكاثروا وهاجروا إلى بقية الأرض.
ويمكن أن نتصور أسباباً علمية كثيرة تؤدي لانقراض تلك المجموعات الأولى في الجزيرة
العربية خصوصاً أنها لم تكن صالحة للعيش سوى في طرفها الجنوبي الذي يحوي ينابيع مياه
سرعان ما غطتها مياه البحر المالحة، أي إنّ آدم الذي يجمع بين النص الديني والحقائق
العلمية لم يكن قبل سبعين ألف عام بأي حال، بل بحسب بعض النصوص الدينية لابد أنه
جاء من ذرية المجموعة المهاجرة من أفريقيا إلى الجزيرة العربية، وهذا نص ديني يبيّن أن تلك
المجموعة الأفريقية من هومو سابينس أفريقيا كانوا يحجون قبل مجيء آدم بألفي عام، أي
إنهم أقوام مكلفة يعبدون الله بحسب وضعهم وإمكاناتهم وإدراكهم.
عَن زُرَارَةَ، قَالَ: قُلْتُ لأَبي عَبْد اللَّه (عليه السلام): [جَعَلَنيَ اللَّهَُ فدَاكَ أَسْأَلُكَ فَي الْحَجّ
مُنْذُ أرْبَعينَ عَاماً فَتُفْتيني. فَقَالَ: يَا زُرَارَةُ، بَيْتٌ حُجَّ إلَيْه قَبْلَ آدَمَ بألْفَيْ عَاٍم تُريدُ أنْ تَفْنَى مَسَائلُهُ في أَرْبَعينَ عَاماً] (١).
إذن، فالحقيقة العلمية وهذا النص توصلنا إلى أنّ آدم ولد لأهل مكلفين من أولئك
المهاجرين، ولكنهم كانوا من نوع نفسي دون مستوى آدم وولده.
وحتى التاريخ السومري يبيّن في بعض النصوص التي وصلتنا أنّ أصول السومريين تعود
إلى المجموعة المهاجرة من أفريقيا، حيث إنّ السومريين يسمون أسلافهم بذوي الرؤوس السود.
«وبعد ان خلق ان وانليل وانكي وننخرساج، القوم ذوي الرءوس السود خرجت
المزروعات بوفرة من الارض»(٢).
ويمكننا أن نفهم من هذه العبارة أنّ لون أسلافهم كان أسوداً.
إذن، آدم كان من ذرية أولئك المهاجرين، وقد استوطن هو وولده وادي الخليج، ثم حصل
الخلاف المذكور دينياً على أنه حادثة قتل هابيل وطرد قابيل إلى الجبال أي أعلى الوادي
الخصب (الخليج الحالي) أو جنوب غرب ايران الحالية، ومن ثم انتشار المجموعة المطرودة في
آسيا وأوربا وبقية العالم، ولحقهم بعض ذرية الذين كانوا في الوادي في وقت آخر واختلطوا
بهم، ولما حدث طوفان الوادي خرجت مجموعة صغيرة من الصالحين الذين بقوا في الوادي
وبدأوا من جديد في وسط وجنوب العراق الحالي، ولعل التعبير السومري عنهم على أنهم بقية
ذرية الإنسان وما شابه من التعابير الدينية التي يفهم منها أنهم فقط الناس الناجون من
الطوفان سببه هو أنهم فقط المجموعة المتبقية من ذرية هابيل وشيث والصالحين من ولد
آدم، ولم تختلط أنسابهم مع ذرية قابيل والطالحين من ذرية آدم.
أيضاً: بالنسبة لبقية الناس الذين لا يمكن أن نقول إنهم من ولد آدم جسمانياً كبعض
القبائل الأفريقية التي لا تعود بأصولها إلى المجموعة المهاجرة، فهؤلاء يمكن أن يكونوا من
ولد آدم نفسياً في مراحل متأخرة عن ولادة آدم (عليه السلام)، أي بمعنى أن يولد في مرحلة
معينة أفراد تبث فيهم - وهم في الأرحام - أنفساً من الأنفس التي أخذت في الذر من آدم (عليه السلام) وهم يمثلون ذريته النفسية في الخلق الذي تم في الجنة أو السماء الأولى.
شكل٦: يوضح زيادة حجم تجويف الدماغ مع الزمن لدى الهومو وسلفه وصولاً إلى
الهوموسابينس (الإنسان الحديث) ويبين أن الإتجاه العام للتطور سار نحو زيادة حجم الدماغ (١)
شكل٧: خارطة توضح خروج الهومو سابينس أو الإنسان الحديث من أفريقيا إلى باقي الأرض
مروراً بالوادي الخصب
نظرية التطور عبارة عن نظرية علمية، ولهذا فنحن عندما نورد نصوصاً دينية متوافقة
معها فهذا لا يعني أننا نريد إثبات نظرية التطور من خلال النص الديني، بل غاية ما نريد هو
إثبات توافق النص الديني مع هذا الاكتشاف العلمي، وربما أيضاً إثبات أحقية الدين من
خلال إثبات المعارف الغيبية التي احَتواها النص الديني، حيث يمكن أن يقال مثلاً: إنّ القرآن
ذكر التطور في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أنبَتَكُم مّنَ الأْرَْض نَبَاتاً﴾، وفي حين لم يتمكن الإنسان من
اكتشاف هذه الحقيقة العلمية إلا حديثاً، وبهذا تثبت أحقية القرآن وأحقية الرسول محمد
(صلى الله عليه وآله) من خلال إخباره الغيبي عن حقيقة علمية قبل أن تكتشف بأكثر من
ألف عام، ومثله يمكن أن يقال في إخبارات آل محمد (عليهم السلام)، حيث أخبروا قبل أكثر
من ألف عام عن وجود النسناس أو أشباه الناس قبل وجود الإنسان، وهذه حقيقة علمية
اكتشفت الآن، فبحسب البحوث الجينية ثبت وجود إنسان النياندرتال المختلف جينياً عن
الإنسان الحديث، كما اكتشفت احفوريات الهومو إركتس والهومو سابينس الأفريقي.
- قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً * أَلَمْ تَرَوْاَ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاٍت طبَاقاً * وَجَعَلَ
الْقَمَرَ فيهنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سرَاجاً * وَاللَّهُ أنبَتَكُم مّنَ الأْرَْض نَبَاتاً﴾(١).
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾: الطَور: هو الحال المميزة المترقية، وسمي الجبل طوراً لتميزه
بالارتفاع والارتقاء عن محيطه، ويسمى الطائر (وجمعه الطير)؛ لأنه يتميز بامتلاكه أدوات
تمكنه من الارتفاع والارتقاء نحو الأعلى عن محيطه عادة وهَي الأجنحة، والأطوار: هي الحالات
المتميزة المترقية والمرتفعة، وبهذا يكون معنى ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أطْوَاراً﴾: إنّ الله خلقكم في الماضي
الذي تحقق وانتهى(٢) ومررتم بأحوال متعددة ومتميزة ومترقية، أي أطواراً جسمانية مترقية
تصاعدياً مررنا بها حتى وصلنا إلى جسم يمتلك آلة ذكاء فائق، وبالتالي أصبح مؤهلاً فاتصلت
به نفس آدم (عليه السلام)، ولا يمنع أن تكون أطوار الترقي اُنجزت خلال مليارات السنين حتى وصل الأمر إلى الجسم المناسب لنزول نفس آدم (عليه السلام) وبثها في فرد منه وهو في الرحم.
﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاٍت طبَاقاً﴾: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ: أي إذا أردتم معرفة كيف
خلقكم أطواراً فهي مسألة تشبه مسألة السماوات. إذن، فالإطوار إذا لم تتضح لنا سابقاً فهي
تماماً كحال السماوات السبع التي تتميز بأن بعضها فوق بعض وبعضها أرقى من بعض رتبة،
إذن هذه الآية أوصلتنا إلى نفس النتيجة السابقة وهي أن جسم آدم مرّ بأطوار ترٍق كما أن
السماوات تتدرج بأطوار ارتقاء وترٍق.
﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مّنَ الأْرَْض نَبَاتاً﴾: أظن أنّ هذه الآية لا تحتاج أي شرح لشدة وضوحها،
فالآية تقول أنتم بذرة بذرت في هذه الأرض ونبتت وأنتجت.
كالنبات أنبتكم الله، والنبات لا ينتج مباشرة بل يمر بأطوار ويترقى، فالبداية تكون بذرة
صغيرة تبذر في الأرض وتسقى الماء، ثم تنبت نبتة صغيرة من البذرة والأرض والماء وتكبر هذه
النبتة وتترقى ومن طور إلى طور حتى تكتمل وتبدأ بإنتاج الثمر، وهذا هو ما حصل معكم،
خريطة الله الجينية بذرت في هذه الأرض وترقت حتى وصلت إلى منتهاها وحققت الغرض،
وسيأتي إن شاء الله بيان كيف أن هذه الخريطة هي دليل واضح على وجود الله سبحانه وتعالى،
وبهذا تكون نظرية التطور دليلاً على وجود الله سبحانه وتعالى وليس العكس.
- قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإْنسَانَ من سُلاَلٍَة مَّن طْيٍُن * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فيْ قَرَارٍ مََّكيٍنً
* ثُمََّ خَلَْقْنَا النطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا اَلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلقْنَا المضْغَةَ عظَاماً فَكَسَوْنَا العظَامَ لحْما
ثُمَّ أنشَأنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الْخَالقينَ﴾(١).
﴿الَّذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيٍْء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإْنسَان من طيٍن * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ من سُلاَلٍَة مّن
مَّاء مَّهيٍن﴾(٢).
السلالة: هي المجموعة المنتقاة والمستلة من غيرها لتميزها وأفضليتها على ذلك الغير الذي
استلت منه، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإْنسَانَ من سُلاَلٍَة مّن طيٍن﴾ أي إنّ الإنسان الأرضي الأول خلق من مجموعة مميزة ومفضلة (سلالة)، وتلك السلالة تنتهي سلسلتها إلى
الطين ﴿سُلاَلٍَة مّن طيٍن﴾.
- قوله تعالى: ﴿ إنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبْرَاهيمَ وَآلَ عمْرَانَ عَلَى الْعَالمَينَ﴾(١).
﴿إنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾: بما أنّ آدم (عليه السلام) هو الإنسان الأول في السماء الأولى فلا
يمكن أن يقال: إنّ نفسه اصطفيت؛ لأن الاصطفاء لابد أن يكون من مجموعة، فلا يمكن أن
ينطبق هذا الاصطفاء إلا على الجسم الأرضي الذي اتصلت به نفس آدم (عليه السلام)، وهذا
معناه أنّ هناك خلقاً أرضييّن آخرين كانوا موجودين واصطفى الله جسم آدم من هؤلاء أشباه
الناس، فالإصطفاء لا يكون إلا من المماثل، وآدم كجسم يشبه من ولد بينهم وكنفس آدمية
أولى بثت بينهم، يصدق عليه قول إنه اُصطفي منهم. أما القول إنّ إصطفاء آدم من بقية
المخلوقات فهذا كلام لا يستقيم، فما معنى أن تقول إنك اصطفيت فرداً إنسانياً من بين
مجموعة من السباع والبقر والحمير.. الخ، هل هذا الكلام له معنى؟ أو حتى ينطق به حكيم؟!!
- قوله تعالى: ﴿أَوََلَمْ يَرَ الَّذينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالأْرَْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا
منَ المْاَء كُلَّ شَيٍْء حَيٍّ أفَلاَ يُؤْمنُونَ﴾(٢).
لفظ الماء في هذه الآية بالنسبة للوجود ككل لا يراد منه الماء 𝐎()𝐇 الذي نعرفه في
𝟐
الأرض، وقد بينت هذا الأمر سابقاً، ولكن بالنسبة للحياة الأرضية الجسمانية فقط سيكون
معنى هذه الآية أن الحياة على الأرض بدأت من الماء الأرضي ﴿وَجَعَلْنَا منَ المْاَء﴾، وهذا يعني
بوضوح أن بداية الحياة الأرضية كانت من الماء الأرضي، فالآية تبيّن أن البذرة الأولى للحياة
كانت من البيئة المائية وما تحويه من مكونات ترابية (أو كيميائية)، وهذا موافق تماماً لنظرية
التطور، أما استمرار الحياة على الأرض فهو ليس من الماء وما يحويه. نعم، يمكن أن يقال: إن
استمرار الحياة في الماء أو بواسطة الماء ولكن ليس من الماء، فالحياة المنتزعة من الماء والتراب
الذي يحويه هي الحياة الأولى فقط.
من المؤكد أنّ مسألة التطور بتفاصيلها لا يمكن أن تكون واردة في الروايات، ولكن هناك
مؤشرات موجودة في الروايات تشير إلى مسألة التطور، وتبيّن بوضوح أن آدم (عليه السلام)
لم يكن المخلوق الأول ذو الجسم الإنساني الحالي، بل سبقه خلق يشبهون الإنسان الآدمي في
أجسامهم ولكنهم لم يكونوا من ولد آدم (عليه السلام)، أي إنهم سبقوا آدم (عليه السلام)،
وقد سمتهم الروايات بالنسناس، وهو اسم قريب لتسميات مراحل التطور العلمية اليوم، مثل:
الهومو إركتس، والهومو سابينس، وإنسان النياندرتال، وبعض علماء الأحياء يسميهم أشباه
الناس.
وما يهمنا أن هناك روايات كثيرة عن آل محمد (عليهم السلام) أكدت على هذه الحقيقة
العلمية التي ظهرت أخيراً نتيجة الاحفوريات والبحوث العلمية الجينية، وهذا أمر يحسب لآل
محمد (عليهم السلام) كدليل وحجة على من يريد أن يعرف الحقيقة، فمن أين عرف آل محمد
(عليهم السلام) أن هناك أشباه ناس سبقوا وجودنا على الأرض إن لم يكن آل محمد (عليهم
السلام) متصلين بالله سبحانه، وبهذا تثبت حجية آل محمد (عليهم السلام) لمن يطلب الحق
ويثبت وجود الله الذي أخبروا عنه وبلغوا عنه ونقلوا عنه هذه الحقائق، وسأقتصر على نقل
بعض الروايات:
عن محمد بن علي الباقر صلوات الله عليه: [لقد خلق الله عز وجل في الأرض منذ خلقها
سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الأرض، فأسكنهم فيها واحداً بعد واحد
مع عالمه، ثم خلق الله عز وجل أبا هذا البشر وخلق ذريته منه] (١).
وهذه الرواية تبيّن أن الله خلق قبل آدم (عليه السلام) على الأرض سبعة أنواع من أشباه
الناس على الأقل، وهم ليسوا من ولد آدم، وسبقوا آدم (عليه السلام) على هذه الأرض.
عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن آبائه
(عليهم السلام)، عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: [إن الله تبارك وتعالى أراد أن يخلق
خلقاً بيده وذلك بعد ما مضى من الجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة، وكان من شأنه
خلق آدم كشط عن أطباق السماوات، قال للملائكة: انظروا إلى أهل الأرض من خلقي من
الجن والنسناس، فلما رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الأرض بغير
الحق عظم ذلك عليهم وغضبوا وتأسفوا على أهل الأرض ولم يملكوا غضبهم، قالوا: ربنا إنك
أنت العزيز القادر الجبار القاهر العظيم الشأن وهذا خلقك الضعيف الذليل يتقلبون في
قبضتك ويعيشون برزقك ويتمتعون بعافيتك وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب العظام لا
تأسف عليهم ولا تغضب ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى، وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه
فيك.
قال: فلما سمع ذلك من الملائكة قال: ﴿إنّيَ جاعلٌ في الأْرَْض خَليفَةً﴾ يكون حجة لي في
الأرض على خلقي، فقالت الملائكة: سبحانك ﴿أتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسدُ فيها﴾ كما أفسد بنو
الجان ويسفكون الدماء كما سفك بنو الجان ويتحاسدون ويتباغضون، فاجعل ذلك الخليفة
منا فإنَا لا نتحاسد ولا نتباغض ولا نسفك الدماء ونسبح بحمدك ونقدس لك. قال جل وعز:
﴿إنّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إني أريد أن أخلق خلقاً بيدي وأجعل من ذريته أنبياء ومرسلين
وعباداً صالحين أئمة مهتدين، وأجعلهم خلفاء على خلقي في أرضي، ينهونهم عن معصيتي،
وينذرونهم من عذابي، ويهدونهم إلى طاعتي، ويسلكون بهم طريق سبيلي، وأجعلهم لي حجة
عليهم، وأبيد النسناس من أرضي وأطهرها منهم...........] (١).
واضح في الرواية أنّ هناك أشباه ناس سبقوا وجود آدم على هذه الأرض، وهناك أمر مهم
آخر في هذه الرواية وهي أن الرواية تنص على أن آدم (عليه السلام) سينزل إلى الأرض؛ ليكون
حجة على أشباه الناس قبل أن ينتهي وجودهم على الأرض، أو على الأقل لنقل قبل أن يغلب
عليهم الوجود الآدمي الأخير المتمثل بذرية آدم (عليه السلام) الذي نزل (إنّي جاعلٌ في الأْرَْض
خَليفَةً يكون حجة لي في الأرض على خلقي........ وأبيد النسناس من أرضي وأطهرها منهم). ومن
المؤكد أن أول نزول آدم (عليه السلام) إلى هذه الأرض لا يوجد خلق أرضيون مدركون ليكون حجة عليهم ويهديهم إلى عبادة الله إلا النسناس (أشباه الناس)، وهذا يعني أن آدم نزل قبل
أن ينتهي وجود النسناس (أشباه الناس) أو يغلب عليهم الوجود الآدمي الأخير، وهذا معناه أنّ
آدم خلق كفرد منهم وولد جسمه منهم واتصلت نفسه المخلوقة من الطين والنفخ (١) بهذا
الجسم، ولكنه لم يكن بنفس مستواهم الوجودي، فهو مثّل نقلة جديدة للوجود المفكر
والمدرك والمكلف على الأرض. أما إنذاره لأشباه الناس وتبليغه لهم مع أن درجتهم الوجودية
دونه فهو كإنبائه للملائكة بالأسماء والملائكة درجتهم الوجودية والمعرفية قطعاً دون آدم (عليه
السلام).
وهذه المسألة تؤكدها بعض الروايات التي تدل على وجود نبي وقوم متخلفين من جهة
المعرفة الدينية، بل وليس لديهم حتى ألف باء الدين ويبلغهم هذا النبي بأوليات الدين، ولا
مانع أن يكون مصداقها آدم (عليه السلام):
عَن الْحَسَن بْن عَبْد الرَّحْمَن، عَنْ أَبي الْحَسَن (عليه السلام)، قَالَ: [إنَّ الأْحَْلاَمَ لَمْ تَكُنْ
فيمَا مَضَىَ في أَوَّل الْخَلْق وَإنَّمَا حَدَثَتْ. فَقُلْتُ: وَمَا الْعلَّةُ فيُ ذَلكَ؟ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ ذكْرُهُ بَعَثَ
رََسُولاًَ إلَى أهْل زَمَانه فََدَعَاهُمْ إلَى عبَاَدَة اللَّه وَطََاعَته، فَقَاَلوا: إنْ فَعَلْنَا ذَلكَ فَمَا لَنَا فَوَ اللَّه مَا
أَنْتَ بأكْثَرنَا مَالاً وَلاَ بأعَزّنَا عَشيرَةً، فقَالَ: إنْ أطَعْتُمُوني أدْخَلَكُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَإنْ عَصَيْتُمُوني
أدْخَلَكُمُ اللَّهُ النَّارَ. فَقَالُوا: وَمَا اَلْجَنَّةَُ وَالنَّارُ؟ فَوَصَفَ لَهُمْ ذَلكَ، فَقَالُوا: مَتَى نَصَيرُ إلَى ذَلكَ؟
فَقَالَ: إذَا مَتَمْ. فَقَالُوا: لَقَدْ رَأيْنَا أمْوَاتَنَا صَارُوَا عظَاَماً وَرُفَاتاً. فََازْدَادُواَ لهُ تَكْذيباً وَبه
اسْتخْفَافاً، فأحْدَثَ اللَّهُ عََزَّ وََجَلَّ فيهمُ الأْحَْلاَمَ، فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ بمََا رَأوْا وَمَا أنْكَرُوا منْ ذَلكَ،
فََقَالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أرَادَ أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْكُمْ بهَذَا، هَكَذَا تَكُونُ أرْوَاحُكُمْ إذَا متمْ وَإنْ بُليَتْ
أبْدَانُكُمْ تَصيرُ الأْرَْوَاحُ إلَى عقَابٍ حَتَّى تُبْعَثَ الأَْبْدَانُ] (٢).
