الفصول

الفصل الرابع: نظرية التطور والأدلة العقلية على وجود الرب أو الإله

وهم الإلحاد · أحمد الحسن

المصدر ↗

الفصل الرابع

نظرية التطور والأدلة العقلية

على وجود الرب أو الإله

نظرية النشوء والتطور أو الارتقاء لدى علماء علم الأحياء التطوري تعطي تفسيراً معقولاً
ومؤيداً بأدلة علمية على أنّ الحياة الأرضية بدأت من مواد كيميائية تجمعت بصورة قابلة
لنسخ نفسها، وهذه هي الناسخات الأولى التي تطورت تدريجياً خلال ملايين السنين، وبهذا فهي
تثبت أنّ المؤثر لنشوء الحياة الأرضية هو الطبيعة، أي أن المخلوقات الحية إذا اعتبرناها أثراً
فهي دالة على مؤثر، ولكنه ليس مؤثراً غيبياً بل هو مؤثر معروف لنا وهو الطبيعة الموجودة
بين أيدينا، فخالق هذه المخلوقات الحية هي الطبيعة وليس شيئاً آخر.

وبالتالي فمن ينظّرون للإلحاد يقولون:

لدينا تفسير كامل لكيفية نشوء الحياة على الأرض وتطورها، فلا نحتاج أن نفرض وجود
قوة خارج قوى الطبيعة المعروفة أو قوة غير مرئية أو إله لكي نفسر الحياة وتطورها على
الأرض، فنشوء الحياة من مواد غير حية أثبت ولو جزئياً في المختبر، والتطور والارتقاء أمر ثبت
بالأدلة العلمية، فالحياة الأرضية إذن نتاج طبيعي وليست نتاج وجود إله.

الحقيقة، إنّ التفسير العلمي للحياة الأرضية يثبت وجود إله وليس العكس؛ حيث لو تم
التدقيق في نظرية التطور (النشوء والارتقاء) فسنجد أنها عبارة عن عملية تنفيذ للخريطة
الجينية المقننة الهادفة، وهذا يجعلها دالة على مقنن هادف، وبالتالي فهي ليست فقط لا
تتعارض بل تتوافق تماماً مع الأدلة العقلية التي ساقها القرآن لإثبات وجود إله، وبالخصوص
دليل (صفة الأثر دالة على صفة المؤثر)، فالتطور هادف بمجموعه.

ولكن ما يفعله علماء علم الأحياء التطوري ودوكنز الذي يُنظّر للإلحاد هو خدعة تجزئة
لكيان واحد كبير، فالطبيعة - أو المحيط الذي نعيش فيه - ونحن كيان واحد، أو بعبارة أكثر
وضوحاً: الطبيعة والمتضاعفات أو النواسخ كيان واحد أو لنقل هي كلها عبارة عن عناصر
كيان واحد، وبالنتيجة مجموعها أو هذا الكيان هادف لا محالة، ولهذا فدوكنز عمد إلى تجزئتها
ليقول: انظروا إنها مجتمعة تظهر كأنها هادفة ولكنها في الحقيقة ليست كذلك!

إنّ ما فعله دوكنز هو كأنه غاص في داخل إنسان يركض باتجاه هدف معين ثم قال: انظروا
هذا القلب يضخ الدم بقوة؛ لأن العضلات تحتاج الأوكسجين والغذاء، والكلى تخلص الجسم
من اليوريا، والكبد يخلص الجسم من السموم، والمعدة تهضم الطعام و.. و.. و.. و..، وهذه
كلها لا تهدف لبقاء الجسم حياً بل إن أهدافها قصيرة بحدود عملها فقط، فهي عمياء لا ترى
حياة الجسم، فهي إذن ليست هادفة على المدى البعيد، إذن فلا يوجد هدف، في حين أن
الهادف هو مجموعها فالهدف للعمليات كلها وليس لبعضها.

وبالنسبة للتطور، فإنّ دوكنز ومن يريدون تسويق الإلحاد بما أنهم انطلقوا من الانكار
وليس التشكيك، فقد جزّؤوا التطور بنظرتهم وقالوا: انظر هناك طفر جيني عشوائي، وهناك
انتخاب طبيعي غير عشوائي هادف على المدى القصير، فقط حيث إنّ ما يحصل هو انتخاب
الأفضل والأقدر على العيش في المحيط الطبيعي، فلا يوجد إذن هدف نهائي أو بعيد المدى،
فالناتج النهائي أو الحالي حصل من تراكم نتاج هذه العملية مع الزمن، إذن فهي عملية عمياء غير هادفة في النهاية.

ولو أنهم لم ينطلقوا من الإلحاد والكفر بوجود إله وانطلقوا من الشك في وجود إله ونظروا
إلى التطور ككيان واحد لرأوا أنه يسير بنظام دقيق منتج كأفضل مصنع سباكة يمكن أن نراه،
ففي مصنع السباكة لا تخرج القطع من موقع الصب مصقولة عادة بل تجري عليها عدة
عمليات صقل وربما قطع حتى تخرج القطعة بشكلها النهائي المطلوب، والتطور كذلك. وأيضاً
لو أنهم نظروا له على أنه كيان واحد لحكموا من خلال كونه منتجاً على أنه هادف، فقد أنتج
التطور الذكاء وبالتالي الحكمة والإيثار والأخلاق، وفاقد الشيء لا يعطيه، فلو لم يكن هادفاً
ومن ورائه مقنن لما أنتج هذا الإنتاج القيّم.

ولكنهم للأسف يجزئون التطور وينظرون إلى أجزائه، وبالتالي لا يمكن أن يرون نتاجه على
أنه نتاج يخصه، هم يفعلون تماماً كمن يجزئ صناعة كبيرة إلى خطوط إنتاجية منفصلة ليتم
تشتيت نظر الباحث بأهداف قصيرة المدى لخطوط الإنتاج عن الهدف النهائي للصناعة ككل.

إنّ الرؤية يمكن أن تتم من زوايا مختلفة وبعض الأحيان زاوية الرؤية تغير ما تراه تماماً،
ومرشح للرؤية تضعه أمام عينك كذلك يغير الرؤية تماماً، فأنت لا ترى التجسيم في الخرائط
المجسمة إلا من خلال مرشح رؤية خاص أو لنقل زاوية رؤية معينة، وإذا كنت ترفض أن تنظر
من هذه الزاوية حتى على سبيل التجربة فأكيد أنك لن ترى الخريطة مجسمة أبداً رغم أنها
خريطة مجسمة وعشرات غيرك يرونها مجسمة.

فالتطور عملية معقدة ومركبة تجري ككيان واحد هادف، فالطفر الجيني والطبيعة
المحيطة والتكاثر كلها أجزاء كيان واحد هادف وهو التطور، وما فعله علماء علم الأحياء
التطوري هو أنهم جزّؤوه لغرض البحث العلمي ونظروا إلى هذا الكيان على أنه أجزاء منفصلة،
ومن أراد تسويق الإلحاد مثل د. دوكنز وظَّفَ تقسيم التطور إلى طفر جيني وانتقاء طبيعي
لصالح إلغاء كون التطور هادفاً ليقول: انظروا ما لدينا فقط أهداف قصيرة المدى ولا يوجد
هدف بعيد المدى أو نهائي، إذن فلا يوجد وراء هذه العملية قوة مدركة، إذن لا يوجد إله،
ولكن الصحيح هو أن ننظر إلى الكل وما وصل إليه الكل لنرى بوضوح أنه هادف.

وللأسف فإنّ د. دوكنز وكل من يوظف نظرية التطور لإثبات الإلحاد يحاولون إغماض
أعينهم عن رؤية الإشارات الواضحة إلى قانونية التطور ككل والتي تظهر لهم جلية أثناء بحثهم في أجزاء التطور المفككة، فهم مجبرون على رؤية الأهداف قصيرة المدى وإمكانية نسبتها
للانتخاب الطبيعي أو حتى الجينات، وهم يقرون مجبرين أنّ مسألة التطور على المدى القصير
قانونية وليست عشوائية، فهناك على الأقل قانون البقاء للجينات المفضلة فأكيد أنّ هناك
جينات خرجت من السباق وهناك جينات بقيت وترسخت وصقلت كالجينات التي أفادت القوة
أو السرعة أو الدماغ والذكاء.

لدينا جينات وطفر جيني وقانون البقاء للجينة الأفضل أو يمكن أن نقول: للكائن الأفضل،
فالفرق بين الجينة والكائن كالفرق بين خريطة بناء البيت والبيت نفسه وقانون البقاء للجينة
المفضلة يصقل هذه الجينات، ونحن نعلم الآن بشكل قطعي أن آلة البقاء الأفضل بالنسبة
للحياة الأرضية على الاطلاق هي آلة الذكاء (الدماغ)، ورغم أن كلفة آلة الذكاء أو الدماغ
الاقتصادية عالية جداً على الكائن الحي حيث إنه يحتاج كمية غذاء كبيرة ولكن التطور
بالنتيجة مُجبَر على أن يسير بهذا الاتجاه أي أن يطور آلة الذكاء.