وأول الخلق المذكور في الرواية ينطبق على آدم (عليه السلام)، وبالتالي فالقوم الذين
رافقوه في هذه الرواية هم بعض أشباه الناس الذين سبقوا آدم (عليه السلام).
أيضاً الرؤيا في النوم واليقظة هي طريق الوحي للأنبياء، فلابد أن تكون الرؤيا قد بدأت مع أول الأنبياء (عليهم السلام) وهو آدم (عليه السلام).
نحن سماويون، أصلنا سماوي، وخلقنا في السماء الأولى وكان امتحاننا الأول فيها وهو
امتحان الذر الذي ذكر في القرآن، فنحن أنفس وليس أجساداً أرضية فقط، أبونا آدم (عليه
السلام) خلق من طينة رفعت إلى السماء الأولى ووضعت في باب الجنة، عن أبي عبد الله
الصادق (عليه السلام)، قال: [كانت الملائكة تمر بآدم (عليه السلام) أي بصورته وهو ملقى في
الجنة من طين فتقول لأمر ما خلقت] (١)، ومن ثم نفخت الروح في هذه الطينة المرفوعة وخلق
آدم وخلقَت منه حواء، وسكن آدم وحواء في الجنة الدنيوية التي في السماء الأولى﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ
اسْكُنْ أنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ منْهَا رَغَداً حَيْثُ شئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذه الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا منَ
الْظَّالمينَ﴾(٢)، ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلزَوْجكَ فَلاَ يُخْرجَنَّكُمَا منَ الْجَنَّة فَتَشْقَى﴾(٣).
ثم نحن بنو آدم خلقنا الله في السماء الأولى في عالمَ الذر واَمتحننا الامتحان الأول ﴿وَإذْ
أََخَذَ رَبكَ من بَني آدَمَ من ظُهُورهمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أنفُسهمْ ألَسْتَ برَبّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهدْنَا
أن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقيَامَة إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافلينَ﴾(٤)، ووجودنا الأرضي وجود طارئ ومؤقت وليس
دائماً ولا أبدياً ولا حتى ستكون لنا عودة لنفس هذه الأرض للعيش بعد الموت إذا كنا ممن
يختار إنسانيته وينبذ الحيوانية الأرضية التي اتصلنا بها ليمتحننا الله سبحانه، فكيف يمكن
والحال هذه أن ينسب الإنسان السماوي إلى الحيوانية الأرضية التي اتصلت بها نفسه لإجراء
الامتحان الثاني، فمسألة أصل أجسامنا وتطورها عن كائن آخر في الأرض لا تغير شيئاً في
حقيقة أنّ أصلنا سماوي، هذا إضافة إلى أنّ نسبة جسم الإنسان في التطور إلى القرد الحالي
مباشرة أمر خاطئ ومن يقوله مخطئ، فإذا كان جسم الإنسان متطوراً كغيره من الكائنات الحية فلا يمكن أن ينسب إلا إلى البذرة الأولى كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مّنَ الأْرَْض نَبَاتاً﴾،
ولا يصح أن ينسب إلى الحالات الوسطية في تطوره مع بقية الكائنات.
نعم، يمكن أن ينسب للحالة الأخيرة التي سبقت انتقاله إلى إنسانيته، وهذه الحالة
جسمانياً لا فرق بينها وبيننا، فهي حالة جسمانية إنسانية تامة فعلى مستوى (الهومو سابينس)
فهم يمتلكون أجساماً مكتملة وأشكالهم بشرية، بل (الهومو إركتس) الذين ظهروا قبل مليوني
عام تقريباً أشكالهم قريبة جداً منا، بل إنّ الآرديبيثيكوس (آردي) الذي يعود لما قبل (٤.٤)
مليون سنة كان يمشي على قدمين وله أنياب صغيرة مثلنا تماماً ومنه تطور الإنسان علمياً،
فبحسب علماء الأحياء بما أننا الوحيدون من الثديات الذين نمشي على قدمين منتصبين
فيكون آردي سلفنا بالخصوص، وبهذا فلا يمكن والحال هذه أن يقال: إنّ جسم الإنسان تطور
عن قرد يشبه هذه التي تدور حولنا الآن، وهو قول غير صحيح ولا ملازمة بينه وبين نظرية
التطور، فلماذا قرد مثلاً بالتحديد؟! إذا كان الأمر هو الارجاع إلى الحالات الوسطية لماذا لا
يقال: إنّ الإنسان تطور من سمكة على اعتبار أنها حالة وسطية واقعة في طريق التطور، ولماذا
لا يقال تطور عن (الهومو إركتس) وهم حالة وسطية أيضاً في طريق تطور الإنسان، وهي أقرب
بكثير من الحالة الشبيهة بالقرد؟ لماذا القرد بالتحديد هل هي محاولة للتنفير والإزعاج فقط؟!!!
وهل هي محاولة لإبعاد الناس عن العلم والمعرفة ومحاولة إبقائهم أبعد فترة ممكنة في غياهب
الجهل؟!!! في حين أنّ الأبحاث العلمية في التطور الآن تنفي مسألة تطور الإنسان عن
الشمبانزي بل تقول إنّ الإنسان وبقية القردة العليا تعود إلى أصول مشتركة.
بعض من يدعون الفقه يستدلون بهذه الآية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإْنسَانَ في أَحْسَن تَقْويٍم﴾ على
أنّ نظرية التطور تعارض النص الديني باعتبار أنهم يفهمون معناها على أن جسم الإنسان
خُلق بصورته الحالية منذ اللحظة الأولى، ولو أنهم أكملوا قَراءة الآية بعدها لما تورطواَ بهذا
الاستدلال الساذج، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإْنسَانَ في أحْسَن تَقْويٍم * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَافلينَ﴾، فهل سأل هؤلاء أنفسهم: إن كان المراد بالآية الجسم الإنساني فكيف حصل رده
إلى أسفل سافلين وأين هذا؟! وهل هم يعتقدون أنّ جسم الإنسان الآن في مرحلة أسفل
سافلين بعد أن كان سابقاً في أحسن تقويم أم أنهم يعتقدون أنّ كل بني آدم ستتغير أشكالهم
في المستقبل إلى أسفل سافلين فيصبحون قروداً أو أشباه قرود مثلاً؟!!
حقيقة لو أنهم لم يخوضوا في هذا الأمر لكان أفضل لهم، ويا ليتهم تعلموا من أخطاء
أسلافهم.
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإْنسَانَ في أَحْسَن تَقْويٍم﴾(١): أحسن تقويم لا يعني الشكل والقدرة
الجسمانية، أحسن تقويم أي إنّ الإنسان خُلق على صورة الله، وصورة الله ليست صورة
جسمانية أو مثالية، صورة الله أي تجلي أسماء الله، فمعنى أنّ الإنسان مخلوق على صورة
الله أي إنه مفطور ليُظهر أسماء الله في الخلق ويكون الله في الخلق، كل إنسان مؤهل ليكون
هكذا أهلته روح القدس المتجلية في النفس الإنسانية، ولكن هناك من يضيعون حظهم
فيعودون إلى أصلهم باختيارهم:
﴿قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُم بشَرٍّ مّن ذَلكَُ مَثُوبَةً عندَ اللّهَ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضبَ عَلَيْه وَجَعَلَ منْهُمُ
الْقرَدَةَ وَالْخَنَازيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أوْلَـئكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأضَل عَن سَوَاء السَّبيل﴾(٢).
هذه هي الحقيقة، الله أعطى الإنسان، كل إنسان، المفتاح الرئيسي الذي يفتح كل الأبواب
والذي يثبت إنسانيته، فيمكنه أن يفتح الأبواب واحداً بعد الآخرلينتقل من نور إلى نور أعظم
منه حتى يصل إلى مواجهة النور الذي لا ظلمة فيه، ويمكنه أيضاً بكل بساطة أن يلقي المفتاح
إلى الأرض ويعود إلى حيوانيته وبهيميته التي بها يمسي يساوي القرد كما في النص القرآني
﴿وَجَعَلَ منْهُمُ الْقرَدَةَ﴾!
لا ظلم في ساحة الله، فالنار هي الدنيا لمن اختاروها وطلبوا الخلود فيها، فقط سيكشف
الغطاء عنهم ليجدوها مشتعلة بأعمالهم وظلمهم وفسادهم، وملأتها عقارب حسدهم ووحوش
أفكارهم وجرائمهم وحقائقهم الحيوانية البهيمية التي ستظهر لهم جلية فيعذب بعضهم بعضاً بتلك الحقائق الخبيثة عندما يكشف الغطاء. لا ظلم في ساحة الله، من طلب الخلود الدنيوي
سيعطى أمنيته وُيبقى حيث أراد فقط سيكشف عنه الغطاء ليرى الحقائق كما هي ﴿لاَ تَرْكُضُوا
وَارْجعُوا إلَى مَا أتْرفْتُمْ فيه وَمَسَاكنكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾(١).
الله عادل في كل شيء، بل هو محسن وكريم إلى درجة لا يمكننا أن نفهمها وليس عادلاً
فقط، لهذا فهو لا يؤذي أحداً بل أشد عقوبته هي أن يعطي الإنسان اختياره الذي عادة ما
يكون فيه هلاكه الأبدي، لهذا فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَُلمْتُمُ الَّذينَ اعْتَدَواْ منكُمْ في السَّبْت
فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قرَدَةً خَاسئينَ﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أنَبّئُكُم بشَرٍّمّن ذَلكَُ مَثُوبَةً عندَ اللّه
مَنَ لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضبَ عَلَيْه وَجَعَلَ منْهُمُ الْقرَدَةَ وَالْخَنَازيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أوْلَـئكَ شَرٌّ مَّكَاناً
وَأضَل عَن سَوَاء السَّبيل﴾(٣)، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قرَدَةً
خَاسئينَ﴾(٤):
أي إنهم ألقوا المفاتيح من أيديهم وخسروا الروح الإنسانية التي بثها الله في أبيهم آدم (عليه
السلام) وحثهم على تحصيلها، ولم تبقَ لهم إلا الروح الحيوانية، فعادوا إلى أصولهم حيوانات
وبهائم لا يكادون يفقهون قولاً.
وعَنْ جَابرٍ عَنْ أَبي جَعْفَرٍ (عَليه السلام) قَالَ: [سَأَلْتُهُ عَنْ علْم الْعَالمْ، فَقَالَ لي: يَا جَابرُ
إنَّ في الأَْنْبيَاء وَالأََْوْصيَاء خَمْسَةَ أرْوَاحٍ: رُوحَ الْقُدُس، وَرُوحَ الإْيمَانَ، وَرُوحَ الحَيَاة، وَرُوحَ الْقُوَّة،
وَرُوحَ الشَّهْوَة، فبرُوحَ الْقُدُس يَا جَابرُ عَرَفُوا مَا تَحْتَ الْعَرْش إلى مَا تَحْتَ الثَّرَى، ثُمَّ قَالَ: يَا
جَابرُ إنَّ هَذه الأْرَْبَعَةَ أرْوَاحٌ يُصيبُهَا الْحَدَثَانُ إلاَّ رُوحَ الْقُدُس فَإنَّهَا لاَ تَلْهُو وَلاَ تَلْعَبُ](٥).
فمن ليس فيه روح الإيمان أو من تسلب منه روح الإيمان تبقى له ثلاثة أرواح أو ثلاثة
جهات للروح، وهذه هي نفس جهات أنفس الحيوانات فلا تكون له ميزة على القردة والخنازير،
والحقيقة إن مسخهم هو عبارة عن عودتهم إلى أصولهم وحقائقهم التي لم يرغبوا الانتقال عنها واختاروا البقاء فيها بإرادتهم، فخاطبهم الله في القرآن ابقوا كما أنتم قردة:
﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قرَدَةً خَاسئينَ﴾.
﴿وَجَعَلَ منْهُمُ الْقرَدَةَ وَالْخَنَازيرَ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقلُونَ إنْ هُمْ إلاَّ كَالأَْنْعَام بَلْ هُمْ أَضَل
سَبيلاً﴾(١).
هذه الآيات يمكنك أن تفهم منها أنّ بعضاً من الذين لهم جسم إنسان يقول الله عنهم
إنهم قردة وخنازير وأنعام بل أضل سبيلاً، وإن أردت تفسيراً لمعنى (أضل سبيلاً) بمصاديق
حيوانية يمكن أن أقول لك مثلاً ديدان بدائية وصراصر وخنافس وعقارب، فهناك إذن تطور
روحي أو نفسي فهذا الكائن الذي له جسم إنسان ممكن أن يرتقي ويتطور روحياً حتى يكون
إنساناً وتكون له روح الإيمان وروح القدس، وممكن أن يتردى حتى تكون له فقط أرواح
حيوانية كالقرد بل وربما في أدنى مستوياتها كالديدان التي ربما لا تتعدى إدراكاتها الفتحات
الموجودة في أجسامها؛ فتحة للطعام، وفتحة للخروج، وفتحة للجنس، وهكذا يمكن أن يكون
الإنسان في بعض الأحيان وللأسف.
الآن هناك ثلاث أرواح هي (روح الحياة والقوة والشهوة)، ومن تتوفر فيه هذه الأرواح
الثلاثة فهو حيوان قادر على التعاطي مع محيطه بذكاء بحسب حال دماغه الجسماني أي
بحسب حجمه وتركيبته ونسبته إلى الجسم المادي للحيوان، ويتساوى في هذا جميع الحيوانات
بما فيها الإنسان، فالقرود مثلاً يمكنها اختيار آلات مناسبة لكسر الثمار الصلبة والقنادس تبني
السدود وببغاء الكيا parrot()Kea يمكنه أن يتصرف بذكاء ملحوظ جداً، كما أنّ هناك حياة
اجتماعية لبعض الحيوانات فتجدها تعطف على بعضها وهناك أنظمة دقيقة جداً في بعض
المجتمعات الحيوانية كما في النحل والنمل.
بالنتيجة أعتقد أنّ مسألة كون جسم الإنسان تطور عن أشباه الإنسان أو لم يتطور،
وهل تطوره هذا يتعارض مع النص الديني أم لا يتعارض مسألة دقيقة وجديرة أن يبحث ويدقق فيها الإنسان بنفسه ليعرف الحقيقة.
الله سبحانه وتعالى بدأ خلق آدم في السماء الأولى (سماء الأنفس)، ولكن لكي يكون آدم
وذريته مؤهّلين للنزول إلى الأرض والاتصال بالأجساد، فلابد من رفع الطينة للسماء الأولى
وخلق نفس آدم (عليه السلام) وبقية الناس منها، فهذا أمر ضروري حيث إن الروح بثت في
هذه الطينة المرفوعة وأصبحت هذه الطينة المرفوعة هي آلة اتصال الروح بالجسد، فالروح
لا يمكن أن تمس الجسد لأنهما في - ومن - عالمين مختلفين وبينهما عوالم، فكان لابد من وجود
آلة لها وجود في كل مراتب التدرج والعوالم بين السماء الجسمانية والسماء الأولى وعندما
يرفع الجسم يكون له هذه المراتب فله أن يتحرك ضمن حدودها.
وهكذا، فالطينة التي رفعت (وهي تمثل كل ما في الأرض) أصبح لها هذا المجال في الحركة
بين عالمي الأجسام والأرواح، أو لنقل: بين عالم الأجسام عند بداية السماء الأولى وصولاً
للتماس بالسماء الثانية، أو لنقل: عالم الأرواح عند بداية السماء الثانية (سماء الروح،
والجنة الملكوتية).
أيضاً: كانت بداية خلق آدم من طين الأرض ومائها لتحمل نفسه التي ستخلق في السماء
الأولى ما في الأرض من قوة وشهوة تؤهله للتكاثر وللعيش في كل بقعة على الأرض وتؤهله ليهيمن
على الأرض، فأخذت الملائكة بأمر من الله سبحانه شيئاً من تراب وماء الأرض ورفع إلى السماء
الأولى وصب منه جسم آدم اللطيف في السماء الأولى ووضع في الجنة الدنيوية، أي في نهاية
السماء الأولى أي في باب السماء الملكوتية (السماء الثانية)، وهي أولى الجنان الملكوتية تمر
عليه الملائكة.
عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: [كانت الملائكة تمر بآدم (عليه السلام) أي بصورته وهو ملقى في الجنة من طين فتقول: لأمر ما خلقت] (١). أي ملقى في الجنة الموجودة
في السماء الأولى، قال الباقر (عليه السلام): [فخلق الله آدم فبقي مصوراً يمر به ابليس اللعين
فيقول: لأمر ما خلقت] (٢).
﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلزَوْجكَ فَلاَ يُخْرجَنَّكُمَا منَ الْجَنَّة فَتَشْقَى﴾:
ثم إنّ الله سبحانه وتعالى لما تهيأت الأرض لاستقبال آدم (عليه السلام) خليفة الله، نفخ
الله روح الإيمان في جسد آدم المثالي الموجود في السماء الأولى، فتكونت النفس الإنسانية الأولى
كما في قوله تعالى: ﴿فَإذَا سَوَّيْتُهُ......﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ وهي في مرتبة عالم
الأنفس أو السماء الأولى.
ثم نفخ في آدم روح القدس كما في قوله تعالى:.....﴿ وَنَفَخْتُ فيه من روحي﴾، وقوله
تعالى:﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي صورناكم على صورة الله كما في التوراة: "٢٦ وقال الله نعمل
الإنسان على صورتنا كشبهنا" (٣)، "٢٧ فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه
ذكرا وانثى خلقهم" (٤)، وفي الرواية: عن محمـد بن مسلم، قـال: [سألت أبا جعفـر محمد بن
علي الباقر (عليه السلام) عما يروون أن الله خلق آدم على صورته، فقال: هي: صورة، محدثة،
مخلوقة واصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة، فأضافها إلى نفسه كما أضاف
الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه ﴿وَنَفَخْتُ فيه منْ رُوحي﴾] (٥).
فأمر الله الملائكة بالسجود له كما في قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجدينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ
قُلْنَا للْمَلآئكَة اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾، فسجد من سجد وتكبر من تكبر فطرد.
﴿فَإذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيه من روحي فَقَعُوا لَهُ سَاجدينَ﴾(٦).
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا للْمَلآئكَة اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إلاَّ إبْليسَ لَمْ يَكُن
مّنَ السَّاجدينَ﴾(١).
ومن ثم إنّ الله سبحانَه وتعالى خلق نفس حواء (عليها السلام) من نفس آدم (عليه
السلام)(٢)، قال تعالى: ﴿يَا أيهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مّن نَّفْسٍ وَاحدٍَة وَخَلَقَ منْهَا
زَوْجَهَا وَبَثَّ منْهُمَا رجَالاً كَثيراً وَنسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذي تَسَاءلُونَ به وَالأرَْحَامَ إنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقيباً﴾(٣) (٤)، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: [إن الله تعالى خلق آدم من الطين
وخلق حواء من آدم] (٥)، ومن ثم أخرج ذريتهما وامتحَنهم جميعاً الامتحان الأول في عالم الذر
(عَالم الأنفس)،َ وكان الاَمتحان بسؤال واحد: ﴿وَإذْ أخَذََ رَبكَ من بَني آدَمَ من ظُهُورهمْ ذُرّيَّتَهُمْ
وَأشْهَدَهُمْ عَلَى أنفُسهمْ ألَسْتُ بَرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىَ شَهدْنَا أن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقيَامَة إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا
غَافلينَ﴾(٦)، والآية واضحة ﴿وَأشْهَدَهُمْ عَلَى أنفُسهمْ﴾ أي إنه كان عالم أنفس، فالمتقدم في
الامتحان والفائز في السباق هو من يرى ويسمع أولاً ويجيب أولاً.
ولما انتهى هذا الامتحان، شاء الله أن يتم ما كان في علمه من انزال آدم (عليه السلام) إلى
الأرض وامتحانه فيها، فحصل امتحان آدَم (عليه السلام) في السماء الأولى (الجنة الدنيوية)
وفشل في الامتحان كما كان مقدّراً له ﴿فَأكَلاَ منْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفقَا يَخْصفَان عَلَيْهمَا
من وَرَق الْجَنَّة وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾(٧). فأنزل إلى الأرض هو وأمنا حواء صلوات الله عليهما
ورزقنا الله شفاعتهما في الدنيا والآخرة.
والنص القرآني واضح أنّ آدم وحواء خلقا وعاشا ابتداءً في الجنة الموجودة في السماء الأولى، وهي جنة دنيوية ولكنها ليست في الأرض بل في السماء الأولى أو عالم الأنفس:
قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ منْهَا رَغَداً حَيْثُ شئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا
هَـذه الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا منَ الْظَّالمينَ﴾(١).
وقال تعالى: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ منْ حَيْثُ شئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذه
الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا منَ الظَّالمينَ﴾(٢).
وقال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إنَّ هَذَا عَدُُوٌّ لَّكَ وَلزَوْجكَ فَلاَ يُخْرجَنَّكُمَا منَ الْجَنَّة فَتَشْقَى* إنَّ
لَكَ أَلاََّ تَجُوعَ فيهَا وَلاَ تَعْرَى* وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأ فيهَا وَلاَ تَضْحَى* فَوَسْوَسَ إلَيْه الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ
هَلْ أدُلكَ عَلَى شَجَرَة الْخُلْد وَمُلٍْك لاَّ يَبْلَى* فَأَكَلاَ منْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفقَا يَخْصفَان
عَلَيْهمَا من وَرَق الْجَنَّة وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾(٣).
فالآيات واضحة: أن آدم (عليه السلام) لم يكن أرضياً، ولم يخلق في الأرض ابتداءً بل في
الجنة في السماء الأولى، وهي غير جنة الخلد ﴿فَلاَ يُخْرجَنَّكُمَا منَ الْجَنَّة فَتَشْقَى﴾، وهذه الجنة
ليست كالأرض التي يمكن أن يجوع فيها الإنسان ويعرى ويعطش ويضحى وتؤذيه الشمس
والظروف الجوية إذا لم يعمل ويجمع الثمار أو يزرع ويصيد أو يربي الحيوانات ويتخذ
احتياطاته لدفع الضرر، إذن هي شيء آخر غير أرضي.
ثم لننظر إلى حال آدم المميز في هذه الآيات، وهل يتناسب مع حال الأرض والأجسام فيها،
فجسم الإنسان الأرضي إذا لم يغطَ جزءاً منه باللباس سيكون مكشوفاً وأكيداً يراه صاحبه
ويراه غيره، ولو كان آدم يلبس لباساً أرضياً فإن هذا اللباس الأرضي لا يصبح معدوماً عندما
يعصي الإنسان الله، فلو كان آدم وحواء في الأرض وكانا عاريين من البداية لانتبها إلى حالهما
منذ البداية وليس عند المعصية، ولو كانا في الأرض ويلبسان ملابس فلا تختفي عنهما بمجرد
المعصية.
إذن، فالأمر ليس أرضياً والقصة ليست أرضية، فالأمر كما يذكره الله في القرآن لا يتناسب
مع حال الأرض ومن فيها أبداً، بينما لو كان آدم وحواء عند المعصية في الجنة الدنيوية في
السماء الأولى فمن الطبيعي أن تبدو لهما سوءاتهما عندما يعصيان وليس قبل ذلك، لأن
اللباس الذي يستر العورة هناك هو لباس التقوى وهو لباس تلبسه النفس كنتيجة طبيعية
لطاعة الله ومخالفة الهوى والشيطان، ولباس التقوى أهم وأفضل من لباس الجسد؛ لأنَ الله
ينظر لنفس وروح الإنسان وما تلبس وليس إلى جسد الإنسان وما يغطيه ﴿يَا بَني آدَمَ قَدْ أنزَلْنَا
عَلَيْكُمْ لبَاساً يُوَاري سَوْءَاتكُمْ وَريشاً وَلبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلكَ خَيْرٌ ذَلكَ منْ آيَات اللّه لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ﴾(١).
وعند المعصية ينزع هذا اللباس وتنكشف عورة الإنسان أمام ربه(٢)، أي أن آدم وحواء
(عليهما السلام) كانا يلبسان لباساً منذ البداية في الجنة، كانا يلبسان لباس التقوى ثم نزع
عنهما؛ فهما لم يكونا عاريين في البداية وانكشف لهما حالهما الأولي، بل الذي انَكشفَ لهما
هو حالهما بعد المعصية ونزع لباس التقوى ﴿يَا بَني آدَمَ لاَ يَفْتنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أخْرجََ أبَوَيْكُم
مّنَ الْجَنَّة يَنزعُ عَنَْهُمَا لبَاسَهُمَا ليُريَهُمَا سَوْءَاتهمَا إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبيلُهُ منْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إنَّا
جَعَلْنَا الشَّيَاطينَ أوْليَاء للَّذينَ لاَ يُؤْمنُونَ﴾(٣).
فالآية واضحة أنّ لباس آدم نزع عنه بسبب معصيته ﴿لاَ يَفْتنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرجََ
أَبَوَيْكُم مّنَ الْجَنَّة يَنزعُ عَنْهُمَا لبَاسَهُمَا ليُريَهُمَا سَوْءَاتهمَا﴾، وهذا اللباس عاد بالاستغفار ﴿فَبَدَتْ
لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفقَا يَخْصفَان عَلَيْهمَا من وَرَق الْجَنَّة﴾.
والآيات واضحة أنّ هبوط آدم (عليه السلام) وحواء من الجنة الدنيوية في السماء الأولى
إلى الأرض لا يْمكن أن يقال إنه هبوط من جنة في هذه الأرض إلى الأرض ﴿قُلْنَا اهْبطُواْ منْهَا
جَميعاً فَإمَّا يَأتيَنَّكُم مّنّي هُدًى فَمَن تَبعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فهو هبوط
من السماء الأولى إلى السماء الجسمانية وإلى الأرض بالخصوص، والإمام الصادق (عليه السلام) بيّن أنّ آدم طلب أن يرجع إلى الجنة التي كان فيها وقد أجابه الله، وهذا يبين بوضوح
أنها جنة سيدخلها بعد انفصال نفسه - بالموت - عن هذا الجسد مرة أخرى ويعود كما كان
سابقاً.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: [لما طاف آدم (عليه السلام) بالبيت مائة عام ما
ينظر إلى حواء، ولقد بكى على الجنة حتى صار على خديه مثل النهرين العجاجين العظيمين من
الدموع، ثم أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: حياك الله وبياك، فلما أن قال:"حياك الله" تبلج
وجهه فرحاً وعلم أن الله قد رضي عنه، ولما قال:"وبياك" ضحك ومعنى بياك أضحكك، قال:
ولقد قام على باب الكعبة وثيابه جلود الإبل والبقر، فقال: اللهم أقلني عثرتي واغفر لي ذنبي
وأعدني إلى الدار التي أخرجتني منها، فقال الله جل ثناؤه: قد أقلتك عثرتك وغفرت لك ذنبك
وسأعيدك إلى الدار التي أخرجتك منها] (١).
هذه قصة خلق آدم (عليه السلام) من الطين المرفوع إلى السماء الأولى ونفخ الروح فيه،
فآدم خلق في الجنة الدنيوية الموجودة في السماء الأولى (٢)، فنحن سماويون وقد خلقت أنفسنا
من الروح المنفوخ في الطين المرفوع لكي يتم امتحاننا في هذه الأرض، وتتمكن الأنفس من
التواصل مع الأجسام الأرضية التي ستكون حيّز امتحانها في هذا العالم الجسماني المادي.
الرفع: هو العودة خطوة أو أكثر باتجاه المبدأ أو المصدر، وهذا يعني لو صورنا الإنسان -
كما بقية الخلق أيضاً - على أنه تجلي اللاهوت في العدم القابل للوجود، فسيكون لدينا مرتبة
معينة كلما ابتعدنا (معرفياً) عن مصدر التجلي، وستكون هذه المرتبة المعينة أقل نوراً وأكثر ظلمة (العدم الذي يتخللها).
ولنفرض أنّ عالم المادة الذي فيه أجسامنا مكوّن من نسبة نور قدرها 𝟏𝟎 ونسبة ظلمة
%
(عدم) قدرها 𝟗𝟎 وأن كل خطوة يتقدمها النور باتجاه الظلمة المطلقة (العدم المطلق -
%
انعدام المعرفة والإدراك) تمثل رقماً واحداً صحيحاً، فيكون الرفع خطوة واحدة لجسم مادي
"كطينة آدم (عليه السلام)" هو عبارة عن نقله إلى العالم الموازي الذي نسبة النور فيه 𝟏𝟏
%
ونسبة الظلمة (العدم) فيه 𝟖𝟗 أي العالم الذي سبقه.
%
والعوالم لابد أن تقسم تقسيماً مثالياً؛ لأن موجدها مطلق فلابد أن تكون أقرب ما يمكن
للمطلق؛ لأنها تمثل الصادر الأول منه (محمد = كل العوالم). وهذا يعني رياضياً (لتقريب
الفهم) أنّ شريحة التقسيم هي أصغر ما يمكن تخيله يعني يمكنك أن تتخيل أنه يوجد رقم
هو أقرب رقم للصفر، ولكن لا يمكنك معرفة هذا الرقم العشري number(lamiced)، فمثلاً
لو قلت إنه (𝟎.𝟎𝟎𝟎𝟏) فإن (𝟎.𝟎𝟎𝟎𝟎𝟏) أصغر منه وهكذا سيستمر الأمر إلى رقم يمكن
الجزم بأنه موجود ومعرفة بعض صفاته ولكن لا يمكن معرفته أبداً، وهذا الرقم لو وضعته
في مقام أي قسمة فسيكون ناتج القسمة هو أقرب ما يكون إلى ما لا نهاية له؛ لأن المقام في
القسمة هو أقرب ما يمكن للصفر، وهذا يعني أننا لو قدر لنا أن نرى شخصاً يُرفع أمام أعيننا
فيمكن أن نراه يختفي تدريجياً أي نرى جسماً ثم شبحاً ثم يختفي، وهو في الحقيقة لم يختف
أبداً بل كل ما هناك انتقل إلى عالم موازٍ لعالمنا وأرقى منه مرتبة باتجاه النور، أو يمكن أن
نقول: إنه عاد باتجاه المبدأ أو المصدر خطوة أو خطوات بحسب حالة الرفع لذلك الجسم
المادي، وفي كل الأحوال فإن مجموع النور والظلمة أو الوجود وعدم الوجود خارج مصدر النور
أو الوجود يساوي صفراً أي لا يوجد شيء على نحو حقيقي خارج المصدر.
مثال: لنتصور مصدراً للضوء، والضوء يتحرك منه باتجاه معين، وكلما تقدم الضوء
خطوة للأمام تكثف بعضه مكوناً غشاءً مادياً ويرشح من هذا الغشاء بعض الضوء، وهكذا
أصبح أمام مصدر الضوء عدداً من الأغشية التي كوّنها الضوء نفسه، ويرشح منها بعض
الضوء، وعدد الأغشية هو أقرب ما يمكن إلى ما لا نهاية له، وبين الأغشية فراغ مليء بجسيمات
مضادة (عدم المادة) يساوي مجموع مادة الأغشية وطاقة الضوء، أي أن مجموع المادة
والطاقة خارج مصدر الضوء يساوي صفراً أي يمكننا أن نقول: إنه لا يوجد شيء على نحو
الحقيقة خارج مصدر الضوء، وسيأتي نقاش بتفصيل أكثر لهذه المسألة.
تبيّن لنا مما تقدم، أنّ الإنسان دينياً يمكن أن يكون قرداً بل وحتى خنزيراً ﴿قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُم
بشَرٍّ مّن ذَلكَ مَثُوبَةً عندَ اللّه مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضبَ عَلَيْه وَجَعَلَ منْهُمُ الْقرَدَةَ وَالْخَنَازيرَ﴾(١).
وتبيّن أنّ خلق آدم بحسب النص الديني لم يبدأ على هذه الأرض.
وتبيّن لنا معنى الرفع، وأنه متوافق مع العلم.
فالآن، وصلنا إلى الكلام في علاقة نظرية التطور بآدم (عليه السلام)، لأننا الآن سنتكلم
عن جسد آدم وحواء الذي ستتصل به أنفسهما التي ستنزل إلى هذه الأرض للامتحان.
ولنضع فروضاً لهذا الجسم المادي الآدمي الأول:
١- أن تظهر نفس آدم وتتجسد في هذه الأرض مباشرة خصوصاً أنه أصلاً خلق من طينة
رفعت منها. وهذا يرفضه علم الأحياء قطعاً على اعتبار أن معطيات التحليلات الجينية الأخيرة
أثبتت أصل الجسم الإنساني ومن أين جاء، هذا إضافة إلى أدلة نظرية التطور نفسها المتراكمة
من تحاليل جينية ومن احفوريات ومن أبحاث نظرية.
٢- أن يُخلق جسمٌ لآدم (عليه السلام) من طين وماء على هذه الأرض وتلجه الروح وتبث
فيه الحياة الإنسانية، وهذا الفرض هو السائد عند أكثر رجال الدين، ولكنه متعارض مع
النص القرآني الواضح الدلالة على أنّ خلق آدم وحواء ابتداءً كان في السماء الأولى في الجنة
الدنيوية وبعدها حصل هبوط لآدم بأمر الله وقد فصلت الأمر فيما سبق. كما أنه فرض
مرفوض قطعاً من الجانب العلمي ومتعارض مع علم الأحياء والتحليلات الجينية لنفس السبب
السابق، ومن يتبنّى إحدى هاتين الاطروحتين عليه أن يسقط العلم والبحث العلمي والحقيقة
من قاموسه ولن تكون أطروحته إلا وهماً يحلو له أن يوهم نفسه به، وإلا فهي أطروحة
تتعارض مع العلم جملة وتفصيلاً، فأجسامنا محددة الأصل الآن وبوسائل علمية دقيقة ولم
تأت أجسامنا في يوم ما من المجهول ليفرض أن جسم آدم جاء هكذا فجأة قبل بضعه آلاف من السنين فقط.
٣- أن تكون البداية هي القانون الذي نظم نشوء الحياة من الخريطة الجينية ويكون
هناك هدف من البذرة أو الخريطة الجينية الأولى، وهذا الهدف هو نحت جسم حيواني خلال
مسيرة طويلة من التطور حتى يصبح مناسباً لتتصل به وتبثَ فيه - وَهو في الرحم - نفس آدم
وكذا الأمر بالنسبة لحواء (عليهما السلام): ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أطْوَاراً * ألَمْ تَرَوْاَ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ
سَبْعَ سَمَاوَاٍت طبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَفيهنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سرَاجاً * وَاللَّهُ أنبَتَكُم مّنَ الأْرَْض
نَبَاتاً﴾(١)، فالآية واضحة في أن هناك أطواراً مررنا بها، وهذه الأطوار كما أنّ السماوات طباقاً
أي بعضها فوق بعض وبعضها أرقى من بعض وبعضها مهيمن على بعض، ثم تنتهي الآية ببيان
خلقنا - نحن البشر - على أنه عبارة عن عملية إنبات (زرع)، وهذه الكلمة واضحة فالأمر إذن
استزراع واستنبات، ولا نحتاج أكثر من أن ننظر إلى نبات الأرض لنرى أنه يبدأ ببذرة ساكنة
فيها خريطة جينية ثم تبدأ البذرة بتنفيذ تلك الخريطة الجينية عندما تتوفر الظروف المناسبة
لها فيتكون نبات صغير الحجم وحتى ربما تكون ورقتيه الأوليتان مختلفتان عن أوراق الشجرة
التي ستتطور عنه.
﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مّنَ الأْرَْض نَبَاتاً﴾: أنبتنا من الأرض وكل ما احتاجه إنباتنا هو خريطة جينية
منتجة لتصل إلى المنتهى الذي يريده الله سبحانه وتعالى.
وهذا الفرض مناسب جداً لادخال آدم (عليه السلام) وحواء (عليها السلام) للامتحان في
هذه الأرض دون أن يكونا مفضّلين بشيء يجعلهما بمثابة معفيين من الامتحان الأرضي دون
غيرهما.
﴿قُلْنَا اهْبطُواْ منْهَا جَميعاً فَإمَّا يَأْتيَنَّكُم مّنّي هُدًى فَمَن تَبعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلاَ هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾: أي إنّ النفس التي خلقت من الطين المرفوع إلى السماء الأولى أهبطت لتتصل بجسم
حيواني معين مهيأ لاستقبالها ويتم امتحانها الأرضي كما أراد الله، وهذا لا يتعارض مع ما يثبته
علماء الأحياء من نظرية التطور وأصل النوع الإنساني بالخصوص، فهو متوافق مع نظرية التطور والارتقاء.
فلا إشكال أن يكون هناك كائن حي ترقى من الطين والماء حتى وصل إلى تركيب جسماني
حيواني له الأرواح الثلاثة الأولى (روح الحياة والقوة والشهوة)، ثم تبث نفس آدم (عليه
السلام) فيه لتحصل نقلة شاملة لهذا الكائن من الحيوانية والبهيمية إلى الإنسانية النبوية
الرسالية وثقافتها وقيمها الأخلاقية الراقية، وهذا يفسر في نفس الوقت القفزة الحضارية
والثقافية التي بدأت في أرض سومر قبل آلاف السنين تفسيراً معقولاً ومقبولاً علمياً.
واستمر الأمر بعد آدم (عليه السلام) في ذريته، فتتجلى في نفوسهم روح الإيمان والقدس،
تماماً كأن نفوسهم هي مرآة تعكس روح الإيمان والقدس فتكون نفوسهم عبارة عن فطرة
إلهية تدعوهم إلى الترقي، فإن استعمل الإنسان هذا المفتاح بصورة صحيحة نجح في الامتحان
وترقى إلى أعلى الدرجات وأصبحت عنده روح الإيمان ثم روح القدس حتى يصبح تجلي اللهَ في
الأرض، وهذا الأمَر يشمل الجميع حتى محمداً (صلى الله عليه وآله) خير الخلق ﴿وَكَذَلكَ أوْحَيْنَا
إلَيْكَ رُوحاً مّنْ أمْرنَا مَا كُنتَ تَدْري مَا الْكتَابُ وَلاَ الإْيمَانُ وَلَكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدي به مَنْ نَّشَاء
منْ عبَادنَا وَإنَّكَ لَتَهْدي إلَى صرَاٍط مسْتَقيٍم﴾(١)، أما إن ألقى الإنسان هذا المفتاح واكتفى
بالأرواح الحيوانية فقد أردى بنفسه وخسر حظه ورجع إلى أصله وحيوانيته وبهيميته ﴿فَقُلْنَا
لَهُمْ كُونُواْ قرَدَةً خَاسئينَ﴾.
إذن، فهذه المرحلة هي مرحلة ثانية متأخرة عن مرحلة خلق آدم (عليه السلام) في السماء
الأولى والتي مثلت خلق آدم الحقيقي، أما هذه المرحلة فهي مرحلة إنزال آدم أو نفس آدم (عليه
السلام) إلى الأرض للامتحان، هي مرحلة اتصال نفس آدم بجسد مادي في هذا العالم
الجسماني ليتم امتحانه وامتحان ذريته من بعده، وهذا حصل بعد نزول نفس آدم (عليه
السلام) إلى هذه الأرض وبقائها في الأرض فترة من الزمن شاءها الله سبحانه وتعالى، فأقامت
نفس آدم (عليه السلام) ونفس حواء (عليها السلام) بعض شعائر الله في هذه الأرض.