فطالما أنّ الطفر الجيني موجود منذ البداية فلابد أن تتوفر جينات بناء آلة الذكاء (الدماغ
مثلاً) عاجلاً أم آجلاً حتى وإن كان الطفر الجيني عشوائياً تماماً.

وبما أنّ قانون البقاء للجينات الأفضل أو للكائن الأفضل(١) هو الحاكم في عملية التطور،
إذن فالنتيجة أننا الآن يمكننا الجزم بأن التطور منذ البداية متجه وهادف لإنتاج جينات آلة
ذكاء أو كائن ذكي، فالتطور إذن هادف.

وأعتقد أنّ هذا الاستدلال التام كاٍف لنقض نظرية د. دوكنز الإلحادية ضمن نطاق الحياة
الأرضية القائمة على أن التطور غير هادف على المدى البعيد.

والحقيقة، إننا لو أردنا التوسع في حكمنا المتقدم أكثر ونعمم الحكم على أي نوع حياة
يمكن أن نتخيله فيمكننا أن نجزم - بناءً على قانون التطور المعتمد على طفر المتضاعفات أو
آلات النسخ وانتخاب الأفضل منها - أنّ أي حياة سواء كانت كحياتنا الأرضية - مبنية على الماء
والكربون والنتروجين والمواد الكيميائية الأخرى - أم كانت في كوكب آخر أو كون آخر ومبنية
على الأمونيا بدل الماء، أم على السليكون بدل الكربون - لأنه قادر على تكوين سلاسل طويلة
كالكربون - فستكون نتيجتها الحتمية هو إنتاج آلة الذكاء، هذا هو الهدف الحتمي للتطور
بحسب القانون الذي نعرفه الآن، ولا يمكن أن تحيد أي حياة أو متضاعفات أو آلات نسخ
وتطور عن الوصول إليه عاجلاً أم آجلاً.

مع العلم أنّ المتوقع من أي حياة أخرى في كوننا الاعتماد على الماء والكربون؛ لأن الماء
يعتبر حالة سائلة مثالية لاستضافة الحياة حيث تقل كثافته عند الانجماد ويطفوا وبهذا
يسمح الجليد للحياة أن تستمر في الماء السائل تحته وهذه العناصر الأربعة الهيدروجين
والأوكسجين والنتروجين والكربون هي الأكثر وفرة في الكون والكربون دون غيره قادر على
تشكيل سلاسل ضعيفة يمكن أن تكسر بسهولة وهذا مناسب للأيض والحياة بعكس سلاسل
السليكون.

هكذا نكون قد وصلنا إلى فصل الخطاب وحسم الخلاف حول إمكان إثبات وجود رب أو
إله بحسب نظرية التطور، فقد أثبتنا للحياة صفة الهدف وأنها هادفة والتطور هادف، وحيث
إنّ صفة الأثر دالة على صفة المؤثر فيثبت للمؤثر صفة أنه هادف ومدرك وعالم، وبهذا أثبتنا
وجود مؤثر هادف ومدرك وعالم، وبالنتيجة يثبت وجود رب أو إله سواء كان هو المؤثر المباشر
أم كان المؤثر المباشر أثراً من آثاره دالاً عليه بصفته أيضاً، أي صفة الهادف التي أثبتناها،
وهذا بحد ذاته كاٍف لنقض النظرية الإلحادية الحديثة المبنية على أساس أنّ التطور غير
هادف على المدى البعيد.

قلت: إنّ التطور يهدف الوصول إلى آلة ذكاء؛ لأن آلة الذكاء هي آلة البقاء الأفضل على الاطلاق في منافسة البقاء المحتدمة بين الجينات، ومع أنّ وجود سبعة مليارات إنسان على
الأرض اليوم كاٍف لإثبات هذه الحقيقة، ولكن لا بأس في مناقشة هذه الحقيقة باختصار
للتوضيح، فنحن حتى لو فرضنا أن الطفر الجيني عشوائي منذ البداية سنقول إنه حتماً لابد
أن يوفر جينة مؤهلة لبناء آلة ذكاء، وليس المقصود بآلة الذكاء هنا الدماغ الحالي للإنسان
والحيوانات بل مقصدنا أي شيء يمكن أن نتصوره كبداية للدماغ مثل خلية عصبية واحدة،
وأكيد أنّ من يمتلكون آلات الذكاء هم المفضّلون في المنافسة وسيكون نصيبهم من البقاء أكبر
ومن ثم لو انتقلت المنافسة بين من يمتلكون آلات الذكاء فستكون الكائنات التي تمتلك آلة
ذكاء توفر ذكاءً أكبر هي الفائزة في سباق البقاء للأفضل وهكذا، ففي التطور بداية آلة الذكاء
حتمية وتحسين آلة الذكاء مع الزمن أيضا أمر حتمي، وبهذا يمكننا أن نقول: إنّ آلة الذكاء
هدف حتمي للتطور أي يمكن أن نختصر ونقول التطور يهدف الوصول للذكاء.

وأود التنبيه إلى أني لا أقول: إنّ أي منافسة تجري بين الأفراد ستكون نتيجتها لصالح
الفرد الذكي بل حتى بين الأنواع، ولكني أقول: إنّ جينة بناء آلة الذكاء هي المفضلة في المنافسة
وهي الفائزة في السباق حتماً.

فالفرد الأذكى أو الذي يمتلك آلة ذكاء أفضل ربما يخسر أمام فرد أقل ذكاءً أو يمتلك آلة
ذكاء أدنى أو حتى لا يمتلك آلة ذكاء نتيجة حيثيات المواجهة وظروفها.

والنوع الذي يمتلك آلة ذكاء أفضل ربما يخسر في المنافسة على البقاء أمام نوع يمتلك
آلة ذكاء أدنى نتيجة حيثيات المواجهة وظروفها.

ولكن جينة بناء آلة الذكاء متى ما وجدت ودخلت إلى مجموع الجينات التي تبني الكائنات
الحية، فلا يمكن أن تخسر في المنافسة أمام الجينات الأخرى، ولا يمكن أن تخرج من مجموع
الجينات العاملة على بناء الكائنات الحية بل ستتقدم وبتسارع ملحوظ يزداد مع الزمن؛ لأن
الفرق بينها وبين الجينات الأخرى في المنافسة على البقاء أو التقدم واحراز موقع الصدارة كبير.

والمنافسة بين الجينات لا تتوقف عند المنافسة على البقاء، بل هناك منافسة بين
الجينات على موقع الصدارة في المجموعة الجينية التي تبني أجسام الكائنات الحية، فهي تسعى
لتكون الأكثر عدداً حتى وإن كان تنافسها بصورة غير واعية ولا مدركة، بل هو تنافس يمر من
خلال قانون التطور العام وخاضع له.

ما تقدم في هذا الفصل كاٍف لإثبات أنّ التطور هادف وبالتالي إثبات أنّ من ورائه من
يريد الوصول إلى هذا الهدف، وبالنتيجة أثبتنا وجود إله ضمن قانون صفة الأثر دالة على
صفة المؤثر، فالأثر الذي هو الحياة الأرضية أثبتنا أنها تتصف بأنها هادفة، وبهذا أثبتنا صفة
طلب الهدف والادراك لمؤثرها، وبهذا أثبتنا وجود إله مدرك عالم. ولكن مع هذا سأناقش في
بقية هذا الفصل مسألة أنّ التطور هادف حتى من منظور التجزئة بل سأركز عليه؛ لأن علماء
الأحياء يعتمدون مسألة تجزئة التطور والملحدون منهم يصرون على النظر من زاوية التجزئة
فقط رغم أني أراها زاوية تساوي العور والنظر بعين واحدة.

أما بالنسبة لدليل (العدم غير منتج) فلابد من الانتباه إلى أنّ الأثر الذي يجب أن نناقشه
للدلالة على الله كمؤثر هو أصل الكون الجسماني وما بعده، وهذا لا يكون الكلام فيه بحدود
نظرية دارون أو علم الأحياء، بل يمكن نقاشه علمياً في حدود بحوث ونظريات الفيزياء التي
تختص بالكون وكيفية نشوئه، وهذا الأمر سيتم مناقشته في الفصل السادس بالتفصيل.

ومنه دليل التقنين: فوجود القوانين في الأثر دالة على أنّ مؤثره مقنّن، وبالتالي دال على
مؤثر عالم، وهو المطلوب إثباته.

ومنه دليل النظم: فوجود النظام في الأثر دال على أنّ مؤثره منظّم، وبالتالي دال على مؤثر
عالم، وهو المطلوب إثباته.

ومنه دليل الهدف: فوجود هدف للأثر دال على أنّ مؤثره هادف، وبالتالي دال على مؤثر
عالم، وهو المطلوب إثباته.

ومنه دليل الحكمة: فاتصاف الأثر سواء كان قولاً أو فعلاً بالحكمة دال على أنّ مؤثره
حكيم وعالم، وهو المطلوب إثباته.

وملخص الاستدلال هو:

عندما نجد شيئاً منظماً نعلم أنّ مؤثره عالم قادر على التنظيم وبالتالي يثبت وجود المؤثر
المنظم العالم، وعندما نجد قولاً أو فعلاً يتصف بالحكمة نعلم أنها صدرت من حكيم وبالتالي
يثبت وجود المؤثر الحكيم، مثلاً: عندما نجد أن مجموعة أشجار مثمرة مزروعة بانتظام نحكم
بأن من زرعها يتصف بأنه مُنظّم وهادف وبالتالي نحكم أنه عالم ومدرك لما يفعل فنقول: إنه
إنسان مثلاً، وعندما نجد غابة فيها مجموعة أشجار عشوائية وغير منتظمة تدلنا صفة
عشوائية الأشجار فيها على أن الإنسان لم يقم بزراعتها.

وهذا الدليل عموماً يمكن أن يكون بعض تطبيقه ضمن حدود الحياة الأرضية وأمثلته
كثيرة خصوصاً بالنسبة للكائن الإنساني واعتبار أنه يتصف بصفات خاصة تدل على أن مؤثره
الأصلي عالم قادر على التنظيم وهادف، ويمكن أن تكون لهذا الدليل علاقة بنظرية التطور.

هناك ولا شك حزمة قوانين فيزيائية تحكم الكون، والقانون يعني أنّ هناك مقنناً، كما
أنّ القانون ولا شك يؤدي إلى النظام، والنظام يعني أنّ هناك منظماً.

وليتبيّن الأمر أكثر أضرب هذا المثل:

وهو أننا عندما نجد أنّ هناك تقاطع طرق وفيه إشارات مرور تنظم مرور السيارات في
التقاطع نعلم أنّ هناك قوة مدركة عالمة منظمة مريدة لهذا النظام هي التي وضعت هذه
الاشارات المرورية، وبنفس الطريقة نقول: إنّ قانون الجاذبية دال على واضعه، وكذا القوى
الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة والقوية على مستوى وجودها وعلى مستوى قدرها،
فكلها تفرض قوانين مرور كونية كما في تقاطعنا المذكور، ولولا أنها بهذا القدر لما وجدت المادة ولما وجدنا نحن في هذا الكون، فهل من المعقول أننا عندما نرى اشارات المرور البسيطة نحكم
بوجود شرطة مرور أو بلدية وضعت اشارات المرور في التقاطع لتنظيم المرور ونحكم أنّ من
وراء هذه الشرطة حكومة تنظم عملها، ولا نحكم أنّ هناك قوة حكيمة عالمة هي التي وضعت
القوانين الكونية التي وجدناها وثبتت لنا علمياً ووجدنا أنها تنظم وتحكم المرور في الكون كله؟!

العاقل يحكم ولا شك بوجود منظم وضع هذه القوانين التي تنظم الكون، أما الذي يصر
على إنكار المنظم الحكيم العالم فإصراره والحال هذه مجرد عناد ولجاج مقيت يدل على أن
صاحبه لا يختلف كثيراً عن أولئك الذين كانوا يصرون على أن الأرض لاتدور.

فهل كل هذا النظام بلا منظم؟! عجبت والله ممن يعتقد هذا، ومع ذلك يقول: إنّ من
وضع الاشارات الضوئية هم شرطة المرور أو إدارات الطرق وكان عليه أن يكون منصفاً مع
نفسه ويمرر عشوائيته هنا أيضاً ويقول: إنّ اشارات المرور صنعت نفسها بنفسها وجاءت
بنفسها إلى التقاطع، فهل من العقل أننا نرى نظاماً وقوانين في موضع فنقول: إنّ هناك منظماً،
ونرى النظام والقوانين في موضع آخر ونقول: لايوجد منظم عالم قد وضعها؟!!!

ولو اختصرنا دليل صفة الأثر دالة على صفة المؤثر وبالتالي على وجود المؤثر المتصف بها
نقول:

لدينا - نحن والملحدون - عندما ندخل إلى محكمة العقل الإنساني:

الأثر = الكون، صفة الكون = قانون ونظام، صفة المؤثر = مُنظم عالم، المؤثر = مجهول.

فنحن تتبعنا الكون في العلوم الحديثة فعرفنا صفته، وهذه الصفة عرفتنا بصفة
الموصوف الذي أظهرها للوجود، فتبين من صفته أنه منظم (مقنن)، وبالتالي فهو مدرك وعالم.

الآن ثبت أنّ هناك مؤثراً يتصف بأنه منظم ومدرك وعالم.

إذن، فنحن أثبتنا وجود المنظم العالم الذي قنّن الكون (وبالنسبة لنا: فهو المطلوب
إثباته).

لا شك أنّ حزمة القوانين الفيزيائية الكونية أيضاً حاكمة على الأرض وفي الأرض وبهذا
يصلح أن تساق كدليل هنا أيضاً، فالقوانين هي سبب هذا النظام المنتج، والطبيعة التي تقوم
بالانتخاب ما هي إلا نتاج لهذه القوانين وبالتالي فهي مبنية على قوانين صارمة ومقننة، ولا
يمكن أن يقال: إنها عشوائية وغير مقننة، والنتيجة فانتخاب الطبيعة للأشكال المناسبة أو
الأنسب مقنن أو مرتكز على قوانين، وما دام هناك قوانين فيزيائية على الأقل هي واضحة لنا
وبقدر لا بأس به في المستوى الذري وما دون الذري وهو مستوى تعتمد عليه الحياة ويشكّل
الحياة على الأرض، فإذن هناك مقنّن، وهو المطلوب.

وهذا أمر واضح، لهذا نكتفي بهذا البيان له هنا وسنعرض له في مواضع أخرى، وسنعرض
فيما يأتي إلى ثلاثة أمور أخرى تتعلق بالحياة الأرضية بالخصوص هي:

- الخريطة الجينية.

- وقانون التطور أو الارتقاء بالانتخاب الطبيعي.

- والهدف من التطور أو الارتقاء بالانتخاب الطبيعي.

يمكن تعريف الجين بأنه معلومة معينة مكتوبة بلغة ذات نظام رباعي من النوكليوتيدات
يمكن أن تنتقل بالنسخ - عبر الأجيال - كاملة أو مجزأة.

وكما أنّ نظام أو لغة الكمبيوتر ثنائية وهي عبارة عن لغة صفر واحد، كذا اللغة الجينية
رباعية تتكوّن من أربعة أنواع من النوكليوتيدات ويرمز لها بالأحرف الأربعة (G_C_T_A)، وهذه
النوكليوتيدات تترتب بسطرين طويلين ملتفين ومترابطين لتكوّن الكروموسوم، فالكروموسوم
عبارة عن ملف كبير يحوي معلومات كثيرة مكتوبة بلغة رباعية نوكليوتيدية، وهذه المعلومات
تسمى الجينات، والجينات هي التي تعطي لكل كائن حي شكله ونظام عمله وشكل ونظام عمل كل جزء فيه من الشعر والجلد وشكل الأصابع والأطراف وحتى القلب والدماغ والجهاز الهضمي
والتنفسي ومن الأوراق والزهور والثمار وحتى الجذور.

فالجينات هي عبارة عن لغة نقل لخريطة عندما يتم تنفيذها يتكون الكائن الحي وعندما
يتم تنفيذ بعضها يتكون جزء من الكائن الحي، فكل إنسان مثلاً لديه في كل خلاياه خريطة
جينية موحدة ولكن وهو جنين في بطن أمه عندما كان يُراد تنفيذ الكبد يعمل جزء من هذه
الخريطة وينفذ فيتكون الكبد وعندما يراد تنفيذ القلب يعمل جزء آخر من هذه الخريطة
الجينية وينفذ القلب وهكذا الأمر بالنسبة للغدد.

ويمكن تصور أن يظهر جين جديد في المجموعة الجينية المنتشرة على الأرض بطرق:

أولاً: عندما يحصل طفر أثناء عملية نسخ الجين فيتم تبديل أحد النوكليوتيدات بآخر أو
لنقل أحد الأحرف الأربعة بآخر فيتغير الجين ويصبح أمراً آخر وكلمة جديدة، فمثلاً: لو كان
عندنا جين تسلسله التالي)AAAGCCCTGCCC(فتحصل طفرة ويتبدل أحد أحرف A بآخر
وهو G فيصبح الجين الجديد (CCCGTCCCGGAA)، وبعضهم يعلل الطفر الذي يحصل هنا
بأنه خطأ في النسخ.