ثم شاء الله سبحانه وتعالى أن يوصلهما بجسدين ماديين أرضيين ويغفلهما عن حالهما السابق ليتم الامتحان(١)، فولدا من أشباه الآدميين بعد أن تهيأت أجسام هؤلاء الأقوام
لاستقبال نفس كنفس آدم (عليه السلام)، وأصبحت أيضاً لديهم القدرة على استقبال البلاغ
الإلهي الذي سيصلهم عن طريق آدم (عليه السلام) الذي ولد فيهم وبعث فيهم.
ومن الغريب حقاً أن يقبل بعض الناس أن تكون بداية جسم آدم (عليه السلام) مباشرة
من الطين أو التراب ولا يقبل أن تكون بدايته من كائن حي مع أن الكائن الحي أرقى في الدرجة
الوجودية الحياتية بكثير من الطين الجماد!
رفعت الملائكة طينة من الأرض إلى السماء كما أمرها الله وخلق منها صورة آدم (عليه
السلام) في السماء الأولى ومن ثم نفخت فيها الروح، فخلق آدم (عليه السلام) أو نفس آدم
(عليه السلام) في السماء الأولى "جنة آدم (عليه السلام)" ثم تمت مشيئة الله بأن ينزل آدم
(عليه السلام) إلى الأرض ونزل أو نزلت نفسه إلى الأرض وكذا حواء (عليها السلام)، ومن ثم
بقيت نفسه تحوم في الأرض وتنتقل فيها وأدى أعمالاً كان لابد أن يؤديها؛ منها: لقاؤه بحجر
العهد وحمله، ومنها: استغفار آدم وطوافه حول البيت هو وحواء، وبقي على هذا الحال نفساً
تنتقل وتحوم في الأرض حتى شاء الله أن تتصل بجسد وَوُلدَ هذا الجسد وهو يحمل نفس أول
إنسان على هذه الأرض وكذا حصل مع حواء (عليها السلام).
وهذه رواية تبيّن أنّ آدم لم يكن له في البداية جسم مادي بل كان له جسم لطيف فقط
أو نفس ولكنه بعد أن أنزل الى الأرض اتصل بجسم:
عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: [إن آدم لما أهبط من الجنة وأكل من
الطعام وجد في بطنه ثقلاً، فشكا ذلك إلى جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا آدم فتنح فنحاه
فأحدث وخرج منه الثقل] (١).
ومن ثم شاء الله أن يجتمع آدم وحواء جسمانياً وتتكوّن أول أسرة آدمية ليكوّنا أول قرية
زراعية حيث شاء الله لآدم أن يزرع ويدجن ويربي الحيوانات وبدأت بآدم مسيرة الإنسانية
ومسيرة الزراعة وتربية الحيوان.
عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: [قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عز وجل
حين أهبط آدم (عليه السلام) من الجنة أمره أن يحرث بيده فيأكل من كدها بعد نعيم الجنة،
فجعل يجأر ويبكي على الجنة مائتي سنة، ثم إنه سجد لله سجدة فلم يرفع رأسه ثلاثة أيام
ولياليها] (٢).
وبكاؤه مائتي عام أي عندما نزلت نفسه إلى الأرض بأمر الله ليعيش في الأرض، وقبل أن
توصل نفسه بجسد مادي ويكون عليه أن يزرع ويدجن ويربي حيوانات بالفعل.
عَنْ بُكَيْر بْن أَعْيَنَ، قَالَ: [سَأَلْتُ أَبَا عَبْدَ اللَّه (عليه السلام): لأَيُّ علٍَّة وَضَعَ اللَّهُ الْحَجَرَ في
الركْن الَّذي هُوَ فيه وَلَمْ يُوضَعْ فيَ غَيْره، وَلأيّ علٍَّة تُقَبَّلُ، وَلأَيّ علٍَّة أخْرجَ منَ الْجَنَّة، وَلأَيّ علٍَّة
وُضعَ ميَثَاقُ الْعبَاد وَالْعَهْدُ فيه وَلمْ يُوضَعْ في غَيَْره، وَكََيْفَ السَّبَبُ فْيَ ذََلكَ تُخْبرُني جَعَلَنيََ اللَّهُ
فدَاكَ فإنَّ تَفَكري فيهَ لَعَجَبٌ. قَالَ:ُ فَقَالَ: سَألْتَ وَأعْضَلْتَ في المسْألَة وَاسْتَقْصَيْتَ فْافْهَم
الْجَوَابَ وَفَرّغْ قَلْبَكَ وَأصْغ سَمْعَكَ أخْبرْكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَضَعَ الحَجَرَ
الأْسَْوَدَ وَهيَ جَوَْهَرَةٌ أُخَْرجَتْ منَ الْجَنَّة إلَى آدَمَ (عليه السلام)،َ فَوُضعَتْ فَي ذَلكَْ الركْن لعلَّة
المْيثَاق، وَذَلكَ أنَّهُ لمَاَّ أخَذَ منَْ بَني آدَمَ منْ ظُهُورهمْ ذُرّيَّتَهُمْ حينَ أخَذَ اللَّهُ عَليْهمُ الميثَاقَ في ذَلَكَ
المَْكَان وَفي ذَلكَ المَْكَانَّ تَرَاءَى لهُمْ، وَمنْ ذَلكَ المْكََان يَهْ بطُ الطَّيْرُعَلَى الْقَائْـَم (عليه السلام)، فَأوَّلُ
مَنْ يُبَا يعُهُ ذَلكَ الطائرُ وَهُوَ وَاللَّه جَبْرَئيلُ (عليه السلام)، وَإلَى ذَلكَ المقَام يُسْندُ الْقَائمُ ظََهْرَهُ
وَهُوَ الْحُجَّةُ وَالدَّليلُ عَلَى الْقَائم وَهُوَ الشَّاهدُ لمنَْ وَافَاهُ في ذَلكَ المْكََان وَالشَّاهدُ عَلَى مَنْ أدَّى إلَيْه المْيثَاقَ وَالْعَهْدَ الَّذيْ أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعبَاد. وَأَمَّا الْقُبْلَةُ وَالاسَْتلاَمُ فَلعلَّة الْعَهْد
تَجْْديداً لذَلْكَ الْعَهْد وَالميثَاق، وَتَجْديداً للْبَيْعَة ليُؤَدواَ إلَيْه الْعَهْدَ اُلَّذي أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهمْ في
الميثَاقَ، فَيَأتُوَهُ في كُلّ سَنٍَة وَيُؤَدوا إلَيْه ذَلكَ الْعَهْدَ وَالأْمَانَةَ اللَّذَيْن أخذَا عَلَيْهَمْ، أَلاَ تَرَى أَنَّكَ
تَقُولُ أمَاَنَتي أدَّيْتُهَا وَميثَاْقيَ تَعَاهََدْتُهُ لتَشْهَدَ لي بالمْوَُافَاة؟ وَوَاللَّه مَا يُؤَدّي ذَلكَ أحَدٌ غَْيْرُ شيعَتنَا
وَلاَ حَفظ ذَلكَ الْعَهْدَ وَالميثاَقَ أحَدٌ غَيْرُشيعَتنَا، وَإنَّهُمْ لَيَأْتُوهُ فَيَعْرفُهُمْ وَيُصَدّقُهُمْ، وَيَأتيه غَيْرُهُمْ
فَيُنْكرُهُمْ وَيُكَذّبُهُمْ، وَذَلكَ أنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ ذَلكَ غَيْرُكُمْ، فَلَكُمْ وَاللَّه يَشْهَدُ وَعَلَيْهمْ وَاللَّه يَشْهَدُ
بالْخَفْروَالْجُحُود وَالْكُفْر، وَهُوَ الْحُجَّةُ الْبَالغَةُ منَ اللَّه عَلَيْهمْ يَوْمَ الْقيَامَة يَجيءُ وَلَهُ لْسَانٌ نَاطقٌ
وَعَيْنَان فيْ صُورَتهْ الأُْولَى يََعْرفُهُ الْخَلْقُ وَلاَ يُنْكرُهُ، يَشْهَدُ لمنَْ وََافَاهُ وَجَدَّدَ الْعَهْدَ وَالميثَاقَ عنْدَهُ
بحفْظ العَهْد وَالميثَاق وَأدَاء الأْمََانَة، وَيَشْهَدُ عَلَى كُلّ مَنْ أنْكَرَ وَجَحَدَ وَنَسيَ المْيثَاقَ بالْكُفْر
وَالإْنْكَار.
فَأَمَّا علَّةُ مَا أَخْرَجَهُ اللَّهُ منَ الْجَنَّة فَهَلْ تَدْري مَا كَانَ الْحَجَرُ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: كَانَ مََلَكاً منْ
عُظَمَاء المْلاََئكَة عنْدَ اللَّه، فَلَمَّا أَخَذَ اللَّهُ منَََ المْلاََئكَةْ المْيثَاقََ كَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ به وَأقَرَّ ذَلكََ
المَْلَكُ، فَاتَّخَذَهُ اللَّهُ أَميناً عَلَى جَميْع خَلْقه فألْقَمَهُ الميثََاقَ وَأوْدَعَهُ عنْدَهُ وَاسْتَعْبَدَ الْخَلْقَ أنْ
يُجَدّدُوا عنْدَهُ في كُلّ سَنٍَة الإْقْرَارَ بالميثَاق وَالْعَهْد الَّذي أخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهمْ، ثُمَّ جَُعَلَهُ اللَّهُ
مَعَ آدَمََ في الْجَنَّة يُذَكّرُهُ المْيثَاقَ وَيُجَدّدُ عنْدَهُ الإْقْرَارَ في كُلّ سَنٍَة، فَلَمَّا عَصَى آدَمُ وَأخْرجَ منَ
الْجَنَّة أنْسَاهُ اللَّهُ الْعَهْدَ وَالمْيثَاقَ الَّذي أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْه وَعَلَى وُلْده لمُحَمٍَّد (صلى الله عليه وآله)
وَلوَصيّه (عليه السلام) وَجَعَلَهُ تَائهاً حَيْرَانَ، فَلَمَّا تَابَ اللَّهَُ عَلَى آدَمَ حَوَّلَ ذَلكَ المْلََكَ في صُورَة
دُرٍَّة بَيْضَاءَ فَرَمَاَهُ مَنَ الْجََنَّة إلَى آدَمَ (َعليه السلام) وَهُوَ بأرْض الْهنْد، فَلَمَّا نََظَرَ إلَيْه آنَسَ إلَيْه
وَهُوَ لاََ يَعْرفُهُ بأكْثرَ منَْ أنَّهُ جَوْهَرَةٌ وَأنْطََقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ لَهُ: يَا آدَمُ، أ تَعْرفُني؟ قَالَ: لاَ،
قَالَ: أجَلْ اسْتَحْوَذَ عَليَْكَ الشَّيْطَانُ فَأنْسَاكَ ذكْرَ رَبّكَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى صُورَته الَّتي كَانَ مَعَ آدَمَ
في الْجَنَّة، فَقَالَ لآدَمَ: أيْنَ الْعَهْدُ وَالمْيثَاقُ؟ فَوَثَبَ إلَيْه آدَمُ وَذَكَرَ المْيثَاقَ وَبَكَى وَخَضَعَ لَهُ وَقَبَّلَهُ
وَجَدَّدَ الإْقْرَارَ بالْعَهْد وَالمْيثَاق، ثُمَّ حَوَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَى جَوْهَرَة الْحَجَر دُرَّةًَ بَيْضَاءَ صَافيَةً
تُضيءُ فَحَمَلَهُ آدَمُ (عليه السلام) عَلَى عَاتقه إجْلاَلاًْ لَهُ وَتَعْظيماً، فَكَانَ إذَا أعْيَا حَمَلَهُ عَنْهُ
جَبْرَئيلُ (عليه السلام) حَتَّى وَافَى به مَكَّةَ، فَمَا زَالَ يَأنَسُ به بمَكَّةَ وَيُجَدّدُ الإْقْرَارَ لَهُ كُلَّ يَوٍْم
وَلَيْلٍَة.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجََلَّ لمَاَّ بَنَى الْكَعْبَةَ وَضَعَ الْحَجَرَ في ذَلكََ اْلمْكََانْ؛ََ لأَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حينَ أَخَذَ
المْيثَاقَ منْ وُلْد آدَمَ أخَذَهُ في ذَلكَ المْكََان وَفي ذَلكَ المَْكَان ألقَمَ الملكَ المْيثَاقَ، وَلذَلكَ وَضَعَ في ذَلكَ الركْن وَنَحَّى آدَمَ منْ مَكََان الْبَيْت إلَى الصَّفَا وَحَوَّاءَ إلَى المْرَْوَة، وَوَضَعَ الْحَجَرَ في ذَلكَ الركْن
فَلَمَّا نَظَرَآدَمُ منَ الصَّفَا وَقدْ وُضعَ الْحَْجَرُفي الركْن كَبَّرَ اللَّهَ وَهَلَّلَهُ وَمََجَّدَهُ، فَْلذَلكَ جَرَت السنَّةُ
بالتَّكْبير وَاسْتقْبَال الركْن الَّذي فيه الحََجَرُ مْنَ الصَّفَا، فَإنَّ اللَّهَ أوْدَعَهُ الميثَاقَ وَالْعَهْدَ دُونَ
غَيْره منَ المْلاََئكَة؛ لأنََّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لمَاَّ أخَذَ الميثَاقَ لَهُ بالربُوبيَّة وَلمُحََمٍََّد (صلىَ الله عليه وآله)
بالنبُوَّة وَلعَليٍّ (عليه السلاَم) بالْوَصيَّة اصْطَكَّتْ فَرَائصُ المْلاََئكَة، فأوَّلُ مَنْ أسْرَعَ إلَى الإْقْرَار
ذَلكَ المَْلَكُ لَمْ يَكَُنْ فيهمْْ أشَد حُبّاً لمحَُمٍَّد وَآل مُحَمٍَّد (صلى الله عليه وآله) منْهُ، وَلذَلكَ اخْتَارَهُ
اللَّهُ منَْ بَيْنهمْ وَألْقَمَهُ الميثَاقَ وَهُوَ يَجيءُ يَوْمَ الْقيَامَة وَلَهُ لسَانٌ نَاطقٌ وَعَيْنٌ نَاظرَةٌ يَشْهَدُ لكُلّ
مَنْ وَافاهُ إلَى ذَلكَ المْكََان وَحَفظَ المْيثَاقَ] (١).
)٢(
نظرية التطور هي نظرية علمية وعليها أدلة علمية كثيرة جداً ومنها أدلة جينية لا يمكن
لعاقل يفهم ما يقال في هذه الأدلة أن يردها، ولهذا فنظرية التطور لم يعد هناك مجال للجدال
في صحتها وكونها حقيقة لا جدال فيها إلا لجاهل لا يدرك ما يقال - وما أكثرهم للأسف -
وأعتقد أن دوكنز - كما صرح هو (٣)- وأي عالم أحياء تطوري ملحد يفرح بإصرار بعض رجال
الدين على قول إنّ نظرية التطور تتعارض مع الدين؛ لأنهم كعلماء أحياء تطورية - فعلاً -
قادرون على إثبات صحة نظرية التطور وبما لا يقبل الشك وهذا يعني - بالنسبة لمن يقولون
بالتعارض بين الدين والتطور - أنّ الدين ينطوي على خلل كبير؛ لأن رجال الدين قد اعترفوا
وأصروا على أنه يتعارض مع نظرية مثبتة بأدلة علمية صحيحة.
والحقيقة إنه لا يمكن بحال أن يأتي شخص بنص ديني غير ثابت أو متشابه ويدعي تعارضه مع نظرية التطور ويجعله دليلاً على إبطالها، فهذا هو السفه بعينه، فمن يريد إبطالها علمياً
فعليه أن يأتي بأدلة علمية تنقضها. إضافة إلى أن عليه رد الأدلة الكثيرة المطروحة والتي تثبت
نظرية التطور، أما إن أراد شخص إثبات تعارض نظرية التطور مع النص الديني فعليه أن
يأتي بنص ديني ثابت وغير قابل للتأويل يتعارض مع نظرية التطور، إضافة إلى أن عليه أولاً
إثبات بطلان نظرية التطور علمياً وطرح نظرية علمية بديلة تؤيدها الأدلة العلمية، وهذا ما لا
يمكن إثباته بحال؛ لأن التطور بحد ذاته حقيقة علمية ثابتة ومنكرها جاهل معاند فقط،
ولعل سبب هذا العناد من بعضهم - إضافة إلى الجهل - هو دخول عقيدتي الإلحاد والإيمان
في هذه المسألة العلمية فيتصور الملحد أن إثبات التطور يثبت عقيدته في حين يتصور المؤمن
أن إثبات التطور يبطل عقيدته!
وهذه التصورات غير صحيحة تماماً، فقد أثبتنا وسنثبت أن التطور يثبت الإيمان ويثبت
وجود إله. الحقيقة إنه يجب التخلي من عقدة الملازمة بين الإلحاد ونظرية التطور؛ لأن هذه
الملازمة موهومة وغير صحيحة، فحتى لو صحت كل جزئية في نظرية النشوء والارتقاء فإنها لا
تتعارض مع النص الديني، فلو أنّ الأحماض الأمينية تكونت بضمن قوانين الطبيعة السارية
في فترة معينة من حياة الأرض ومن ثم تجمعت مع بعضها بالصورة المناسبة وشكّلت ناسخات
أو خريطة جينية وخطت الخطوات المناسبة حتى تكونت الخلية الأولى القادرة على نسخ نفسها
ومن ثم حصلت عمليات تطور جينية وطفرات جينية وانتخاب خلال مليارات السنين حتى
وصل حال الأرض إلى وجود الكائن ذو الجسم الإنساني، فإن هذا لا يعطي تفسيراً لوجود
الإنسان متعارضاً مع النص الديني بحيث لا يمكن التوفيق بين النص الديني وعلم الأحياء وما
يطرحه حول أصل نشوء الحياة وتطورها على الأرض كما تبين فيما تقدم؛ حيث إن المخلوق
من الطين المرفوع - في النص الديني - هو نفس آدم (عليه السلام) في السماء الأولى فلا إشكال
أن يكون جسم معين تطور تدريجياً في هذه الأرض ثم اتصلت به النفس.
أما كون الخلية نشأت من مواد غير حية فهذا أيضاً لا يتعارض مع النص الديني، فهو
ليس خلقاً من العدم بل هو عملية تخليق من مواد وقوى وطاقات أوجدتها سلسلة أسباب
تنتهي إلى السبب الأصيل وهو الله سبحانه، وهذا سيتبين عند مناقشة نظرية الانفجار العظيم.
إضافة إلى أنّ الخريطة الجينية مُقَنَّنَة (مُنَظَّمَة)، وبالتالي فهي دالة على مُقَنّن (مُنَظّم)،
وبالتالي فالنشوء ليس فقط لا يتعارض مع النص الديني بل النشوء كما بينت دال على وجود الإله وسأبينه إن شاء الله بتفصيل أكثر.
فالنتيجة إذن: النص الديني بحد ذاته غير متعارض مع نظرية النشوء والارتقاء (التطور)،
وبهذا لا يصلح نقض الدين بحجة أن الإله والدين يعطي تفسيراً لوجود الإنسان على هذه
الأرض متعارضاً مع علم الأحياء وما ثبت بحسب التاريخ الاحفوري والتحاليل الجينية وتحليل
المتحجرات، فقد تبيّن أنّ هذا التعارض غير موجود أصلاً. نعم، يمكن أن يقال: إنّ العلم
متعارض مع فهم بعض المتصدين للافتاء ممن يسمون بالفقهاء من المسلمين السنة والشيعة
والمسيحيين واليهود للنص الديني، وهذا الإشكال يوجه لهؤلاء ولا يوجه للدين الإلهي عموماً أو
للنص الديني الإلهي الثابت، فهم يتحملون عاقبة آرائهم ولا يصح أن يُحمّل الشاكون أو
الملحدون الدين الإلهي أو النص الديني نتيجة آراء هؤلاء، فهذه كذبة كبيرة وخدعة يخدع
الملحدون أو من يشكون بوجود إله أنفسهم بها وبأنّ الدين الإلهي والنص الديني يساوي آراء
هؤلاء، وإذا كان الملحدون يريدون أن يعيشوا مع هذه الكذبة ويخدعوا أنفسهم بانتصار وهمي
للإلحاد على الدين فهذا شأنهم ولكني أعتقد أنهم بهذا لن يكونوا أحسن حظاً من رجل الدين
المخادع الذي ينتقدونه.
والنصوص الدينية ليست فقط لا تتعارض مع علم الأحياء والعلوم الحديثة، بل إنّ الحياة
الأرضية المدركة التي عرف بعضها عن طريق الاحفوريات الآن أي أشباه الإنسان مثل بعض
أنواع الهومو إركتس وبعض أنواع الهوموسابينس ومثل إنسان النياندرتال قد بينتها النصوص
الدينية، وأنه وجد قبل الإنسان أشباه البشر وبعضهم كائنات مدركة وعاقلة بحدود أقل من
الإنسان.
عن محمد بن علي الباقر صلوات الله عليه: [لقد خلق الله عز وجل في الأرض منذ خلقها
سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الارض فأسكنهم فيها واحداً بعد واحد مع
عالمه، ثم خلق الله عزوجل أبا هذا البشر وخلق ذريته منه] (١). تشير هذه الرواية وغيرها إلى
أنّ هناك تطوراً في الحياة المدركة العاقلة على هذه الأرض، ففي هذه الرواية هناك سبعة
أجيال عاقلة، مدركة، ونفوسهم مختلفة عن نفس آدم وليسوا من ولد آدم، وقد سبقوا آدم (عليه السلام) على هذه الأرض.
وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن علي
أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: [إن الله تبارك وتعالى أراد أن يخلق خلقاً بيده وذلك بعد ما
مضى من الجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة وكان من شأنه خلق آدم..... إني أريد أن
أخلق خلقاً بيدي وأجعل من ذريته أنبياء ومرسلين وعباداً صالحين أئمة مهتدين وأجعلهم
خلفاء على خلقي في أرضي ينهونهم عن معصيتي وينذرونهم من عذابي ويهدونهم إلى طاعتي
ويسلكون بهم طريق سبيلي وأجعلهم لي حجة عليهم وأبيد النسناس من أرضي وأطهرها منهم]
(١). والرواية واضحة أنّ قبل آدم (عليه السلام) كان هناك أشباه الناس موجودين على الأرض،
أما (سبعة آلاف سنة) فواضحة أنها ليست بوحدات قياسنا التي نعرفها الآن ويمكننا تصور
وحدات قياس أخرى للزمن لا نعرفها؛ لأنها في أبعاد أخرى خارج هذا الكون الذي نعيش فيه.
﴿ إنَّ مَثَلَ عيسَى عندَ اللّه كَمَثَل آدَمَ خَلَقَهُ من تُرَابٍ ثمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾(٢):
يتوهم بعضهم أن هذا النص كاٍف لنفي التطور لأنه يتعارض معه، لأنهم يفهمون النص
بهذه الصورة: [إن الآية في مورد الرد على من قالوا: (إن عيسى خلق من غير أب فهو إله)،
فمعنى الآية يكون أن آدم أيضاً خلق من غير أب أي من تراب. قال له الله كن فيكون فخلقه
مباشرة من التراب، وهذا المعنى للآية يتعارض مع نظرية التطور؛ لأن ما يستفاد من نظرية التطور أن آدم خلق من أم وأب في حين أن معنى الآية أن آدم خلق من غير أب] انتهى.
المراد بالمماثلة أكيد ليس المطابقة، فحال آدم يختلف عن حال عيسى، فآدم لم يخلق من
أم فقط كعيسى (عليه السلام)، إذن التماثل إجمالي وهذا يعني أن المراد بالآية أن خلق عيسى
فيه تدخل إلهي كما أن آدم في خلقه تدخل إلهي، وفي هذه الحالة فحتى لو تنازلنا عن أي فهم
آخر للآية وقلنا إنها تريد نفي ألوهية عيسى؛ لأنه ولد من أم فقط بضرب خلق آدم من تراب
ومن غير أم وأب كمثل، فيكفي أن يكون المقصود خلق آدم من تراب في السماء الأولى وهو
الخلق الأصلي والحقيقي لآدم (عليه السلام) بل والسابق على نزوله إلى الأرض، قال الإمام
جعفر الصادق (عليه السلام): [كانت الملائكة تمر بآدم (عليه السلام) أي بصورته وهو ملقى
في الجنة من طين فتقول لأمر ما خلقت] (١)، والله لم يُسمّ حادثة نزول آدم للآرض خلقاً بل
هبوطاً وهي حصلت بعد خْلق آدم من الطين المرفوع إلى السماء الأولى ونفخ الروح فيه ﴿قُلْنَا
اهْبطُواْ منْهَا جَميعاً فَإمَّا يَأتيَنَّكُم مّنّي هُدًى فَمَن تَبعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾،
وبحسب هذا الفهم فلا تعارض بين النص القرآني المتقدم وبين نظرية التطور حيث يكون
الجسم الذي اتصلت به نفس آدم (عليه السلام) عند هبوطها للأرض جاء من أبوين
بيولوجيين، وهذا يكفي لنقض الاستدلال بأن النص القرآني يتعارض مع نظرية التطور، فأقل
ما يمكن أن يقال: إنه نص متشابه من هذه الجهة فكيف يصح الاستدلال به لإثبات تعارض
النص الديني مع أمر علمي عليه أدلة علمية كثيرة جداً ومتراكمة إلى حد الاتخام وأصبح يدرس
في جامعات العالم على أنه التفسير الوحيد لوجود الحياة المادية وتطورها على الأرض.
بل حتى لو قلنا: إنّ المراد بالآية خلق جسم آدم من التراب في هذه الأرض فأيضاً النص لا
يتعارض مع نظرية دارون؛ لأن الخلية الأولى التي تطورت إنما خلقت من الماء والعناصر الأخرى
المتوفرة في التراب (الأرض)، فبالنتيجة جسم آدم (عليه السلام) خلق من تراب بحسب أصله،
بمعنى أن خلية خلقت من الماء والعناصر الأرضية وترقت حتى كونت جسم آدم (عليه السلام)
المادي فيصدق على آدم أنه أول إنسان خلق من تراب وليس من أب وأم آدميين؛ لأن أبويه
ليسا من نوعه النفسي والروحي الإنساني. وبهذا تحقق معنى أنّ ولادة عيسى (عليه السلام)
من أم فقط تماثل خلق آدم - الإنسان الأرضي الأول - من التراب ومن غير أم وأب دون وجه تعارض مع التطور.
وللتوضيح أكثر نقول: إنّ النص الديني يسع القولين معاً أي إنّ آدم خلق من أم وأب،
وأيضاً إنّ آدم خلق من تراب ولم يخلق من أم وأب؛ باعتبار أنّ خلقه الأول كان من تراب وفي
السماء الأولى ولم يكن مولوداً من أم وأب. إضافة إلى أنه حتى جسمه الأرضي يمكن القول إنه
لم يولد من أم وأب؛ لأنه ولد من أبوين ليسا من نوعه (النفسي)، وأيضاً يمكن أن نقول: إنه
ولد من أنثى وذكر أو أم وأب باعتبار أن جسمه البيولوجي جاء من هذا الطريق.
بل حتى يمكن القول بأنّ المماثلة بين آدم وعيسى هو كونهما ولدا من أم كما يولد بقية
البشر وبالطريق نفسه ولكنهما يختلفان عن بقية البشر من جهة أخرى، فعيسى ولد من أم
فقط وبدون أب وآدم ولد من أم وكان له أب ولكنهما ليسا من نوعه النفسي والروحي الإنساني.
آدم نبي بحسب النص الديني، فلو كان الجسم البايلوجي الذي اتصلت به نفس آدم (عليه
السلام) بين جماعة دون مستواه في الرقي النفسي، فكيف عاش معهم؟ وكيف كان يتصرف
معهم؟ وأين ذهب هؤلاء الجماعة؟
الجواب:
يجب معرفة أنّ الجسم لتتصل به نفس آدم لابد أن يكون مستعداً لاستقبالها، وبالتالي
فلابد أن يكون الدماغ مناسباً كماً وكيفاً، فحجم الدماغ لابد أن يكون كاٍف للتفكير والادراك
والتعقل بالصورة المناسبة أي بمعدل حجم (١٤٠٠ مل) تقريباً كأدمغتنا، وكذا الأمر بالنسبة
للكيف فلابد أن يكون هذا الحجم قد تطورت خلاياه وتركيبته وقشرته بصورة مناسبة أيضاً.
فلو كان الأمر كذلك بالنسبة للمجموعة التي ولد فيهم آدم (عليه السلام)، إذن فهي قطعاً
جماعة مفكرة ولديها قدرة على الادراك وحتى للتفاهم فيما بينهم، وبالتالي فيمكن أن يكون
آدم (عليه السلام) كنبي بعث في قوم من خلق الله بعد أن أصبحت لديهم الأهلية على معرفة
الله بالمستوى الرسالي الذي بعث فيه آدم، فنزلت نفس آدم (عليه السلام) واتصلت بجسد ودعاهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى. ثم إن آدم وزوجته ومن آمن معهم اعتزلوهم كما فعل
إبراهيم (عليه السلام) عندما اعتزل وزوجته عن قومه وهجرهم بعد أن دعاهم إلى الله وأنكروا
عليه، ومن ثم شاء الله أن يغلب آدم (عليه السلام) وذريته ومن نصروه على هذه الجماعة
وتنقرض هذه الجماعة ولو بعد فترة من الزمن - في زمن نوح (عليه السلام) مثلاً - بعد أن
حققت هذه الجماعة حماية نوعية لآدم (عليه السلام) وذريته فترة من الزمن، والقرآن يقول:
إن الله اصطفى آدم (عليه السلام) أي اصطفاه من مجموعة ﴿إنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً
وَآلَ إبْرَاهيمَ وَآلَ عمْرَانَ عَلَى الْعَالمَينَ﴾(١)، والروايات دلت على أنّ هناك نبياً بعث في قوم لم
يعرفوا بعض الأمور الروحية قبله ولم يعرفوا طريق شهادة الله لخليفته في أرضه وهو طريق
الرؤيا المذكور في القرآن، والأصح انطباق هذا الأمر على قوم سبقوا بعث الأنبياء من ولد آدم،
وهؤلاء لا يمكن أن يكونوا إلا قوماً بعث فيهم أول الأنبياء من جنسنا الإنساني وهو آدم (عليه
السلام):
عَن الْحَسَن بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبي الْحَسَن (عليه السلام)، قَالَ: [إنَّ الأْحَْلاَمَ لَمْ تَكُنْ
فيمَا مَضَىَ في أَوَّل الْخَلْق وَإنَّمَا حَدَثَتْ فَقُلْتُ: وَمَا الْعلَّةُ فيُ ذَلكَ؟فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ ذكْرُهُ بَعَثَ
رََسُولاً إلَى أهْل زَمَانه فََدَعَاهُمْ إلَى عبَادََة اللَّه وَطََاعَته، فَقَالَوا: إنْ فَعَلْنَا ذَلكَ فَمَا لَنَا فَوَ اللَّه مَا
أَنْتَ بأَكْثَرنَا مَالاً وَلاَ بأعَزّنَا عَشيرَةً، فقَالَ: إنْ أطََعْتُمُوني أدْخَلَكُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَإنْ عَصَيْتُمُوني
أدْخَلَكُمُ اللَّهُ النَّارَ، فَقَالُوا: وََمَا الَْجَنَّةُ وَالنَّارُ؟ فوَصَفَ لَهُمْ ذَلكَ، فَقَالُوا: مَتَى نَصيرُ إلَى ذَلكَ؟
فَقََالَ: إذَا متمْ، فَقَالُوا: لَقَدْ رَأيَْنَا أمْوَاتََنَا صَاَرُوا عظَاماً وَرَُفَاتاً فَاَزْدَادُوا لَهُ تَكْذيباً وَبه اسْتخْفَافاً
فَأحْدَثَ الَلَّهُ عَزََّ وَجَلَّ فيهمُ الأْحْلاَمَ فَأتَوْهُ فَأخْبَرُوهُ بَمَا رَأوْا وَمَا أنْكَرُوا منْ ذَلكَ، فََقَالَ: إنَّ اللَّهَ
عَزَّ وَجَلَّ أرَادَ أنْ يَحْتَجَّ عَلَيْكُمْ بهَذَا هَكَذَا تَكُونُ أرْوَاحُكُمْ إذَا متمْ وَإنْ بُليَتْ أبْدَانُكُمْ تَصيرُ
الأْرَْوَاحُ إلَى عقَابٍ حَتَّى تُبْعَثَ الأَْبْدَانُ] (٢).
واضح من الرواية أنّ القوم المذكورين لا يعرفون شيئاً عن الاتصال الروحي بالسماء ولو
كانت لديهم ديانة وعبادة فهي بمستوى دون المستوى الآدمي الذي نعرفه بينما آدم نبي وذريته
يعرفون هذه الأمور ويتوارثونها بينهم، فمن المستحيل أن لا يعرف قوم من بني آدم بالرؤيا ولو
حتى اجمالاً ولا يعرفون بالجنة والنار ولو إجمالاً،وأن هناك من دعا لها وهو آدم والأوصياء، وهذا يجعل الأمر منحصراً بآدم وأن القوم الذين دعاهم هم قوم لأول مرة يدعون لعبادة الله
سبحانه بحسب المنهج الديني الآدمي.
عن أمير المؤمنين (عليه السلام): [إن الله تبارك وتعالى قال: ﴿إنّي جاعلٌ في الأْرَْض خَليفَةً﴾
يكون حجة لي في الأرض على خلقي......... وأبيد النسناس من أرضي وأطهرها منهم].
...........﴿ وَأَنزَلَ لَكُم مّنْ الأَْنْعَام ثَمَانيَةَ أَزْوَاجٍ........﴾(١).
المقصود: أنزل صورتها المثالية إلى هذا العالم الجسماني، وهذا النص يعني دينياً أنّ
عملية التطور محكومة ابتداءً بقانون الخريطة الجينية وطفرها القانوني في بعض الأحيان،
فالتطور بحسب النص المتقدم محكوم مسيرة وارتقاءً وأهدافاً بقوانين منتجة للصور التي
يريدها الله سبحانه وتعالى؛ واضع هذه القوانين.
وما ورد في بعض الروايات من أنّ الكلب خلق من بزاق إبليس والطين يجري نفس المجرى
المتقدم، فهذا الأمر لا يتعارض مع نظرية التطور؛ لأن المقصود هو ليس خلق جسم الكلب
المادي إنما بحسب النص الديني فإنّ المقصود هو نفس الكلب أي صورته المثالية، وقد بيّنت
هذا الأمر في (المتشابهات) وأنّ الطين أخذ من سرّة جسد آدم الطيني المرفوع قبل بث الروح
فيه وخلق النفس منه، وبيّنت العلة من هذا وأنه تسبّب إلى أن يكون الكلب وهو من الضواري
حيوان يتآلف مع البشر بعد أن نزل آدم (عليه السلام) إلى الأرض.
وعموماً هذا أمر غيبي، لا يمكن الاستدلال عليه من عالم المادة، فتصديقه تابع للإيمان
أولاً، فمن يطلب الدليل يطلبه على أحقية الإيمان، ومع هذا فهناك أمر علمي فيه إشارة إلى
ما بيّنت وهو ينفع كقرينة وإشارة ربما ينتفع بها المؤمنون أكثر من غيرهم، وهذه المسألة العلمية
الموافقة لما قدمت هي أنه علمياً يعد الكلب أقدم حيوان تقريباً استأنس الحياة مع الإنسان ولم يقم الإنسان بتدجين الكلب كما حصل مع بقية الحيوانات الداجنة، بل إنّ الكلب هو من
دجّن نفسه أي إنه هو من مال إلى التقرب من الإنسان ومن ثم تطور جيلاً بعد جيل ليصل
إلى حيوان أليف طائع للإنسان تماماً، وملخص نظرية استئناس الكلب أنها تقول: إنّ البداية
كانت بانفصال جماعة من الذئاب والتحاقها بمخلفات الإنسان المحيطة بالتجمعات السكانية
البدائية قبل آلاف السنين حيث إنّ تلك المخلفات تحتوي مواداً تصلح كغذاء لتلك الذئاب،
ومن الطبيعي فإنّ الذئب الذي يملك صفة تودد ويقترب من الإنسان أكثر يحصل على غذاء
أكثر من الذئب الذي يخاف وغذاء أكثر يعني قدرة أكبر على البقاء ونقل الجينات إلى الأجيال
اللاحقة، وهكذا رسخ الانتخاب الطبيعي عبر الأجيال صفات التودد والتقرب من الإنسان لدى
تلك الحيوانات حتى أصبحت أليفة وهي ما نسميها اليوم بالكلاب وفي هذا الحدث إشارة إلى
تلك الحقيقة الغيبية.
“Behavioral biologist Raymond Coppinger and Lorna Coppinger have taken
Morey’s model of dog’s self-domestication a step further, they envision the
following scenario for dog domestication.
First agriculture created human settlement, a way of living that contrasted with
nomadic hunter gatherer life style.
In every human village, there will be discarded products such as bones,
carcasses, grains, fruits as well as human waste.
the coppingers argue that this human dump site became the first niche for some
wolves. these wolves would frequent the garbage dump to gain access to the new
food source.
those wolves that were less frightened by human tended to be more successful
in making living this way because they would waste less energy evading humans
when they saw them approach. such wolves by definition were more tam, thereby
leading to the early association of wolves and human, which ultimately led to the
domestication of dogs”
«نقل البروفيسور رايموند كوبينغر وزوجته لورنا كوبينغر (وهم علماء بايولوجيا
سلوكية) نموذج الدكتور موري لتدجين الكلب الذاتي الى مرحلة بحث متقدمة، فإنهما تصورا السيناريو التالي لتدجين الكلب:
الزراعة خلقت مستوطنات للانسان، وهي وسيلة تختلف عن نمط الحياة البدوي
للانسان الصياد، وبالتالي ففي كل قرية يسكنها الانسان، سيكون هناك مخلفات مثل
العظام، جثث، الحبوب، الفواكه، فضلا عن المخلفات البشرية.
ويرى كوبينجر(١) أن هذا الموقع أصبح مكانا خاصا لبعض الذئاب والتي بدأت تتردد
على مكان تفريغ القمامة للوصول إلى مصدر الغذاء الجديد.
وفي مصدر الغذاء الجديد هذا فإنتلك الذئاب التي كانت أقل خوفا من الإنسان كانت
أكثر نجاحا للمعيشة بهذه الطريقة لأنها تضيع كميات أقل من الطاقة لتهرب من البشر
عندما يرونهموكانت مثل هذه الذئاب أكثر استئناسا مع البشر، مما ادى إلى رابطة في
وقت مبكر بين الذئاب والبشر والتي أدت في نهاية المطاف إلى تدجين الكلاب»(٢).
وقوله تعالى: ﴿يَا بَني آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لبَاساً يُوَاري سَوْءَاتكُمْ وَريشاً.....﴾(٣).
أيضاً معنى إنزال اللباس هو انزال مادته وهي إما النبات أو الحيوان أو بعض المواد
الكيميائية، وهذه ما كانت لتوجد على الأرض أو في هذا العالم الجسماني لولا نزول صورتها
المثالية فتشكلت في هذا العالم بهذه الصورة، وأيضاً إنزال القدرة والعلم التي مكنت الإنسان
من الصناعة وتطويرها حتى وصل إلى صناعة الأقمشة (الألبسة) الخاصة (٤) بتقنيات
النانوتكنولجي.