وثانياً: عندما يحصل طفر جيني نتيجة انفصال مقطع جيني سواء كان يمثل جزءاً من
جين أو جيناً كاملاً أو حتى أكثر من جين، وهذا المقطع الجيني الذي هو عبارة عن مجموعة
نوكليوتيدات إما ينقلب في مكانه، أو أنه ينتقل إلى موضع آخر في نفس الكروموسوم، أو أنه
ينتقل إلى كروموسوم آخر ويرتبط به، وبحسب الأمر الأخير يكون ما حصل كأنك أخذت صفحة
أو مجموعة صفحات من كتاب الفيزياء ووضعته في كتاب آخر مثل التاريخ أو الرياضيات أو
الكيمياء.

ثالثاً: انتاج جينات جديدة أثناء عملية التكاثر الجنسي نتيجة مقايضة الجينات الأصغر
بين مجموعتي الأب والأم الجينيتين.

فمثلاً: أي طفل يأخذ من أبيه عن طريق الحيمن ٢٣ كروموسوماً ومن أمه عن طريق
البويضة ٢٣ كروموسوماً، وهذه الكروموسومات الثلاث والعشرون في الحيمن هي عبارة عن
خليط من كروموسومات الأب الـ ٤٦ التي حصل على نصفها من أمه ونصفها من أبيه فلديه كروموسوم مكرر من ناحية التخصص والعمل فيكون عنده كروموسوم ١م من الأم
وكروموسوم ١ ب من الأب يحملان معلومات مختلفة لكن عن الأجزاء نفسها فمثلاً: إذا كانت
الجينة رقم ١ في الكروموسوم ١م مسؤولة عن تركيب الجلد فتكون أيضاً الجينة رقم ١ في
الكروموسوم ١ب مسؤولة عن تركيب الجلد ولو كانت الجينة ١-١ م مسؤولة عن لون الجلد
فتكون الجينة ١-١ ب مسؤولة عن لون الجلد أيضاً وكل منهما تعطي لوناً مختلفاً، وما يحصل
عندما ينتج الجسم الحيمن أنه لا يضع فيه كروموسومات الأب كاملة (الكروموسومات ب)
ولا كروموسومات الأم كاملة (الكروموسومات م)، بل كل كروموسوم في الحيمن يكون عبارة
عن ملف جديد تماماً يحمل بعض الصفحات من كروموسومات أم الرجل (م) وبعض
الصفحات من كروموسومات أبيه (ب) بحيث إنّ الكروموسوم الجديد لا يشبه أي كروموسوم
للرجل بل هو كروموسوم جديد يحمل المعلومات بترتيب جديد وكل حيمن ينتجه الرجل يحمل
مجموعة كروموسومات جديدة ومختلفة عن الآخر ويعطي الحيمن الذي يقوم بتلقيح البويضة
للجنين كروموسومات جديدة لا تشبه كروموسومات أبيه ولا جده لأبيه ولا جدته لأبيه، وكذا
بالنسبة للبويضة فعندما تنتج المبايض البويضة تقوم بنفس الشيء فتأخذ نصف الـ ٤٦
كروموسوماً التي ورثتها المرأة عن أمها وأبيها ولكن كل كروموسوم من الـ ٢٣ التي ستحتويها
البويضة لن يكون أحد كروموسومات أم المرأة (م) ولا أحد كروموسومات أبيها (ب) التي ورثتها
عنهما بل سيكون كروموسوم جديد عبارة عن خلطة من الاثنين المتماثلين القائمين بالمهمة
من الـ ٤٦ كروموسوماً أي أن الكروموسوم الجديد هو كتاب جديد يحوي صفحات من
الكتابين القديمين لأب وأم المرأة.

وللتوضيح أكثر: لنعتبر الكروموسومات عبارة عن كتب مدرسية، فكل إنسان سواء كان
رجلاً أم امرأة لديه ٢٣ كتاباً من أبيه و٢٣ كتاباً من أمه في كل خلية من خلايا جسمه، وكل
كتاب حصل عليه من أبيه يوجد له نظير حصل عليه من أمه ولكن المحتوى مختلف، فمثلاً:
لديه كتاب جغرافيا من الأب وكتاب جغرافيا من الأم ولكن محتواهما مختلف، ولديه كتاب
تاريخ من الأب وكتاب تاريخ من الأم مختلفان، وكتاب فيزياء من الأب وكتاب فيزياء من الأم
مختلفان وهكذا حتى نصل الى ٢٣ زوجاً، وعندما ينتج الرجل الحيمن فإنه يضع فيه فقط ٢٣
كتاباً (كروموسوم)، وبهذا فهو يأخذ كتاب الجغرافيا الذي حصل عليه من أبيه ولكنه لا يضعه
كما هو في حيمنه بل يرفع منه بعض الصفحات ويأتي بصفحات من كتاب الجغرافيا الذي
حصل عليه من أمه ويضعها بدل الصفحات المرفوعة في كتاب جغرافيا الأب، وبنفس الطريقة
توضع صفحات الأب المرفوعة في كتاب جغرافيا الأم كتعويض عن الصفحات التي رفعت، وبهذا نحصل على حيامن تحمل فقط ٢٣ كتاباً ولكنها ليست ككتب الأب ولا الأم، بل هي شيء
جديد عبارة عن خلطة بين الاثنين.

مخالفنا أو من يريد إنكار وجود الله لا يمكنه أن يثبت بدليل قاطع أنّ الطفر الجيني أو
التغيير المستمر في الجينات والذي يتمحور حوله التطور هو تغير أو طفر عشوائي دائماً كما
يدعي، وغاية ما في الأمر أنه يعتبره عشوائياً؛ لأنه لم يثبت لا عشوائيته، وهذا يعني أنّ كلا
الاحتمالين وارد علمياً، فيمكن أن نقول: إنه عشوائي، ويمكن أن نقول: إنه لاعشوائي بل
قانوني ومنظم أو أنه خليط من عشوائي ولا عشوائي ضمن سلسلة الاحتمالات الكبيرة جداً
التي تحتملها سلاسل الحوامض الأمينية.

ولتتوضح هذه النقطة أكثر، أي ابتداءً إنّ احتمالية لا عشوائية الطفرة الجينية يساوي
احتمالية عشوائيتها.

أقول: إنّ عدد احتمالات الطفرات الجينية المحتملة في الطبيعة هو عدد هائل، حتى
يمكننا أن نقول إنه عدد لا يسعه عمر الحياة إلى الآن، بل عمر الكون أمامه ضئيل جداً، ولا
أعتقد أنّ هناك ضروروة لإعادة الأرقام الفلكية والهائلة المتعلقة بالجينات والتي بينت بعضها
في الهيموجلوبين، وهذا العدد الهائل يجعل من المستحيل بالنسبة لنا نحن المحددين بهذا
العمر تمييز النظام واللاعشوائية لو كانت موجودة، فنحن إنما نعرف أنّ هناك لا عشوائية في
الطفر أو التغير الجيني من خلال تكرر الطفر بانتظام بحيث يقرأ لنا هذا التكرار لا عشوائية
النظام، وبما أنّ هذا التكرار المنتظم ليتحقق يحتاج فترة زمنية هائلة أكبر من حدود الزمن
التي نعرفها فضلاً عن أن تقع في حدود الزمن التي يمكننا مراقبتها، إذن فيستحيل أن نحكم
بقطع وجزم بلا عشوائية الطفر أو التغير الجيني الذي يتمحور حوله التطور، أو أن نحكم
بعشوائيته كما فعل دكتور دوكنز؛ لأن إثبات العشوائية أيضاً يحتاج أن نفحص نفس الدورة
الزمنية الهائلة لنثبت عدم التكرر والعشوائية، ولا يكفي وجود بعض الطفرات العشوائية
للحكم، فقطع د. دوكنز وغيره من علماء الأحياء والجينات بالعشوائية التامة هنا مجرد مجازفة
لا دليل علمي عليها إلا وجود بعض الطفرات العشوائية نتيجة القصف الاشعاعي للحمض النووي مثلاً بينما وجود هذه الطفرات العشوائية ليس دليلاً على أن كل الطفر الجيني
عشوائي.

إذن، فالأمر بالنسبة لنا وبحدود الحياة التي نعرفها مشكك بين العشوائية واللا عشوائية
ولا يوجد أي سبب علمي لترجيح العشوائية، وبما أنّ القطع بعشوائية الطفر أو التغير الجيني
غير ممكن وغير صحيح فيثبت بالتبع أنّ القطع بأن التطور أعمى أو لا يرى الهدف النهائي
مجرد حكم جزافي بلا دليل عليه.