تنبيه: الكتاب المقدس أو العهدان القديم والجديد أو القصص التوراتية بالخصوص
تتعارض مع نظرية التطور ومن موارد تعارضها مسألة خلق حواء من ضلع آدم التي سيأتي الكلام فيها:
«فأوقع الرب الإله سباتاً على ادم فنام. فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً.
وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من ادم امرأة وأحضرها الى ادم»(١).
ولكن بالنسبة لنا نعتقد أنّ التوراة تعرّضت للتحريف، ولهذا فتعارض نص توراتي مع
نظرية التطور لا يعني بحال بطلان الدين الإلهي.
هوية زوجات أبناء آدم (عليه السلام) مسألة تخبط فيها مدّعو تمثيل الدين وأكثرهم على
قول: إنّ الاخوة تزوجوا الأخوات فضلاً عن قولهم: إنّ حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا موجود
في الديانة اليهودية والمسيحية وانتقل إلى المذهب السني، وهكذا قد جعلوا البشرية نتاج زواج
آدم لجزء من جسمه في الخطوة الأولى ونتاج زنا محارم بين الاخوة والأخوات في الخطوة الثانية،
وهذا الأمر يشكل به الملحدون القائلون بالتطور على مدعي الإيمان القائلين بالخلق المباشر؛
حيث إن المعروف علمياً أن القردة العليا تتجنب زنا المحارم فكيف يخلق الله إنساناً يمارس
في بداية خلقه زنا المحارم؟!
وهذا الإشكال لا يمكن توجيهه لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد رفض أئمة أهل
البيت (عليهم السلام) هذه الافتراءات على آدم وأبنائه، ولكن للأسف بعض من فسّر القرآن
من الشيعة تبنّاها بحجة أنها موافقة لظاهر قرآني توهموه، ووروده في بعض الروايات رغم أنّ
الأئمة (عليهم السلام) بينوا طريقة الفصل عند التعارض، فكيف غاب عن هؤلاء الشيعة أمر
التقية وقانون الرشد في خلافهم التي أكد عليها الأئمة (عليهم السلام)، وعموماً سنستعرض
الآراء ونبيّن الحق ورد الإشكال.
اليهود والمسيحيون يعتقدون أنّ ذرية آدم (عليه السلام) نتاج زنا محارم وزواج الاخوة من
الأخوات، ويعتقدون أنّ حواء خُلقت من ضلع جسم آدم وهم أصل هذه العقيدة الفاسدة،
ومنهم انتقلت إلى السنة وبعض الشيعة.
ورد في العهد القديم - التوراة بخصوص خلق حواء:
«فأوقع الرب الإله سباتاً على ادم فنام. فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً.
وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من ادم امرأة وأحضرها الى ادم»(١).
يقول أنطونيوس فكري في تفسيره لهذه الآية من التوراة:
«حواء صنعها الله من ضلع ادم والضلع بجانب القلب وتحت الذراع حتى يحيطها
بحبه ويحميها بذراعه وهي ليست من رأسه فتنتفخ عليه ولا من قدمه فيدوسها. ولاحظ
طريقة الله، فالله أخذ من ادم ضلعًا فهو حرمه من شيء، أي أحد ضلوعه ولكن ماذا أعطي
له بعد ذلك.. معينًا نظيره. وهكذا كل ما يحرمنا منه الله يعوضنا عنه بركات مضاعفة»(٢).
ويقول القمص تادرس يعقوب:
«حدثنا عن خلقه حواء كزوجة وحيدة لادم، جلبها له من جنبه بعدما أوقع عليه
سباتًا فنام... فرأي ادم أنها عظم من عظامه ولحم من لحمه، وقد دعاها امرأة لأنها من
امرئ (إنسان) اُخذت»(٣).
وورد في العهد القديم - التوراة - بخصوص ذرية آدم:
«وعرف قايين امراته فحبلت وولدت حنوك وكان يبني مدينة فدعا اسم المدينة كاسم ابنه حنوك»(١).
ويقول أنطونيوس فكري في شرحه لهذه الآية من التوراة - العهد القديم:
«إمراة قايين هي أخته والله سمح بهذا أولاً ليقيم نسلاً. وحنوك هو الثالث من ادم
من ناحية قايين وله نفس اسم أخنوخ تقريبًا السابع من ادم من جهة شيث»(٢).
سيأتي بيان كيف أنّ هذه العقائد الفاسدة تخالف حقائق ثابتة في علم الأحياء، وكيف
أنّ هذه العقائد الفاسدة تضع الإنسان في مستوى دون الشمبانزي والغوريلا وبعض
الحيوانات الأخرى التي تتجنب زنا المحارم.
كثير من فقهاء السنة ومفسريهم وافقوا الاعتقاد اليهودي والمسيحي فيما يخص خلق حواء
وذرية آدم، فعندهم حواء زوجة آدم (عليه السلام) خلقت من ضلعه وأبناء آدم تزوجوا بناته،
وهكذا فقد جعلوا آدم ينكح بعضه والأنبياء والأوصياء وذرية آدم نتاج زنا محارم، وهذا نموذج
من فتاواهم وأقوالهم:
«المرأة خلقت من ضلع أعوج:
س: يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت
من ضلع، متفق عليه.
يقول الشيخ: شعيب الأرناؤوط في تحقيقه وتعليقه على كتاب (رياض الصالحين)
للإمام النووي تحت هذا الحديث، معلقا على هذا الحديث بقوله: الكلام هنا على التمثيل
والتشبيه كما هو مصرح به في الرواية الثانية: المرأة كالضلع، لا أن المرأة خلقت من ضلع ادم كما توهمه بعضهم، وليس في السنة الصحيحة شيء من ذلك.
فضيلة الشيخ: هذا ما قاله الشيخ الأرناؤوط بالحرف الواحد، مع أن المصطفى صلى
الله عليه وسلم يقول بالحرف الواحد وبكل وضوح: إن المرأة خلقت من ضلع ومصداق
هذا- أظن- في قوله تعالى: {اَّلَِّذي خَلَقَكُمْ ِمنْ نَفْسٍ وَاِحدٍَة وَخَلَقَ ِمنْهَا زَوْجَهَا} [سورة
النساء
وفي قوله تعالى: {هُوَ الِذي خَلَقَكُمْ ِمنْ نَفْسٍ وَاِحدٍَة وَجَعَلَ ِمنْهَا زَوْجَهَا} [سورة
الاية ١] الأعراف
وفي قوله: { وَِمنْ ايَاِتِه اَنْ خَلَقَ لَكُمْ ِمنْ اَنْفُِسكُمْ اَزْوَا جًا ِلتَسْكُنُوا ِإلَيْهَا} [سورة الروم
الاية ١٨٩]
وفي قوله: { وَا للََُّّ جَعَلَ لَكُمْ ِمنْ اَنْفُِسكُمْ اَزْوَا جًا} [سورة وقد قال أهل
الاية ٢١] النحل الاية ٧٢]
التفسير: يعنى: النساء، فإن حواء خلقت من ضلع ادم عليه السلام.
فضيلة الشيخ: هل ما قاله الشيخ الأرناؤوط صحيح أم خطأ؟ وما توجيهكم للحديث
الذي احتج به: المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت وفيها
عوج؟ أجيبونا مأجورين.
ج ١: ظاهر الحديث أن المرأة- والمراد بها حواء- عليها السلام- خلقت من ضلع ادم
وهذا لا يخالف الحديث الاخر الذي فيه تشبيه المرأة بالضلع، بل يستفاد من هذا نكتة
التشبيه، وأنها عوجاء مثله، لكون أصلها منه. والمعنى: أن المرأة خلقت من ضلع أعوج،
فلا ينكر اعوجاجها، فإن أراد الزوج إقامتها على الجادة وعدم اعوجاجها أدى إلى الشقاق
والفراق وهو كسرها، وإن صبر على سوء حالها وضعف عقلها ونحو ذلك من عوجها دام
الأمر واستمرت العشرة، كما أوضح ذلك شراح الحديث، ومنهم الحافظ ابن حجر في
(الفتح) (٦/ ٣٦٨) رحم الله الجميع. وبهذا يتبين أن إنكار خلق حواء من ضلع ادم غير
صحيح. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد واله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس: عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
نائب الرئيس: عبدالعزيز ال الشيخ
عضو: عبدالله بن غديان
عضو: صالح الفوزان
عضو: بكر أبو زيد»(١).
وفي زواج الاخوة والأخوات (زنا المحارم) قال ابن كثير في تفسيره:
«وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن الله تعالى كان قد
شرع لادم، عليه السلام، أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يُولَد له
في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الاخر، وكانت أخت
هابيل دَميمةً، وأخت قابيل وضيئةً، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى ادم ذلك إلا أن
يقربا قربانًا، فمن تقبل منه فهي له، فقربا فَتُقُِبل من هابيل ولم يتَقَبَّل من قابيل، فكان
من أمرهما ما قص الله في كتابه.
ذكر أقوال المفسرين هاهنا:
قال السُّدي - فيما ذكر-عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مُرَّة،
عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه كان لا يولد لادم
مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الاخر، ويزوج
جارية هذا البطن غلام هذا البطن الاخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما: قابيل وهابيل وكان
قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضَرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت
أحسن من أخت هابيل، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال: هي
أختي، ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها. فأمره أبوه أن يزوجها
هابيل، فأبى، وأنهما قربا قربانا إلى الله عز وجل أيهما أحق بالجارية، وكان ادم، عليه
السلام، قد غاب عنهما، أتى مكة ينظر إليها، قال الله عز وجل: هل تعلم أن لي بيتا في
الأرض؟ قال: اللهم لا قال: إن لي بيتا في مكة فأته. فقال ادم للسماء: احفظي ولدي
بالأمانة، فأبت. وقال للأرض، فأبت. وقال للجبال، فأبت. فقال لقابيل، فقال: نعم،
تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك فلما انطلق ادم قَربا قربانا، وكان قابيل يفخر عليه،
فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصي والدي. فلما قَربا، قرب
هابيل جَذعَة سمنة، وقرب قابيل حَزْمَة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها فأكلها.
فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا
تنكح أختي. فقال هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين. رواه ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن
جريج، أخبرني ابن خُثَيْم قال: أقبلت مع سعيد بن جبير فحدثني عن ابن عباس قال: نهي
أن تنكح المرأة أخاها تَوْأمها، وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل بطن
رجل وامرأة، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة، وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال
أخو الدميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي. قال: لا أنا أحق بأختي فقربا قربانا، فتقبل
من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. إسناد جيد»(١).
سيأتي بيان فساد هذه العقائد ومخالفتها للعلم وانحراف من يعتقدها عن الحق، وبيان
كيف أنها وضعت الإنسان في مستوى دون بقية الحيوانات.
هناك بعض فقهاء الشيعة تابعوا علماء السنة ولا يرون بأساً في قول إنّ البشرية نتاج
زواج أشقاء (زنا محارم)، وسأكتفي بنقل بعض أقوالهم:
في تفسير الميزان، قال محمد حسين الطباطبائي:
«(كلام في تناسل الطبقة الثانية من الإنسان):
الطبقة الأولى من الانسان وهي ادم وزوجته تناسلت بالازدواج فأولدت بنين وبنات
(إخوة وأخوات) فهل نسل هؤلاء بالازدواج بينهم وهم إخوة وأخوات أو بطريق غير
ذلك؟ظاهر إطلاق قوله تعالى وبث منهما رجالا كثيرا ونساء الاية على ما تقدم من التقريب
أن النسل الموجود من الانسان إنما ينتهي إلى ادم وزوجته من غير أن يشاركهما في ذلك
غيرهما من ذكر أو أنثى ولم يذكر القران للبث إلا أياهما ولو كان لغيرهما شركة في ذلك
لقال وبث منهما ومن غيرهما أو ذكر ذلك بما يناسبه من اللفظ ومن المعلوم أن انحصار
مبدأ النسل في ادم وزوجته يقضي بازدواج بنيهما من بناتهما.
وأما الحكم بحرمته في الاسلام وكذا في الشرائع السابقة عليه على ما يحكى فإنما هو حكم تشريعي يتبع المصالح والمفاسد لا تكويني غير قابل للتغيير وزمامه بيد الله سبحانه
يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فمن الجائز أن يبيحه يوما لاستدعاء الضرورة ذلك ثم يحرمه
بعد ذلك لارتفاع الحاجة واستيجابه انتشار الفحشاء في المجتمع»(١).
استدل الطباطبائي على أنّ الناس نتاج من زنا المحارم بين أولاد وبنات آدم (عليه السلام)
بظاهرٍ توَهَمَهُ هو لقوله تعالى:﴿وَبَثَّ منْهُمَا رجَالاً كَثيراً وَنسَاء﴾ باعتبار أنّ الآية لم تذكر أصلاً
آخر للذرية غيرهما!
والحق، إنّ ظاهر الآية يتكلم عن الأنفس في السماء الأولى أو الجنة التي خلق فيها آدم
(عليه السلام)، فحتى لو قلنا: إنّ الآية تدل على حصر الذرية بآدم وحواء يبقى أنّ الآية تتكلم
عن الأنفس، وهي واضحة الدلالة على أنّ نفس حواء خلقت من نفس آدم (عليه السلام) فهذا
الخلق بمعنى أنّ نفسها شقت من نفس آدم (عليه السلام)، وليس أنّ جسم حواء خلق من
جزء من جسم آدم كما في التوراة وكما يعتقد بعض فقهاء السنة.
وخلق آدم (عليه السلام) الأرضي أو نزوله إلى الأرض متأخر عن خلق نفسه.
فنفس آدم (عليه السلام) خلقت في السماء من الطينة المرفوعة ونفخ الروح فيها.
ثم من نفس آدم (عليه السلام) خلقت نفس حواء (عليها السلام).
ثم منهما خلقت بقية أنفس بني آدم (عليه السلام)، ونفس زوجتي ابني آدم هي من هذه
الأنفس.
وهذا ما بينته الآية بوضوح، قال تعالى: ﴿يَا أَيهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مّن نَّفْسٍ
وَاحدٍَة وَخَلَقَ مَنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ منْهُمَا رجَالاً كَثيراً وَنسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذي تَسَاءلُونَ به وَالأرَْحَامَ
إنَّ اللّهَ كَانَ عَليْكُمْ رَقيباً﴾(٢).
وعموماً، ظاهر الآية لا يمكن أن يكون دليلاً على أنّ البشرية نتاج زواج اخوة أخوات (زنا محارم) كما يدعون، فحتى من لا يقبل ما قدمته - مع شدة وضوحه - في معنى الآية وأنها تتكلم
عن الأنفس كما هو ظاهرها ﴿خَلَقَكُم مّن نَّفْسٍ وَاحدٍَة وَخَلَقَ منْهَا زَوْجَهَا﴾ أيضاً يلزمه أنّ ما
قدمناه وجه لفهم ظاهرها، وبهذا أصبح ظاهرها متشابهاً عنده ولا يمكنه أن يتخذها سنداً
لاعتقاده، فلا تؤخذ العقيدة من المتشابه.
أيضاً: ننقل قولاً آخر لأحد فقهاء الشيعة وهو ناصر مكارم شيرازي:
«كيف كان زواج أبناء ادم؟:
قال سبحانه: (وَبَثَّ منهما رجالا كثيراً ونساءً) هذه العبارة يستفاد منها أن انتشار نسل
ادم، وتكاثره قد تم عن طريق ادم وحواء فقط، أي بدون أن يكون الموجود ثالث (كذا)
أي دخالة في ذلك.
وبعبارة اُخرى: أن النسل البشري الموجود ِإنما ينتهي ِإلى ادم وزوجته من غير أن
يشاركهما في ذلك غيرهما من ذكر أو اُنثى.
وهذا يستلزم أن يكون أبناء ادم (أخوة وأخوات) قد تزاوجوا فيما بينهم، لأنه ِإذا تم
تكثير النسل البشري عن طريق تزوجهم بغيرهم لم يصدق ولم يصح قوله: "منهما".
وقد ورد هذا الموضوع في أحاديث متعددة أيضاً، ولا داعي للتعجب وا ِلإستغراب ِإذ
طبقاً للإِستدلال الذي جاء في طائفة من الأحاديث المنقولة عن أهل البيت(عليهم
السلام) ِإن هذا النوع من الزواج كان مباحاً حيث لم يرد بعد حكم بحرمة "تزوج الأخ
بأخته".
ومن البديهي أن حرمة شيء تتوقف على تحريم الله سبحانه له، فما الذي يمنع من
أن توجب الضرورات الملحة والمصالح المعينة أن يبيح شيئاً في زمان، ويحرمه بعد ذلك
في زمن اخر.
غير أنه قد صرح في أحاديث اُخرى بأن أبناء ادم لم يتزوجوا بأخواتهم، وتحمل بشدة
على من يرى هذا الرأي ويذهب هذا المذهب.
ولو كان علينا عند تعارض الأحاديث أن نرجح ما وافق منها ظاهر القران لوجب أن
نختار الطائفة الاُولى، لأنها توافق ظاهر الاية الحاضرة كما عرفت قبل هذا.
ثم أن هاهنا احتمال اخر يقول: إن أبناء ادم تزوجوا بمن تبقى من البشر الذين سبقوا
ادم ونسله، لأن ادم - حسب بعض الروايات - لم يكن أول ِإنسان سكن الأرض.
وقد كشفت الدراسات والتحقيقات العلمية اليوم أن النوع اِلإنساني كان يعيش في
الأرض منذ عهد ضارب في القدم، في حين لم يمر على تاريخ ظهور "ادم" في الأرض زمن
طويل، فلابد إذن من قبول النظرية التي تقول: بأنه كان يعيش في الأرض قبل ادم بشر
اخرون قارن غياب اخر بقاياهم ظهور ادمنا، فما المانع من أن يكون "أبناء ادم" قد تزوجوا
ببقايا النوع البشري السابق الذي كان في أواخر انقراضه؟
ولكن هذا الاحتمال هو أيضاً لا يتوافق وظاهر الاية الحاضرة (وهذا البحث يحتاج ِإلى
توسع أكثر لا يسعه هذا المجال)»(١).
هم يقولون: إنّ هناك طائفة من الروايات تقول إنّ البشرية نتاج زنا محارم وقد رجحوا
المروي في زواج المحارم لأنه موافق لظاهر قرآني توهموه هم، حيث إنهم اعتبروا الآية تتكلم
عن الأجساد وتفيد الحصر بآدم وحواء في حين أنّ الواضح من ظاهرها أنها تتكلم عن النفس
وليس الجسد ﴿خَلَقَكُم مّن نَّفْسٍ وَاحدٍَة وَخَلَقَ منْهَا زَوْجَهَا﴾، وفي نفس الوقت هم غفلوا أو
تغافلوا عن أنّ الرواية التي رجحوها موافقة لعقيدة مخالفي آل محمد (عليهم السلام)، وكثير
من رواياتهم (عليهم السلام) الموافقة للمخالفين إنما صدرت تقية وهناك قاعدة الرشد في
خلافهم، فكان الأولى عدم ترجيح الرواية التي تقول بزنا المحارم؛ لأنها موافقة لمخالفي آل
محمد (عليهم السلام) وموافقة لليهود والمسيحيين، وهم أصحاب عقائد غير صحيحة والرشد
في خلافهم عند التعارض، فكان الأولى الأخذ بالروايات التي تنفيه.
أضف أنّ ما وجدت الطباطبائي استدل به في الميزان هو رواية الاحتجاج:
«وفي الإحتجاج، عن السجاد (عليه السلام) في حديث له مع قرشي يصف فيه تزويج
هابيل بلوزا أخت قابيل وتزويج قابيل بأقليما أخت هابيل، قال: فقال له القرشي:
فأولداهما؟ قال: نعم، فقال له القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم، قال: فقال: إن
المجوس فعلوا ذلك بعد التحريم من الله، ثم قال له: لا تنكر هذا إنما هي شرائع الله
جرت، أ ليس الله قد خلق زوجة ادم منه ثم أحلها له؟ فكان ذلك شريعة من شرائعهم ثم أنزل الله التحريم بعد ذلك، الحديث.