إذا انتهينا من هذا الأمر نقول: الآن وصلنا إلى أنّ الجزم بأنّ التطور غير هادف قد تبين
أنه مجرد حكم جزافي بلا قيمة علمية حقيقية، إنما هو مبني على نفي إمكانية إثبات عكسه
فقط، فهل من المعقول مثلاً عندما لا تتوفر لدي أدلة كافية لإثبات أن د. دوكنز ملحد أقوم
بالحكم عليه بأنه مؤمن؟!

في الحقيقة، إنّ هذا هو ما فعله د. دوكنز بالنسبة لتغير الخريطة الجينية أو الطفر الجيني
الذي يمثل الركيزة الأساسية للتطور، والذي يمكن أن يشكّل أحد أصول النزاع بيننا وبين د.
دوكنز وبعض العلماء الملحدين حيث إنّ إثبات قانونية ولا عشوائية التغير أو الطفر الجيني
يعني أنه مقنن وهادف وبالنتيجة يعني وجود إله قنّنه ويريد تحقيق غاية معينة منه، والعكس
أيضاً يحتاج إثباتاً وهذا ما تجاوزه دوكنز وكرر مرات أنّ التغير الجيني أو الطفر الجيني عشوائي
دون أي دليل علمي هكذا فقط لأنه يريد إنكار وجود إله فقد قرر الحكم بعشوائية الطفر أو
التغير الجيني من ألفه إلى يائه بناءً على طفرات عشوائية يمكن أن تحدث بسبب الانقسام
الجنسي لإنتاج خلايا جنسية أو بسبب خطأ في النسخ أو بسبب القصف الاشعاعي الكوني.

إذن، الحكم بعشوائية ولا عشوائية التغير أو الطفر الجيني يجب أن يأتي من الخارج،
والموجود في الخارج وهو نتيجة التطور التي نعرفها ونراها ترجح أنّ الطفر أو التغير الجيني
حصل ويحصل ضمن قانون ولا عشوائي.

فالخريطة الجينية الأولى مركبة وفق قانون قد أدى إلى نظام متكامل هو الحياة والايض
والقدرة على انتاج الطاقة والتكاثر والسير نحو التحسين وتسارع الطفر الجيني عند التنويع
وسكونه أو بطئه في فترات أخرى أو أنواع أخرى وفوق هذا كله أنتج آلة الذكاء، فلا يمكن
الحكم بأنّ الخريطة الجينية بلا مقنّن رغم أنها مقننة، ولا يمكن أنها بلا منظم رغم أنها منظمة، ولا يمكن أنها بلا متكلم رغم أنها لغة تفهمها وتترجمها مصانع الحياة في الخلية إلى بروتينات
مثلاً، وسيأتي التفصيل.

«فالاشياء الحية هي مجموعة من الجزيئات، مثل اي شيء اخر وما هو خاص هو أن
الجزيئات توضع معا في أنماط على درجة من التعقيد أكبر كثيرا مما في الاشياء غير الحية،
ووضعها معا هكذا يتم باتباع برامج، أي مجموعات من التعليمات عن كيفية النمو، تحملها
الكائنات الحية معها من داخل انفسها. ولعلها بالفعل ترعش وتخفق وتنبض بالاستثارة
وتتوهج بالدفء الحي ولكن هذه الخصائص كلها تنبثق اتفاقا اما ما يكمن في لب كل شيء
حي فهو ليس باللهب، ولا بدفء الانفاس، ولا بشرارة الحياة. إنه المعلومات. والكلمات،
والتعليمات. وإذا اردت استعارة من مجاز فلا تفكر في النيران والشرر والانفاس. وانما فكر
بدلا من ذلك في بليون من الاحرف المرقومة المحفورة في اقراص من البللور وإذا اردت
ان تفهم الحياة فلا تفكر في هلاميات ونزات رعاشة خفاقة وإنما فكر في تكنولوجيا
المعلومات»(١).

التطور أو الارتقاء بالانتخاب أو الاصطفاء الطبيعي له أركان ثلاثة هي (تمايز - انتخاب -
وراثة)، وحدّه الداخلي هو التمايز والوراثة وحدّه الخارجي وهو البقاء للأصلح أو انتخاب
المحيط الطبيعي للأصلح، ولهذا فيمكن أن نقول: إنّ الارتقاء بالانتخاب الطبيعي هو عبارة عن
عملية مقننة ولأنها تتضمن عدة قوانين تحكمها فيمكن أن نقول: إنها عملية دقيقة يحكمها
دستور(٢) فيه عدة قوانين، وسنثبت كيف أنه قانون دقيق ودستور دقيق ولابد أن يكون هناك
مقنن وضعه ليصل إلى هدف معين ومحدد إن شاء الله.

الانتخاب الطبيعي يكون بواسطة المحيط، فأما أن يكون بواسطة الطبيعة المحيطة
كالظروف الجوية من حر وبرد ورطوبة وثلج ومياه عميقة وأخرى ضحلة ومياه نقية ووحل، أو
أن يكون بواسطة العداوة أي من خلال الآكل والمأكول أو الرغبة مثل الانتخاب الجنسي.

وانتخاب الظروف الجوية والطبيعية أمر يرجع إلى القوانين الفيزيائية المؤثرة في الأرض
والكون ككل، وهذه القوانين أكيد أنها تدل على مقنن.

أما الانتخاب الطبيعي وفق آلية الانتخاب بالعداوة أي عداوة الآكل والمأكول، فهو أيضاً
قانوني ويدل على مقنن، فعلى مستوى آكلات العشب تقوم هي بتطوير جهاز تغذية وهضم
مناسب لطعامها، وأيضاً تقوم الأعشاب بتطوير أدوات حماية كالشوك، وعلى مستوى آكلات
اللحم تقوم هي بتطوير آلات الصيد كالسرعة والأنياب وقوة النظر والتخفي، بينما الفرائس
تطور قدرتها على التخفي والسرعة واختيار أوقات مناسبة للطعام، وهكذا تجد أنّ الكائنات
الحية يشحذ بعضها بعضاً ويطور بعضها بعضاً، وهذا الأمر كوحدة متكاملة لا يمكن القول
بعشوائيته بل هو يمثل نظاماً قانونياً وبالتالي فهو دال على منظم ومقنن.

أما الانتخاب الجنسي فيكون مثلاً عندما تختار أناث بعض الطيور الذكر المميز بالريش
الأطول أو الأزهى ألواناً.

ونحن عندما نرى جهازاً مركباً ومعقداً مثل التلسكوب أو المايكروسكوب نحكم بأنّ هناك
مصمماً صنعه وقانوناً حَكَمَ تصنيع هذا الجهاز المركب، فمن غير المعقول أن لا نحكم بنفس
هذا الحكم عندما نرى جهازاً مركباً ومعقداً آخر يشبهه بدرجة ما، وهو العين وسأترك وصف
العين لعالم الأحياء الملحد ريتشارد دوكنز ليصف لنا العين كما يراها كمتخصص:

«وهذا المستوى من التكبير يبين العين كالة للإبصار. ووجه الشبه بالكاميرا واضح.
وحجاب القزحية مسؤل عن التغير المستمر للفتحة ونقطة البؤرة. أما العدسة، وهي في
الواقع جزء فحسب من نظام عدسي مركب، فمسئولة عن جزئية التغيير في ضبط البعد
البؤري. فالبؤرة تتغير بانقباض العدسة بواسطة العضلات"أو في الحرباوات بتحريك
العدسة أماما ووراء، كما في الكاميرا المصنوعة بواسطة الانسان". وتقع الصورة على
الشبكية في الخلف، حيث تستثير الخلايا الضوئية............. وليست الخلايا الحساسة
للضوء "الخلايا الضوئية" هي أول ما يصيبه الضوء، وإنما هي مطمورة للداخل بمواجهة
بعيدة عن الضوء......... واول ما يصيبه الضوء هو في الحقيقة، طبقة من خلايا العقد العصبية التي تكون "السطح الالكتروني الفاصل" بين الخلايا الضوئية والمخ. والواقع أن
خلايا العقد العصبية مسئولة عن التنسيق المسبق للمعلومات بطرق بارعة قبل توصيلها
إلى المخ، وبمعنى ما فإن كلمة "سطح فاصل" ليست بالكلمة المنصفة لذلك. ولعل كلمة
الكمبيوتر التابع أن تكون أكثر إنصافا. إن الاسلاك تجرى من خلايا العقد العصبية على
سطح الشبكية حتى "البقعة العمياء" حيث تغوص من خلال الشبكية لتكون جذع
الكابل الرئيسي المتجه للمخ، أي العصب البصري. وثمة ما يقرب من ثلاثة ملايين خلية
عقد عصبية في "السطح الالكتروني الفاصل" تجمع المعطيات من حوالي ١٢٥ مليونا من
الخلايا الضوئية.......... وإذا تنظر المعمار الرهيف لهذه الخلية، فلتذكر حقيقة أن كل هذا
التركيب يتكرر ١٢٥ مليون مرة في كل شبكية. ويتكرر ما يماثل ذلك تركبا تريليون مرة في
الاماكن الاخرى من الجسد ككل. ورقم ١٢٥ مليون خلية ضوئية هو ما يقرب خمسة الاف
مرة من عدد النقط التي يمكن تحليلها في صورة فوتوغرافية من نوع جيد باحدى
المجلات، والاغشية المثنية للخلية الضوئية هي البنيات التي تجمع الضوء فعلا. وتشكيل
الخلية الضوئية في طبقات يزيد كفائتها في الامساك بالفوتونات "الجسيمات الاساسية
التي يتكون منها الضوء" وإذا لم يتم إمساك الفوتون بواسطة الغشاء الاول، فقد يمسكه
الثاني، وهلم جرا، وكنتيجة لهذا، فإن بعض الاعين تستطيع أن تتبين فوتونا وحيدا.
وأسرع مستحلبات الافلام واشدها حساسية مما هو متاح للمصورين يحتاج إلى قدر من
الفوتونات يقرب من ٢٥ مثلا حتى يتبين نقطة من الضوء. والحبيبات الخطية
"mitochondria" لا توجد فحسب في الخلايا الضوئية، وإنما هي موجودة في معظم
الخلايا الاخرى ويمكن اعتبار كل واحدة منها بمثابة مصنع كيمياوي، وهو من جل تسليم
منتجه الأولي من الطاقة القابلة للاستخدام، يقوم بتصنيع ما يزيد عن ٧٠٠ مادة كيمياوية
مختلفة، في خطوط تجميع طويلة متداخلة منتظمة على سطح أغشيتها الداخلية المطوية
طيا معقدا..... وكل نواة كما سوف نرى في الفصل الخامس، تحوي قاعدة معلومات
"database" مرقومة في شفرة، محتوياتها من المعلومات أكبر من كل الأجزاء الثلاثين
"للموسوعة البريطانية" ولو وضعت معا. وهذا الرقم بالنسبة للخلية الواحدة وليس لكل
خلايا الجسد موضوعة معا..... وعندما تاكل شريحة لحم فإنك تنهش ما يرادف أكثر من
مئة بليون نسخة من الموسوعة البريطانية»(١).

هذا التركيب وهذا التعقيد وهذا النظام الدقيق أجبر د. ريتشارد دوكنز - رغم كونه ملحداً
- للإقرار بأنّ هناك نظاماً ولا توجد عشوائية أو صدفة في كل هذا التركيب والتعقيد الرائع والجميل، ولكن لأنه ملحد فقد قام بتجزئة آليات التطور ليضعف دلالتها على أن التطور ككل
قانوني وهادف، وأنكر الهدف.

ليقول: إنّ هناك صانع ساعات مركبة ومعقدة تصنع بقانون دقيق، نعم ولكن دوكنز لأنه
لا يريد أن يرى الهدف قال: إنّ هذا الصانع غير مدرك فهو أعمى، وبالتالي فهو الطبيعة لا غير.
والحقيقة إنّ دوكنز بإقراره بالقانون قد ألزم نفسه الاعتراف بالمقنن والمقنن مدرك لا محالة،
وبهذا فقد ثبت الصانع المدرك أو الإله، أما مسألة الهدف الذي عمي عنه د. دوكنز فقد بيناها
سابقاً وسنبينها بالتفصيل فيما سيأتي إن شاء الله.

صورة توضح مراحل تطور العين
شكل٨:

Nilsson et al., A pessimistic estimate of the time required for an المصدر(١):
eye to evolve

شكل٩: صورة توضح مراحل تطور العين مع ذكر عدد الاجيال المتوقعة لكل تطور ظاهر في
الصورة

Curt Deckert, PhD., Eye Design Book المصدر(١):

ونحن عندما نرى جهاز السونار أو الموجات فوق الصوتية)ultrasound(نحكم بوجود
مصمم قد صنع هذا الجهاز المعقد المركب الذي يمكنه اكتشاف الغواصات في أعماق
المحيطات والحصى في مرارة الإنسان، فهل من المعقول عندما نجد جهاز السونار موجوداً في
الدولفين أو الخفاش لا نحكم بنفس الحكم، فدلافين الأطلسي يمكنها تمييز الشكل ويمكنها أن
تميز المسافة بين هدفين قريبين من بعضهما جداً، وجهاز السونار)ultrasound(الموجود في
الخفاش ذو تقنية عالية تمكّنه من الحركة الليلية وتجاوز الحواجز بكل رشاقة وتمكّنه من
التمييز بين تردد الصدى الخاص به عن تردد صدى الخفافيش الأخرى أو الضوضاء، ويتمكن
الخفاش بواسطة جهاز السونار الخاص به من اصطياد فرائسه ليلاً بكل سهولة حيث لدى
بعض أنواع الخفاش - مثل خفاش حدوة الحصان - القدرة على حساب سرعة الحركة النسبية
بينه - وهو طائر - وبين فريسته المتحركة بحسب ظاهرة دوبلر، أي أنه يستخدم تقنية رادار
أرقى من تقنية رادار المرور الثابت الذي يحسب سرعة حركة السيارة على الطريق. وإضافة إلى
كل هذا فإن الخفاش قد طور سوناره قبلنا بملايين السنين.

فإذا قلنا إنّ سونار السفينة أو سونار الطبيب أو رادار المرور قد صممها مصمم ووفق
قانون دقيق ومحكم ليؤدي الغرض الذي صنع من أجله، فلابد أن نقول: إنّ سونار الخفاش
قد صمّمه مصمم ووفق قانون دقيق أيضاً ليؤدي الغرض الذي صنع من أجله وبكل كفاءة
كما نرى، فالخفاش يستخدم تقنية عالية لتحديد المواقع بالصدى location(ohce)، يقول
عالم الأحياء د. دوكنز:

«وتشبه هذه الخفافيش أن تكون مصغرا لطائرات التجسس التي تعج بالأجهزة
المعقدة. وامخاخها هي حزم من مصغرات لالات الكترونية سحرية مضبوطة برهافة، قد
برمجت برمجة بارعة بما يلزم لفك شفرة عالم من الاصداء في الوقت الصحيح. ووجوهها
كثيرا ما تكون ممسوخة في أشكال بشعة تبدو لنا شنيعة، إلى أن ندركها على ما هيئت
له، كالات شكلت بإتقان لإشعاع الموجات فوق الصوتية في الاتجاهات المطلوبة»(١).

إذن، فجهاز السونار في الخفافيش يؤكد حقيقة مهمة وهي أنه لم يتم صنعه بعشوائية بل
هناك نظام وقانون حكم صنعه وأتقن صنعه ليؤدي الغرض بأحسن صورة.

وهناك خلاصة مهمة توصل لها دارون بعد مناقشته ما يخص الغرائز وتطورها:

«أنه من المرضي تماما أن ننظر إلى مثل هذه الغرائز الخاصة بصغير الوقواق الذي
يلقي بأخوته في الحضانة(١)- والنمل الصانع للعبيد - ويرقانات البمبلا التي تتغذى بداخل
الأجساد الحية لليساريع - على أساس أنها ليست غرائز موهوبة أو مخلوقة خاصة، ولكن
كنتائج صغيرة لقانون عام واحد يؤدي إلى التقدم لكل الكائنات العضوية، ألاوهو تكاثر،
وتمايز، ودع الاقوى يحيا والاضعف يموت»(٢).

هذه الخلاصة التي توصل لها دارون تمثل تقريراً واضحاً بأنّ نظرية التطور بنفسها تشير
إلى وجود إله؛ لأن نظرية التطور بحسب خلاصة دارون المتقدمة هي عبارة عن قانون دقيق
للترقي لا يمكن أن نراه ثم نغفل أو نتغافل عن أن وراءه مقنّن مدرك وعالم وحكيم بل وهادف
بكل معنى الكلمة - كما سنبين - وهذا يثبت بلا شك وجود الإله.

أيضاً د. ريتشارد دوكنز يقول:

«فإنك إذا اعتقدت أن الداروينية هي المعادل للصدفة فمن الواضح أنك ستجد من
السهل عليك أن ترفض الداروينية وسوف تكون احدى مهامي هنا أن أدمر هذه الاسطورة
التي يُؤمَن بها بحماس، وهي أن الداروينية نظرية للصدفة»(٣).

وهنا يقرر دوكنز: أن الانتخاب الطبيعي مقنن وليس عشوائياً أبداً، بل هناك نظام يحكمه،
ولكن دوكنز باعتباره ملحداً ينفي الهدف وهو يعتقد أن نفيه للهدف بعد اعترافه بالقانون والنظام سيكفيه لنفي وجود إله مقنن ومنظم.