أقول: وهذا الذي ورد في الحديث هو الموافق لظاهر الكتاب و الاعتبار، و هناك
روايات أخر تعارضها و هي تدل على أنهم تزوجوا بمن نزل إليهم من الحور والجان و قد
عرفت الحق في ذلك»(١).
ولو دققنا في رواية الاحتجاج لوجدناها تذكر مسألة أخرى وهي أنّ حواء خلقت من جزء
من جسم آدم، وهذا يعني أنهم يعتقدون بهذا الأمر أيضاً، فالرواية التي اعتمدوا عليها واضح
فيها أنها تقول إنّ حواء خلقت من جزء من جسم آدم كما في التوراة وكما يقول العامة.
وعن أبي حمزة الثمالي، قال: [سمعت علي بن الحسين (عليه السلام) يحدث رجلاً من
قريش قال: لما تاب الله على آدم واقع حواء ولم يكن غشيها منذ خلق وخلقت إلا في الأرض،
وذلك بعد ما تاب الله عليه، قال: وكان آدم يعظم البيت وما حوله من حرمة البيت، فكان إذا
أراد أن يغشى حواء خرج من الحرم وأخرجها معه، فإذا جاز الحرم غشيها في الحل، ثم يغتسلان
إعظاماً منه للحرم، ثم يرجع إلى فناء البيت. قال: فولد لآدم من حواء عشرون ذكرا وعشرون
أنثى، فولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فأول بطن ولدت حواء: (هابيل) ومعه جارية يقال لها:
(أقليما)، قال: وولدت في البطن الثاني: (قابيل) ومعه جارية يقال لها (لوزا)، وكانت لوزا أجمل
بنات آدم. (قال): فلما أدركوا خاف عليهم آدم الفتنة فدعاهم إليه فقال: أريد أن أنكحك يا
هابيل لوزا، وأنكحك يا قابيل أقليما. قال قابيل: ما أرضى بهذا أتنكحني أخت هابيل القبيحة،
وتنكح هابيل أختي الجميلة. قال: فأنا أقرع بينكما، فإن خرج سهمك يا قابيل على لوزا، وخرج
سهمك يا هابيل على أقليما، زوجت كل واحد منكما التي خرج سهمه عليها. (قال): فرضيا
بذلك، فاقترعا، (قال): فخرج سهم هابيل على لوزا أخت قابيل، وخرج سهم قابيل على أقليما
أخت هابيل. قال: فزوجهما على ما خرج لهما من عند الله.
(قال) ثم حرم الله نكاح الأخوات بعد ذلك. قال: فقال له القرشي: فأولداهما؟ قال: نعم.
قال: فقال القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم! قال: فقال علي بن الحسين: إن المجوس إنما
فعلوا ذلك بعد التحريم من الله. ثم قال له علي بن الحسين (عليه السلام): لا تنكر هذا، إنما هي الشرايع جرت أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له، فكان ذلك شريعة من
شرايعهم، ثم أنزل الله التحريم بعد ذلك] (١).
وستأتي روايات واضحة عن آل محمد صلوات الله عليهم يستنكرون فيها هذا الفعل، ومن
يقول إنّ أبناء آدم فعلوه مع أنّ الحيوانات تجتنبه وهذا ما ثبت علمياً الآن في مجتمعات
الشمبانزي والغوريلا حيث إنهم في الغالب يتجنبون زنا المحارم، فكيف ينسب من يسمون
أنفسهم رجال دين هذا الفعل للإنسان؟!
هل من المعقول أنهم يعترضون على التطور لأنهم يرفضون أن يكون هناك سلف مشترك
بين الإنسان والشمبانزي أو يرفضون أنّ أصل جسم الإنسان البعيد قرد، وفي نفس الوقت
يضعون الإنسان الحديث - وبالخصوص آدم وأولاده - في مستوى دون القردة بكثير بحيث إنّ
تناسل الاخوة والأخوات الذي تتجنّبه مجتمعات الشمبانزي والغوريلا عادة منذ ملايين السنين
يمارسه ويقرّه الإنسان عندهم، وأي إنسان؛ نبي الله آدم وأولاده الأوصياء (عليهم السلام)؟!
:
وضعت هذا الإشكال والرد عليه لتجلية الحقيقة وتضييق منافذ الاعتراض.
ومفاد إشكال زنا المحارم على التطور هو: إنه لو كان هناك تطور فإنّ آدم أو أحد آبائه
من الآدميين الذين سبقوه يحتمل كونه نتاج زنا محارم فلم تكن هناك شريعة تحرمه، فلماذا
لا يكون زنا المحارم هو السائد في تلك المجتمعات كما هو المتوقع عند غياب الشريعة التي
تحرمه؟!!!
والذي يمكنه أن يوجّه هذا الإشكال هو من لا يعتقد أنّ البشر هم نتاج زنا محارم وقع
بين أولاد وبنات آدم، فلا يستطيع علماء الأديان توجيه هذا الإشكال إلى مسألة التوافق بين
التطور والدين؛ لأنهم يعتبرون أنّ زنا المحارم في زمن آدم مسألة طبيعية ويعتبرونه زواجاً مشروعاً، وبالتالي فهذا الإشكال غير موجود لدى علماء اليهود والمسيحيين وأغلب علماء
ومفسري السنة وكثير من علماء ومفسري الشيعة؛ لأنهم يعتبرون أنّ البشرية كلها جاءت من
نتاج زنا محارم بحسب عقيدتهم أنّ أبناء وبنات أدم تزوجوا من بعضهم، والبشرية هي نتاج
هذا التناسل المخالف حتى لتركيبة الأجسام البايلوجية التي ترفض زنا المحارم.
أما عند آل محمد، فهذا قول فاسد وغير صحيح، وقد بيّن الأئمة من آل محمد (عليهم
السلام) أنه باطل ووردت روايات عن آل محمد (عليهم السلام) نفت هذا الفساد عن آدم
وذريته وأن زنا المحارم محرم في شريعة آدم (عليه السلام).
روى زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام): [أن آدم (عليه السلام) ولد له شيث وأن اسمه
هبة الله، وهو أول وصي أوصي إليه من الآدميين في الأرض، ثم ولد له بعد شيث يافث، فلما
أدركا أراد الله عز وجل أن يبلغ بالنسل ما ترون وأن يكون ما قد جرى به القلم من تحريم ما
حرم الله عز وجل من الأخوات على الاخوة أنزل بعد العصر في يوم خميس حوراء من الجنة
اسمها نزلة، فأمر الله عز وجل آدم أن يزوجها من شيث فزوجها منه، ثم أنزل بعد العصر من
الغد حوراء من الجنة واسمها منزلة فأمر الله عز وجل آدم أن يزوجها من يافث فزوجها منه،
فولد لشيث غلام وولد ليافث جارية فأمر الله عز وجل آدم حين أدركا أن يزوج ابنة يافث من
ابن شيث ففعل، فولد الصفوة من النبيين والمرسلين من نسلهما، ومعاذ الله أن يكون ذلك
على ما قالوا من أمر الاخوة والأخوات] (١).
وما يذكر في بعض الروايات عن أزواج أبناء آدم الصالحين وأنهم حوريات، فالمراد بهذا
وصف أنفسهن التي اتصلت بأجسادهن كما أنّ نفس آدم اتصلت بالجسد الإنساني الأرضي،
وكانت هي بداية مسيرة آدم وذريته على الأرض، مع أنّ هذه النفس خلقت في السماء من الطينة
المرفوعة والنفخ قبل أن تنزل وتتصل بالجسد.
رد الإشكال:
تبيّن مما تقدم أنّ من يمكنهم طرح هكذا إشكال هم من يعتقدون بما قاله الأئمة (عليهم السلام) من أنّ البشرية ليست نتاج زنا أو زواج محارم.
أما الرد فيكفي القول: إنه لا دليل على عدم وجود أي شريعة تحرم زواج المحارم قبل آدم
(عليه السلام) بين تلك الاقوام الأولى التي انحدر منها آدم (عليه السلام)، فيمكن أن تكون
هناك تكاليف أولية لتلك الأمم تناسب قدرتهم الادراكية، فمن المؤكد أنّ النسناس أو الأقوام
الإنسانية التي سبقت أبانا آدم (عليه السلام) لديهم تكاليف وإن كانت تكاليف بسيطة تناسب
حالهم، ولا يمكن لأحد أن يجزم بأنّ تحريم زواج المحارم ليس من ضمن شريعتهم، بل في
الحقيقة إنّ التحريم هو المؤكد والذي جرى به القلم بحسب الروايات وما جرى به القلم فهو
قانون جار على آدم وولده أو من سبقوهم من المكلفين.
أما رد الإشكال من جهة العلم، فقد ثبت أنّ التطور البيولوجي عموماً يميل إلى منع زنا
المحارم من خلال انتقاء الجينة التي تؤدي إلى منعه أو لنقل إنّ الأجسام المبنية بالخريطة
الجينية التي تحوي جينة تدفع الجسم للامتناع عن ممارسة زنا المحارم تكون أقدر على البقاء،
وأنه في حالات موجودة في الطبيعة نجح التطور في منعه بشكل جلي وواضح والهومو من تلك
الحالات، ونحن نعتقد أن نمو الخريطة الجينية مقنن ليصل إلى أجسام تمتنع عن هذا الأمر.
ولو نظرنا إلى أقرب أنواع القردة العليا للإنسان وهو الشمبانزي لوجدنا الأنثى عندما تبلغ
تهجر عائلتها لتذهب وتتزوج من عائلة أخرى، تقول د. جين كودال(١) وهي من أشهر المتخصصين
في مجتمعات الشمبانزي:
“No Consortships, either observed or inferred, have involved mothers and
sons or maternal siblings.No male hase ever been observed to try to take his mother
or sister on a consortship.Because the father – daughter relationship is not known,
there are likely to be occasions when such pairs go off together. But again, the fact
that the older males tend to be less sexually interested in young females of their own community can reduce the likelihood of incestuous consortship of this sort.”
«لم يُستدل أو يُلاحظ أي علاقة مستمرة بين ألامهات وابناءها أو بين الاشقاء من
الام. كما لم يتم رصد أي محاولة لذكر للانغماس بعلاقة مستمرة مع أخته أو أمه. ولأن صلة
الأب بالإبنة غير معروفة وظاهرة لهم، فمن الممكن حدوث حالات تشمل علاقة بينهما.
ولكن في الحقيقة فان الذكور الكبار يميلون ان يكونوا اقل اهتماما جنسيا بالاناث
اليافعات في مجتمعهم وهذا يقلل احتمال حدوث زنا المحارم من هذا النوع اي بين الاب
والابنة»(١).
“Young females were sometimes reluctant to respond to the courtship of much
older males and they suggest that this could be another mechanism for minimizing
incestuous mating”
«الإناث الصغيرات في العمر يترددون أحياناً في الاستجابة الى تودد الذكور الأكبر
منهن في العمر بكثير. ويرى بعض العلماء أن هذه الية لتقليل نسبة حدوث زنا
المحارم»(٢).
“At Gombe there are permanent transfers, or immigrants (females who have
left their natal community to join neighbouring ones), and temporary transfers, or
visitors (females who visit neighbouring communities for relatively short periods,
usually during consecutive periods of estrus, then return to their original social
group). In addition, certain peripheral females may continues to move back and
forth between communities.”
«في محمية كومبي هناك انتقالات دائمة للاناث فهن أما مهاجرات (الاناث اللواتي
تركن مجتمع الولادة للانضمام الى مجتمعات مجاورة) أو زائرات يقمن بانتقالات مؤقته
(الاناث الذين يزورون المجتمعات المجاورة لفترات قصيرة نسبيا وعادة خلال فترة الشبق
ومن ثم العودة الى مجتمعها الاصلي) وبالإضافة إلى ذلك، فإن بعض الإناث يواصل التحرك ذهابا وإيابا بين المجتمعات»(١).
“In free-living chimpanzees Jane Goodall has observed incest taboos. Mothers
do not allow their sons to copulate with them, sisters do not copulate with their
brothers and females do not copulate with older males in their familial group.
Though none of these chimpanzees are biologically related, they have grown up in
this family group and show no sexual behavior toward one another.”
«لاحظت جين غودال أن الشمبانزيات التي تعيش طليقة في الطبيعة تعتبر زنا
المحارم من المحظورات، حيث أن الأمهات لا يسمحن لأولادهن أن يتزاوجوا معهن،
والأخوات لا يتزاوجن مع أخوانهم، والإناث لا يتزاوجن مع الذكور الأكبر منهن في السن
في المجموعة العائلية. مع أن هذه الشمبانزيات ليست مرتبطة بايولوجياً، إلا أنهم نشأوا
في نفس المجموعة العائلية ولا يبدون أي تصرف جنسي تجاه بعضهم البعض»(٢).
فإذا كان أفراد مجتمع الشمبانزي يجتنبون زنا المحارم وكانت ظاهرة اجتناب زنا المحارم
موجودة في عالم الحيوان، فما الذي يمنع كونها كانت موجودة وشائعة في مجتمعات الهومو -
الآدميين - وكونهم قبل آدم (عليه السلام) كانوا ممتنعين بشكل كامل عن ممارسة زنا المحارم!
وخصوصاً مع وجود مانع بيولوجي لزنا المحارم، فالأجسام التي تبنى بخريطة جينية تحتوي
على جينة تتسبب باجتناب الأجساد لزنا المحارم ستكون خريطة جينية ناجحة في الطبيعة
وسيفضلها الانتقاء الطبيعي، أي أنها ستكون الأقدر على البقاء؛ لأن الخريطة الجينية التي لا
تحتوي هذه الجينة ستكون معرضة للاندثار والزوال بسبب الجينات الفتاكة الكامنة التي
سيظهر أثرها جلياً من خلال زنا أو زواج المحارم، حيث إنّ الأجسام المبنية بخريطة جينية لا
تحتوي على جينة منع زنا المحارم ستكون غير قادرة على تربية ذرية بقدرالأخرى؛ لأن زنا المحارم
سيؤدي إلى زيادة احتمال تطابق الجينات الفتاكة الكامنة بشكل كارثي يتسبب بقتل الذرية وبالتالي فستخسر الخريطة الجينية التي تسمح بزنا المحارم أمام الخريطة الجينية التي لا تسمح
به في سباق التطور والبقاء، وهكذا مع الزمن سيكون البقاء لخريطة جينية تبني أجساماً
تجتنب زنا المحارم، ولهذا فمن الطبيعي أنّ أناث الشمبانزي والغوريلا عندما تبلغ تهاجر
عائلاتها لتتزوج من عائلات أخرى ومن غرباء.
«الجينة الفتاكة هي جينة تقتل حاملها. اما الجينة الفتاكة الكامنة، وعلى غرار اي
جينة كامنة، فلا تتجلى تاثيراتها الاان توافرت بجرعة مزدوجة. والواقع أن الجينات الفتاكة
الكامنة تنجح في الجمعية الجينية لأن الافراد الذين يحملون هذه الجينات يمتلكون
بمعظمهم نسخة واحدة منها فقط، ومن ثم لا يعانون البتة تأثيراتها. اضف أن اي جينة
فتاكة تكون نادرة لأنها إن حدث واصبحت شائعة تقابل نسخا من نفسها وتقتل حامليها.
لكن أنواعاً كثيرة من الجينات الفتاكة قد تتوافر، مما يعني أننا نظل على الارجح
ننضج بها. وتشير التقديرات في بعض الكتب الى توافر جينتين فتاكتين حداً وسطاً في
كل شخص. وإن تزاوج ذكر وانثى عشوائيا، الاحتمال الاكبر هو ألاتطابق جينتاه الفتاكتان
جينتيها الفتاكتين، فلا يعاني صغارهما تاثيرات الجينات الفتاكة. لكن إن تزاوج شقيق مع
شقيقته او أب مع ابنته، فسيختلف الوضع اختلافاً ينذر بالسوء. فمهما كانت جيناتي
الفتاكة الكامنة نادرة في المجتمع كله، يبقى الاحتمال كبيرا على نحو مقلق بأن تطابق
جيناتي جينتها.وان احتسبت المجموع، فسيتبين لك أنه، فيما يتعلق بكل جينة فتاكة
كامنة أحملها، في حال تزاوجت مع شقيقتي، فسيولد ٨/١ من صغارنا موتى او يموتون في
الصغر. وللمناسبة، الموت في سن الرشد أشد فتكاَ، على المستوى الجيني، من الموت
لدى الولادة.فالجين الذي يولد ميتاَ لا يبدد الكثير من وقت والديه وطاقتهما الحيوية. لكن
بغض النظر عن نظرتك للأمر، لا يُعتبر سفاح القربى مؤذيا على نحو طفيف، بل قد يكون
كارثيا. ومن ثم، يمكن الانتقائية القائمة على تفادي سفاح القربى ان تكون بالقوة نفسها
لأي ضغط انتقائي تم قياسه في الطبيعة.
ولعل علماء الانثروبولوجيا الذين يعترضون على تفسير داروين لتفادي سفاح القربى
لا يدركون أي قضية من قضايا داروين هم يعارضون. الواقع أن الحجج التي يتقدمون بها
تكون في بعض الاحيان ضعيفة جدا بحيث لا تستحق اقتراح مرافعة خاصة يائسة. فهم
على سبيل المثال يقولون لو أن انتقائية داروين قد بنت حقيقةَ في نفوسنا النفور من سفاح
القربى، لما احتجنا الى حظره. فالمحظور يتنامى فقط لأن شهوات مرتبطة بزنا المحارم
تنتاب الافراد. وعليه لا يمكن ان يكون للقاعدة ضد سفاح القربى وظيفة (بيولجية) بل هي
حتما (اجتماعية) محض. لكن هذا الاعتراض على الارجح يشبه الاتي: "لا ضرورة لوضع اقفال على مفتاح تشغيل السيارات، لكون السيارات مزودة باقفال في ابوابها. ومن ثم،
لا يمكن ان تشكل اقفال التشغيل اجهزة مضادة للسرقة، بل الأرجح أن لها دلالة طقسية
محض". الى ذلك يميل علماء الانثربولوجيا الى التشديد على أن المحظورات تختلف
بحسب اختلاف الثقافات، كما تختلف تعريفات القرابة. هم يعتقدون على ما يبدو أن هذا
من شأنه تقويض طموحات داروين وانصاره الى تفسير تفادي سفاح القربى. لكننا نقول
بان الرغبة الجنسية لا يمكن ان تكون ظاهرة تكيف داروينية لأن الثقافات المختلفة تفضل
الُجُماع في اوضاع مختلفة. ويبدو لي انه من المحتمل جداَ أن يكون تفادي سفاح القربى
لدى البشر، وكما هو عليه لدى الحيوانات الاخرى، نتيجة انتقائية داروينية قوية.
والسوء لا يتمثل فقط بالتزاوج مع مقربين منك جينيا. فالتناسل مع غرباء قد يكون
سيئاَ هو أيضاً بسبب اللاتوافق الجيني بين اعراق مختلفة. أما الحد الوسطي الامثل، فمن
غير السهل استشرافه بدقة. فهل يُفترض بك ان تتزاوج مع احدى بنات عمك او خالك من
الدرجة الاولى ام الثانية ام الثالثة؟
لقد حاول باتريك بايتيسون Bateson Patrick أن يعرف ما تفضله طيور السماني
ي
اليابانية في هذا الاطار. وفي هيكل تجريبي سُم جهاز أمستردام، دعيت الطيور ان تختار
ازواجاً من الجنس الاخر انتظمت وراء واجهات زجاجية مصغرة، وتبين بان الطيور تفضل
ابناء العم من الدرجة الاولى على الاشقاء والشقيقات والطيور التي لا تربطها اي قرابة.
كذلك اظهرت تجارب اضافية ان طائر السماني الصغير يتعلم رصد ميزات رفاقه في
الحضنة، ثم ينزع في مرحلة لاحقة من حياته الى اختيار شريكاته الجنسية بحيث تشبه
رفاقه في الحضنة انما ليس الى حد كبير.
وعليه، يبدو أن طائر السماني يتفادى سفاح القربى من خلال غياب أي رغبة داخلية
لديه تجاه الطيور التي يكبر معها. في المقابل، تفعل حيوانات اخرى الامر نفسه من خلال
ملاحظة القوانين الاجتماعية، وتحديدا قواعد التشتت المفوضة اجتماعيا. فذكور الاسود
على سبيل المثال تبتعد عن المجموعة الابوية، حيث تبقى الاناث من أقاربها لتغويها ولا
تتزاوج إلا إن نجحت في غزو مجموعة اخرى. اما في مجتمعات الشمبانزي والغوريللا،
فالنزعة القائمة هي رحيل الانثى بحثا عن زوج لها في مجموعات اخرى. والواقع أن نمطَي
التشتت هذين، فضلاً عن النظام الذي تعتمده طيور السماني، يتجليان في ثقافات مختلفة لدى البشر»(١).
أي إنّ النتيجة هو أننا بايولوجياً تبنى أجسامنا على اجتناب زنا المحارم، وهذا هو نتاج
طبيعي للتطور وبقاء الجينات الأقدر على البقاء في سباق المنافسة بينها، ومسألة تجنب بعض
الحيوانات لزنا المحارم مثبتة بالتجربة، وبهذا يثبت بطلان عقيدة اليهود والمسيحيين وفقهاء
السنة ومن تبعهم بهذه العقيدة من فقهاء الشيعة، وتثبت الحقيقة التي بينها آل محمد (عليهم
السلام) منذ أكثر من ألف عام.
لو كان هناك من يبحث عن الحق لكفاه أخبار آل محمد (عليهم السلام) قبل أكثر من
ألف سنة عن هذه الحقيقة التي أثبتها العلم الحديث، ومخالفتهم (عليهم السلام) للباطل
المهيمن في زمنهم والذي يقول: إنّ البشرية من نتاج زواج اخوة وأخوات (زنا محارم)، ففي حين
أنّ بقية طوائف المسلمين يقولون بأنّ البشرية نتاج زواج اخوة وأخوات نجد آل محمد (عليهم
السلام) يبيّنون بوضوح أنّ هذا غير صحيح وأنّ ابني آدم تزوجا نساء لا تربطهم بهما درجة
قرابة تحرم الزواج.
روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع - باب علة كيفية بدء النسل:
[حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا أحمد بن إدريس
ومحمد بن يحيى العطار جميعاً قالا: حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري قال:
حدثنا أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن أحمد بن إبراهيم بن عمار قال: حدثنا ابن نويه
رواه عن زرارة قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) كيف بدء النسل من ذرية آدم (عليه
السلام) فإن عندنا أناس يقولون: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى آدم (عليه السلام) أن يزوج
بناته من بنيه، وأن هذا الخلق كله أصله من الإخوة والأخوات؟
قال أبو عبد الله: سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً يقول من يقول هذا إن الله عز
وجل جعل أصل صفوة خلقه وأحبائه وأنبيائه ورسله وحججه والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين
والمسلمات من حرام ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال وقد أخذ ميثاقهم على
الحلال والطهر الطاهر الطيب، والله لقد نبئت أن بعض البهائم تنكرت له أخته فلما نزا عليها
ونزل كشف له عنها وعلم أنها أخته أخرج غرموله ثم قبض عليه بأسنانه ثم قلعه ثم خر ميتاً.
قال زرارة: ثم سئل (عليه السلام) عن خلق حواء وقيل له: إن أناساً عندنا يقولون إن
الله عز وجل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى؟
قال: سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً أ يقول من يقول هذا إن الله تبارك وتعالى لم
يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجته من غير ضلعه وجعل لمتكلم من أهل التشنيع سبيلاً
إلى الكلام يقول إن آدم كان ينكح بعضه بعضاً إذا كانت من ضلعه ما لهؤلاء حكم الله بيننا
وبينهم، ثم قال: إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم من الطين وأمر الملائكة فسجدوا له ألقى
عليه السبات ثم ابتدع له خلقاً ثم جعلها في موضع النقرة التي بين وركيه وذلك لكي تكون
المرأة تبعاً للرجل، فأقبلت تتحرك فانتبه لتحركها فلما انتبه نوديت أن تنحي عنه، فلما نظر
إليها نظر إلى خلق حسن تشبه صورته غير أنها أنثى فكلمها فكلمته بلغته، فقال لها: من
أنت؟فقالت: خلق خلقني الله كما ترى، فقال آدم عند ذلك: يا رب من هذا الخلق الحسن
الذي قد آنسني قربه والنظر إليه؟ فقال الله: هذه أمتي حواء أ فتحب أن تكون معك فتؤنسك
وتحدثك وتأتمر لأمرك، قال: نعم يا رب ولك بذلك الحمد والشكر ما بقيت، فقال الله تبارك
وتعالى: فاخطبها إلي فإنها أمتي وقد تصلح أيضاً للشهوة وألقى الله عليه الشهوة وقد علمه قبل
ذلك المعرفة، فقال: يا رب فإني أخطبها إليك فما رضاك لذلك؟فقال: رضائي أن تعلمها معالم
ديني، فقال: ذلك لك يا رب إن شئت ذلك، قال: قد شئت ذلك وقد زوجتكها فضمها إليك،
فقال: أقبلي، فقالت: بل أنت فأقبل إلي، فأمر الله عز وجل آدم أن يقوم إليها فقام ولولا ذلك
لكان النساء هن يذهبن إلى الرجال حتى خطبن على أنفسهن، فهذه قصة حواء (عليها السلام)]
.)١(
وروى أيضاً: [أبي رحمه الله قال حدثنا محمد بن يحيى العطار عن الحسين بن الحسن بن أبان عن محمد بن أورمة عن النوفلي عن علي بن داود اليعقوبي عن الحسن بن مقاتل عمن
سمع زرارة يقول: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن بدء النسل من آدم كيف كان، وعن
بدء النسل من ذرية آدم فإن أناساً عندنا يقولون: إن الله عز وجل أوحى إلى آدم أن يزوج بناته
ببنيه وأن هذا الخلق كله أصله من الإخوة والأخوات؟
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، يقول من قال هذا بأن
الله عز وجل خلق صفوة خلقه وأحباءه وأنبياءه ورسله والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين
والمسلمات من حرام ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من حلال وقد أخذ ميثاقهم على الحلال
الطهر الطاهر الطيب، فو الله لقد تبينت أن بعض البهائم تنكرت له أخته فلما نزا عليها ونزل
كشف له عنها فلما علم أنها أخته أخرج غرموله ثم قبض عليه بأسنانه حتى قطعه فخر ميتاً،
وآخر تنكرت له أمه ففعل هذا بعينه فكيف الإنسان في إنسيته وفضله وعلمه! غير أن جيلاً
من هذا الخلق الذي ترون رغبوا عن علم أهل بيوتات أنبيائهم وأخذوا من حيث لم يؤمروا
بأخذه فصاروا إلى ما قد ترون من الضلال والجهل بالعلم، كيف كانت الأشياء الماضية من
بدء أن خلق الله ما خلق وما هو كائن أبداً.
ثم قال: ويح هؤلاء، أين هم عما لم يختلف فيه فقهاء أهل الحجاز ولا فقهاء أهل العراق
أن الله عز وجل أمر القلم فجرى على اللوح المحفوظ بما هو كائن إلى يوم القيامة قبل خلق
آدم بألفي عام وأن كتب الله كلها فيما جرى فيه القلم في كلها تحريم الأخوات على الإخوة مع
ما حرم، وهذا نحن قد نرى منها هذه الكتب الأربعة المشهورة في هذا العالم التوراة والإنجيل
والزبور والفرقان أنزلها الله عن اللوح المحفوظ على رسله صلوات الله عليهم أجمعين منها
التوراة على موسى (عليه السلام) والزبور على داود (عليه السلام) والإنجيل على عيسى (عليه
السلام) والقرآن على محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى النبيين (عليهم السلام)، وليس فيها
تحليل شيء من ذلك، حقاً أقول: ما أراد من يقول هذا وشبهه إلا تقوية حجج المجوس، فما
لهم قاتلهم الله] (١).
علمياً معنى أنّ حواء خلقت من جزء من آدم، أي إنها تمتلك خريطته الجينية كاملة وهذا
يعني أنها ستكون ذكراً أيضاً، ولهذا نحتاج معجزة هنا لتغيير كروموسوم تحديد الجنس)y(
إلى)x(ليكون الناتج أنثى)xx(وليس ذكراً.)xy(
ولكن القصة لا تنتهي هنا، فبما أنهم يقولون: إنّ الذرية محصورة بآدم وحواء فالمفروض
أن يكون كل البشر متطابقين في كل شيء والفرق الوحيد بينهم هو فقط الجنس (أناث - ذكور)
أي المفروض أن نكون جميعنا نسخة واحدة لا يفرق بيننا سوى تحديد نوع الجنس، اللهم إلا
أن يقروا الطفر الجيني والتطور ويقولوا: إن هناك تطوراً أدى إلى تغير الخريطة الجينية، أي
بعد آدم وحواء حصل طفر جيني وتحول في صفات الذرية!
والحقيقة، إنّ أطروحتهم طريقها مسدود وهذا هو منفذهم الوحيد، ولكن هذا يعني أنهم
يعترفون بنظرية التطور، وهذا ينقض غزلهم وأطروحتهم أن حواء خلقت من آدم، حيث لا
يمكنهم أن يقولوا: إنهم يعترفون فقط بتطور بحدود الجسم الإنساني؛ لأن الانتواع أو التنويع
تحصيل حاصل لتراكم الطفر والانتخاب مع الزمن، فمن يقر الطفر وتبدل الصفات لا يمكنه
انكار الانتواع كنتيجة حتمية يصل لها مع مرور الزمن، فلا سبيل لقبول ربع أو نصف التطور
فإما قبوله كاملاً أو إنكاره جملة وتفصيلاً؛ حيث لا يوجد أي سبب منطقي للقول السفيه إن
التطور بحدود النوع الواحد ممكن ولكن لا يمكن أن يؤدي إلى إيجاد نوع جديد، فالذي يقول
هذا الكلام يقوله بسبب جهله بعلم الجينات وبعلم الأحياء التطوري.
يبقى أنه ربما يقول بعضهم: إنّ الجزء الذي أخذ من آدم بدلت كل خريطته الجينية ومن
ثم خلقت منه حواء، وهذا يعني أنه لو أخذت المواد الكيميائية التي بنيت منها خريطة حواء
الجينية من أي موضع آخر في الأرض فالأمر سواء، فما الداعي وما الحكمة أن تأخذ من جسم
آدم (عليه السلام) ثم تهدم وتبنى من جديد، أما كان الأولى أخذ المواد الأولية من أي مكان في
الأرض وتبنى خريطة حواء الجينية دون الحاجة إلى الهدم!
الحقيقة، إنه لا يوجد حل منطقي لهذه المعضلة سوى ما بينته في تفسير الآية وهو أن
القضية في السماء في جنة آدم (عليه السلام) ومتعلقة بالنفس وليس الجسد.
الذين يقولون: إنّ البشرية نتاج زواج أشقاء (زنا محارم) يعتبرون هذا الفعل الفاحش
الذي استنكره الأئمة (عليهم السلام) غير مخالف للفطرة.
يقول الطباطبائي:
«والدليل على أن الفطرة لا تنفيه من جهة النفرة الغريزية تداوله بين المجوس أعصارا
طويلة على ما يقصه التاريخ وشيوعه قانونيا في روسيا على ما يحكى وكذا شيوعه سفاحا
من غير طريق الازدواج القانوني في أوربا»(١).
أي إنّ الطباطبائي يقول: إنّ ممارسة بعض الناس لفعل معين فترة طويلة ونظم قانون
لممارسته بينهم دليل على أن الأمر غير مناٍف للفطرة الإنسانية أو النفرة الغريزية.
ولا أعتقد أني أحتاج التعليق على دليل بهذا المستوى من التهافت، غير أن ألفت الانتباه
إلى انتشار زواج المثليين (اللواط والسحاق)، وخصوصاً في هذا الزمن، حتى وصل الأمر في كثير
من دول العالم إلى تشريعه بقانون مدني، فهل لأن جماعة من الناس تمارس (اللواط
والسحاق) قانونياً في بعض الدول يكون غير مخالف للفطرة من جهة النفرة الغريزية على
طريقة الطباطبائي بالاستدلال؟!
وهنا عدة إشكالات يطرحها الملحدون على ولادة عيسى (عليه السلام) من مريم من غير
أب، ولعل أهمها:
كيف وجدت بويضة كاملة الكروموسومات (٤٦) كروموسوماً، مع أن الطبيعي أن يكون فيها نصف عدد الكروموسومات؟!!!!
كيف تحفزت البويضة الكاملة الكروموسومات للانقسام، مع أننا في المختبر في جنين
الاستنساخ فإنّ البويضة إذا بدلت نواتها بنواة مكتملة الكروموسومات فتحتاج لتحفيز خارجي
لتبدأ بالانقسام والنمو؟!
كيف نتج عنها ذكر مع أنها بيضة من أنثى، والطبيعي أن تكون كروموسومات الجنس
للأنثى هي)xx(وبالتالي لا يوجد فيها الكرموسوم)y(الذي يمكن أن ينتج عنه ذكر، أي إنّ
الأنثى لا يمكن أن تنتج ذكراً، والذي يحدد جنس الذكر هو الذكر؛ لأنه يحمل كرموموسومات
.)xy(
قبل أن نبدأ بالكلام عن رد هذه الإشكالات هناك أمر لابد من بيانه باختصار وهو جنس
الجنين وكيف يحدد، فالإنسان الطبيعي لديه (٤٦) كروموسوماً، وإذا كان أنثى فلديه
كروموسومي الجنس (xx)، وإذا كان ذكراً فلديه كروموسومي الجنس (yx)، فالأنثى العادية
يكون رمزها عادة)xx٤٦(والذكر العادي يكون رمزه عادة.)xy٤٦(
وانقسام الكروموسومات عند التكاثر يسبب توفر مجموعتين من الحيامن هما: نوع)x(
ونوع (y)، والبويضة تكون نوعاً واحداً وهو (x)؛ لأن الأنثى ليس لديها كروموسوم.)y(
وعند الاخصاب يتكون الجنين من اجتماع حيمن وبويضة.
فإذا اجتمع حيمن)y(وبويضة)x(يكون الناتج ذكراً.
وإن اجتمع حيمن)x(وبويضة)x(يكون الناتج أنثى.
هناك طفرة جينية تؤثر في مستقبلات الاندروجين أو كما تسمى متلازمة هرمون التذكير
لدى الجنين (xy٤٦)، وهذه الطفرة تحجم أثر الجين الجنسي الذكري، وبهذا يتكون جهاز
تناسلي أنثوي وبحسب نوع الطفرة ومدى أثرها في مستقبلات الاندروجين تكون حالة المصاب
بهذه المتلازمة، فقد يكون بأعضاء ذكرية وأنثوية غير مكتملة وقد يكتفي بأحدهما، ولكن
عموماً تكون هناك مظاهر أنثوية.
وإذا عانى الجنين الذي يحمل جينات ذكرية أي)xy٤٦(من متلازمة حساسية الاندروجين
مكتملة فإنه يكون أنثى من الخارج تماماً، وحتى يصعب تشخيص الحالة مبكراً دون فحص
دقيق عادة، فيكون لدى الجنين أعضاء أنثوية ظاهرية فهو أنثى عادة ولكنها بدون رحم
ومبايض أي أنها أنثى بجهاز تناسلي أنثوي غير مكتمل، وأيضاً لديها جهاز تناسلي ذكري ضامر
مدفون في البطن.
ما يهمنا هنا هو أنّ هذه المتلازمة دليل واضح على إمكان أن يكون هناك جنين (yx)، ولكن
لا أثر لكروموسوم)y(فيه تماماً، بحيث إنه يصبح أنثى مكتملة بأعضاء تناسلية تامة، وبهذا
فإنّ مسألة انتاج ذكر من خلايا هذه الأنثى دون تدخل ذكر يكون أمراً طبيعياً ومتوافقاً مع
العلم لأنها تحمل كروموسومات.)xy٤٦(
وبالنسبة لولادة عيسى (عليه السلام) من مريم (عليها السلام) نحن لا نقول: إنها مسألة
طبيعية تماماً، ولكن كل الإشكالات المتقدمة ليست من المستحيلات العقلية أو العلمية ويمكن
تفسير بعضها علمياً بسهولة.
فمثلاً: كون الأنثى لا تحمل كروموسوم)y(الذي يحدد جنس الجنين الذكر قضية
صحيحة، ولكن هناك نوع من الشذوذ الجيني أو ما يسمى متلازمة الاندروجين أو متلازمة
الحساسية من الاندروجين أو متلازمة مقاومة هرمون التذكير الاندروجين، وفي هذه المتلازمة
يكون الجنين يحمل الكروموسومات الجنسية)xy(ومظهره الخارجي أنثى، ونحن نقول: يمكن
أن تحدث هذه المتلازمة بصورة متطرفة مع جنين معين بحيث تكون أنثى بأعضاء تناسلية
مكتملة ومع هذا فهي.)xy(
وبهذا يحل إشكال أنّ الأنثى لا تنتج لوحدها غير الأنثى.
أما مسألة بويضة مكتملة الكروموسومات، فهذه مسألة يمكن أن تحصل نظرياً ويذهب
عدد كروموسومات كامل لبويضة معينة خصوصاً بالنسبة لحالة شاذة هي أنثى بمجموعة
كروموسومات.)xy٤٦(
وأما مسألة تحفيز البويضة على الانقسام، فيمكن أن يتم بواسطة حزمة من الاشعاعات
التي تحيطنا وتقصف أجسامنا من كل اتجاه وتسبب في بعض من الأحيان عندما تكون طاقتها كافية شذوذاً وطفراً جينياً لخلايا بعض الناس فيصابون بمرض السرطان، ومسألة تحفيز
البويضة على الانقسام بسبب خارجي مستخدمة فعلياً في المختبرات في عملية الاستنساخ حيث
في الاستنساخ بعد استبدال نواة البويضة بنواة خلية كاملة الكروموسومات يتم بعدها تحفيز
البويضة على الانقسام بصورة صناعية وبسبب خارجي في المختبر.
إذن، فهذه الإشكالات كلها مردودة، ويمكن أن تعلل علمياً وبصورة جيدة جداً.
وهناك إضافة إلى ما تقدم، متلازمة كلاينفيلتر وهي عبارة عن زيادة في عدد الكروموسومات
الجنسية الأنثوية (x)، فيكون عادة رمز المصاب)xxy٤٧(أو (xxx٤٧)، أي إنّ لديه كروموسوم
)x(زائد وهناك حالات متطرفة من هذه المتلازمة حيث يكون عدد الكرموسومات (٤٩)xxxxy
حيث تكون الأم مصابة بتضاعف كروموسوم (x)، فلما يصاب ابنها يكون مصاباً بتضاعف
مضاعف لكروموسوم (x)، وأيضاً هناك حالة يكون فيها خليط وفسيفساء كروموسومات
فيكون حال المصاب بمتلازمة كلاينفيلتر هو (xxy٤٧/xx٤٦)، وفي كلا الحالتين الأخيرتين
وخصوصاً الأخيرة نادرة الحدوث جداً يمكن أن نفرض أنها اجتمعت مع متلازمة حساسية
الاندروجين وكان ناتج اجتماع المتلازمتين أنثى مكتملة الأعضاء التناسلية وفي نفس الوقت
تحمل الكرموسوم)y(الذي لم يؤد أي دور في التأثير على جنس الجنين.