ويقول د. ريتشارد دوكنز:

«ويقارن بالي(١) العين بالة مصممة مثل التلسكوب، ويستنتج أن "هناك بالضبط
الدليل نفسه على ان العين قد جُعلت للرؤية، بمثلما يوجد الدليل على ان التلسكوب قد
جعل للمساعدة عليها "، فلابد أن للعين مصمم، تماما مثلما يكون للتلسكوب مصمم.
ومحاجة بالي قد صُنعت بإخلاص مشبوب واُفعمت بمعلومات من احسن دراسات
البيولوجيا في ذلك الوقت ولكن التمثيل بين التلسكوب والعين، وبين الساعة والكائن
الحي هو تمثيل زائف. فصانع الساعات الحقيقي له تبصر للأمام: فهو يصمم تروسه
وزنبركاته، ويخطط ما بينها من ترابطات وقد وضع نصب عينيه هدف مستقبلي، أما ما
يصنع الساعات في الطبيعة، وهو الانتخاب الطبيعي، تلك العملية الأتوماتيكية العمياء
غير الواعية التي اكتشفها دارون والتي نعرف الان انها تفسر بيولوجيا الحياة، فليس له
عقل فيه هدف. إنه بلا عقل، وبلا عين لعقل، وهو لا يخطط للمستقبل، وليس له رؤية،
ولا بصيرة للأمام ولا بصر على الاطلاق، وإذا كان من الممكن أن يقال عنه أنه يلعب دور
صانع الساعات في الطبيعة فهو صانع ساعات "أعمى"»(٢).

وكما هو واضح تماماً فإنّ ريتشارد دوكنز يعترف بأنّ هناك مصنوعاً معقداً وأنّ هناك
قانوناً للصنع وأنّ هناك صانعاً، فقط هو لا يرى الهدف فيقول: إنّ الصانع غير هادف وبالتالي
يقرر أنّ الصانع غير مدرك لما يفعل وبالتالي فهو الطبيعة لا غير، وبهذا ينكر دوكنز وجود الإله.
ولكن كما أعتقد فإنّ د. دوكنز باعتباره عالم أحياء قدير- وليس فيلسوفاً كما يحلو لبعضهم
وصفه - فقد فاته الكثير، فاعترافه بوجود قانون ووجود مصنوع معقد مُقَنَّن تكفي لإثبات
الـمُقَنّن والصانع المدرك، وأما كونه لا يرى الهدف فهذا لا يعني عدم وجود هدف، فهو يحتاج
حتماً إثبات عدم وجود الهدف لينكره، وهذا ما لا يستطيع إثباته كما أننا أثبتنا وسنثبت
الهدف إن شاء الله، وبهذا نغلق أي منفذ للإلحاد من باب الانتخاب الطبيعي.

«إن السمع بالصدى عند الخفافيش هو فحسب مثل واحد من الاف الأمثلة التي أستطيع أن اختارها لإثبات نقطة التصميم الجيد. فالحيوانات لها المظهر بانها قد صممها
فيزيائي أو مهندس محنك نظريا وبارع عمليا، ولكن ليس ما يدل على أن الخفافيش نفسها
تعرف أو تفهم النظرية بنفس المعنى الذي يفهمها به الفيزيائي. وينبغي تصور الخفاش
كمثيل لجهاز كمين الرادار البوليسي وليس للشخص الذي صمم الجهاز ومصمم رادار
الشرطة لقياس السرعة قد فهم نظرية "ظاهرة دوبلر" وعبر عن فهمه في معادلات رياضية،
كتبت بوضوح على الورق. وفهم المصمم قد جُسد في تصميم الجهاز، ولكن الجهاز نفسه
لا يفهم كيف يعمل. ويحوي الجهاز عناصر الكترونية، قد وصلت معا بحيث تقارن
أتوماتيكيا ترددين للرادار وتحول النتيجة إلى الوحدات الملائمة - كذا ميل بالساعة. ونظام
الحسابات المستخدم معقد، ولكنه بالضبط في حدود قدرات صندوق صغير من عناصر
الكترونية حديثة موصولة على النحو الصحيح. وبالطبع، فإن مخا واعيا محنكا قد قام
بالتوصيلات "أو على الاقل قد صمم الرسم التخطيطي للتوصيلات"، ولكن ما من مخ واع
يشارك في تشغيل الصندوق لحظة بلحظة. وخبرتنا بالتكنولوجيا الالكترونية تهيؤنا لأن
نتقبل فكرة أن ماكينة غير واعية تستطيع أن تسلك وكانها تفهم أفكارا رياضية مركبة. وهذه
الفكرة قابلة لأن تنقل مباشرة إلى ما تفعله الماكينة الحية. فالخفاش ماكينة، قد تم توصيل
الكترونياتها الداخلية بحيث أن عضلات أجنحته تجعله يقع على الحشرات، بمثل ما تقع
قذيفة موجهة غير واعية على طائرة. وحتى الان فإن ما حدسناه مستمدا من التكنولوجيا،
صحيح. على أن خبرتنا بالتكنولوجيا تهيؤنا أيضا لأن نرى تصميما هادفا في تكوين الالة
المعقدة. وهذا الحدس الثاني هو الحدس الخطأ في حالة الماكينةالحية "فالتصميم" في
حالة الماكينة الحية هو للانتخاب الطبيعي غير الهادف، صانع الساعات الاعمى»(١).

الحقيقة، إنّ كل من يقرأ كلام دكتور دوكنز المتقدم يفهم اعتراف هذا العالم المتخصص
بأنّ جهاز السونار الطبيعي لدى الخفاش يعبّر عن قانون ومقنن لا محالة، وإذا أضيف لجهاز
السونار الطبيعي لدى الخفاش تفاعل بقية أجهزة الخفاش كالأجنحة معه بدرجة فائقة من
الدقة فإنّ مسألة التقنين تصبح مؤكدة مئة بالمئة.

إذن، دوكنز يعترف بالمصمم ولكنه ينكر أن يكون المصمم هادفاً ولهذا يسمي هذا المصمم
بصانع الساعات الأعمى، ودكتور دوكنز يقصد كل ما تعنيه الكلمات بكل التناقض الذي تحمله
وهو يدعي أن كتابه (صانع الساعات الأعمى) يحل هذا التناقض.

والحقيقة، إنه لا يحل شيئاً بل هو فقط محاولة لتجزئة مصنع كبير أو صناعة كبيرة
(التطور) إلى مراحل بمصانع صغيرة أو خطوط إنتاجية صغيرة أثناء عملية دراسة هذا المصنع
الكبير أو الصناعة الكبيرة لإخفاء هدف هذه الصناعة الكبيرة أو المصنع الكبير من خلال هذا
التشتيت.

وكمثال: فبنفس طريقتهم يمكن تجزئة أي صناعة لنقول إنها لا تهدف الوصول إلى هدف
نهائي، فصناعة الصوف أو القطن لو أردنا متابعتها من التنظيف وتجهيز القطن أو الصوف
للغزل فيمكن لمن يرى العملية من الخارج كأجزاء ومصانع أو خطوط إنتاج متفرقة أن يقول:
هذه الصناعة لا تهدف الوصول إلى هدف نهائي منذ البداية، وكل ما موجود هو أهداف قصيرة
المدى لكل خط إنتاجي والخط التالي انتفع من هدف الخط السابق.

فما يحصل في الخطوة الأولى مثلاً هو عملية تنظيف وتهيئة وفرز المادة النافعة من غير
النافعة، ثم يتلقف مصنع الغزل أحد منتجات مصنع التنظيف والتهيئة الصالحة للغزل ويقوم
بغزلها دون غيرها وبدرجات مختلفة وكل درجة يمكن أن تستخدم في صناعة نسيج مختلف،
ومن ثم يقوم مصنع نسيج معين باختيار نوع من الغزل المنتج دون غيره ويقوم بنسجه لينتج
قماشاً معيناً، وأخيراً يقوم مصنع خياطة باختيار قماش دون غيره لإنتاج قميص ما، فمن ينظر
إلى كل خط على حده يمكنه أن يقول: إنّ العملية غير هادفة على المدى البعيد والناتج النهائي
ناتج عرضي غير مقصود بنفس طريقة دكتور دوكنز، أما من ينظر للعملية كعمل متكامل
فيمكنه رؤية الهدف بوضوح منذ البداية وهو الوصول إلى إنتاج ملابس وأغطية وستائر، ولا
يضر رؤيتنا للهدف النهائي أن يكون في العملية الصناعية تفرعات كثيرة لها أهداف قصيرة
المدى وخسائر ومواد تالفة خلال مسيرة التصنيع.

قبل أن نبدأ البحث في هذا الموضوع لنتعرف على الهدف ولو بضرب مثال: فلو أننا جلبنا
خشباً وأدوات نجارة لنصنع كرسياً فإنّ غايتنا هي صنع الكرسي أما الهدف أو الغرض من
صناعة الكرسي فهو الجلوس عليه، وهكذا بالنسبة للعين في التطور فإنّ المواد والقوانين
غايتها صناعة العين أما الهدف من العين فهو الرؤية، والحقيقة أنّ د. دوكنز ومن يقولون إنّ التطور غير هادف لا يتكلمون عن الهدف أو الغرض من التطور بل يتكلمون عن العلة الغائية
أو الغاية التي يحققها التطور ويسمونها هدفاً أو غرضاً للتطور فلابد من الالتفات إلى أن ما
نسميه غاية في بعض الأحيان فهو يسمى في النصوص المنقولة من كتب د. دوكنز هدفاً، ولا
إشكال أن تسمى الغاية هدفاً باعتبار أنّ التطور أيضاً يهدف الوصول لها، وبالنسبة للحياة
الأرضية - كما سنثبت - فإنّ المواد والقوانين غايتها صناعة الكائن الحي المدرك القادر على
إعمار الأرض، أما الهدف الحقيقي أو الغرض فهو التواصل مع الغيب والعبادة، وفي موضوع
التطور فإنّ إثبات الغاية كاٍف ونحن إذا أثبتنا الغاية فسيثبت الهدف تبعاً لذلك لأن إثبات
الغاية يعني إثبات وجود إله وبالتالي يثبت ما جاء منه في إثبات الهدف.

نحن يمكننا أن نعرف أنّ عملاً محدداً يريد الوصول أو يُراد منه الوصول إلى غاية ما أو
هادف من خلال أمور منها: الخريطة التي بدأ بها وطريقة عملها حيث إذا عرفنا أنها خريطة
مقننة وتعمل بقانون ولا عشوائية يثبت أنها تهدف الوصول إلى غاية معينة، ويمكن التعرف
على أنّ عملاً ما له غاية يريد تحقيقها من خلال رؤيتنا نتائجه وحصيلته الوسطية والنهائية
المتوقعة وهل هي غاية لذلك العمل منذ بدايته يطلب ويهدف الوصول إليها أم أنها مجرد
نتيجة عبثية طارئة وغير مقصودة وبالتالي تؤشر أنّ العمل عبثي وغير قانوني......؟

في عملية التطور:

هناك طفر جيني لابد أن يوفر كل الاحتمالات عاجلاً أم آجلاً إن توفر له الوقت الكافي.

وهناك انتخاب يسمح بالبقاء للأفضل والأمثل.

فلو رجعنا إلى الماضي وقبل أن توجد أي آلية تعامل مع الترددات الضوئية أو الصوتية أو
الكهرومغناطيسية أو آلية تعامل مع الروائح الكيميائية - أي إننا نتكلم عن الحياة بمستوى
البكتريا أو الكائنات حقيقية النواة التي لا تمتلك أي خلايا حسية تستشعر المحيط - ومن ثم
طبقنا ما يحصل في التطور على هذه الحياة البدائية التي كانت هي فقط موجودة في يوم ما
في الماضي السحيق على هذه الأرض، فسنقول: إنّ الطفر لابد أن يوفر آليات تحسس عاجلاً
أم آجلاً سواء كانت آليات تحسس للضوء أو لغيره مما يتوفر في محيط الكائن الحي، والكائن
الذي يمتلك هذه الآلية سواء كانت خلية تحسس ضوء أو خلية تحسس موجات
كهرومغناطيسية أو غيرها سيكون كائناً يمتلك ميزة تفضيلية على الكائنات الأخرى؛ لأن هذه
الآلية ستوفر له قدرة أعلى على توفير الطعام وعلى التملص من الأعداء، ولذلك سيثبت
التطور هكذا طفرة حتماً؛ لأن هذا الكائن سيكون أنجح من أقرانه على نقل جيناته للأجيال
اللاحقة. وإذا بدأت المسألة بخلية تحسس ضوئي مثلاً فمن المتوقع تماماً أن تضاف لها - وفق
القوانين المتقدمة - كل الطفرات التي تؤدي إلى زيادة كفائتها وهكذا فمن الطبيعي الوصول في
النهاية إلى العين بل وإلى عين كعين الشاهين الذي يتمكن من الرؤية بوضوح وهو ينقض
بسرعة فائقة على فريسته أو نتوقع الوصول إلى آلة سمع كفوءة كالتي يمتلكها الخفاش
والدلافين التي تعد جهاز سونار فائقاً.

وعموماً، الذي نريد بيانه هو أنّ إنتاج متحسسات وتطورها أمر حتمي في مسيرة التطور
حيث إنّ الطفر لابد أن يوفر آليات تحسس للمحيط والانتخاب حتماً سيثبتها، فإذا جاءت
المتحسسات إلى الحياة الأرضية حتى وإن كانت بدائية كمجموعة خلايا ضوئية ومجموعة خلايا
تحسس للكهرباء فإنّ أي آلة تربطها وتنظم عملها مع بقية أجزاء الكائن الحي بحيث ينتفع منها
الكائن فائدة أكبر وبأي صيغة كانت هذه الآلة سيثبتها التطور حتماً، وهذه الآلة في الحقيقة
هي آلة الذكاء أو لنقل هي قاعدة أو أصل آلة الذكاء بالصيغ التي نعرفها عادة، وبما أنّ آلة
الذكاء هي آلة البقاء المثالية فحتماً ستتطور لتصل إلى آلة ذكاء فائق.

ويمكننا اختصار هذه المقدمة لنبدأ من مرحلة متأخرة تبرز فيها مثالية آلة الذكاء بصورة
جلية فنقول: بما أنّ آلة الذكاء هي الآلة المثلى للبقاء؛ لأن الذكاء كآلية بقاء للنوع عند توفره
يتفوق على كل آليات البقاء الأخرى كالقوة والأسلحة (الأنياب والمخالب مثلاً) الخ، وخير دليل
- شاخص أمامنا - على ذلك هو سيطرتنا بنسبة عالية جداً على كوكب الأرض كنتيجة لامتلاكنا
آلة الذكاء الأفضل مقارنة ببقية الكائنات الأخرى المنافسة.

إذن، فالطفر لابد أن يوفر طفرات آلة الذكاء، وبما أنها آلة البقاء المثلى فلابد أن يختارها
الانتخاب الطبيعي ولابد أن يستمر تطور آلة الذكاء حتى تصل إلى آلة ذكاء فائق عند توفر
الظروف المناسبة لهذا التطور نحو تحسين آلة الذكاء كالمشي مستقيماً، مع العلم أنّ هذه
الظروف كلها تابعة للتطور ولابد من توفرها عاجلاً أم آجلاً. إذن، يمكننا أن نقول: إنّ التطور
يهدف إلى انتاج آلة ذكاء فائق في النهاية.

ولن يتوقف التطور عن تطوير آلة الذكاء الفائق حتى يصل مستوى آلة الذكاء الفائق
ونتاجها إلى إيقاف عملية التطور نفسها كما هو حاصل بالنسبة للإنسان اليوم، حيث إننا قد
عطلنا عملية التطور تقريباً على الأقل بالنسبة لنا، وأحد أهم أسباب إيقافنا للتطور في نوعنا
هو آلة الذكاء الفائق التي نمتلكها والتي أوصلتنا إلى قدرات تسمح لمعظم أفراد نوعنا بالبقاء
والتكاثر فلم يبقَ هناك حكم لقانون الانتخاب الطبيعي علينا لكي تستمر عملية تطورنا وتطور
آلة الذكاء الفائق التي نمتلكها. نعم، بقي هناك سبيل وحيد لتطوير آلة الذكاء التي نمتلكها
وهي عملية الطفر الجيني الصناعي أو بمعنى آخر أن نقوم نحن بتغيير التركيبة الجينية لننتج
أناساً لديهم أدمغة أكثر ذكاءً مثلاً.

مما تقدم يمكننا القول: إنّ التطور يهدف الوصول إلى إنتاج آلة ذكاء حتماً كهدف وسطي،
وإن وجدت آلة الذكاء فهي حتماً ستأخذ طريقها من خلال التطور للوصول إلى آلة ذكاء فائق
عاجلاً أم آجلاً؛ لأنها آلة بقاء مثلى وتطورها إلى الأفضل مطلوب ومرغوب إن كانت الظروف
مناسبة ومواتية له.

إذن، فالتطور يهدف إلى إنتاج آلة ذكاء فائق عند توفر الظروف المناسبة لإنتاجها، في
حالتنا مثلاً: يمكن أن يكون الانتصاب على قدمين وسعة حوض الأنثى الذي لابد أن يوفره
الطفر الجيني عاجلاً أم آجلاً في مسيرة التطور.

وعموماً، فإنّ تطور آلة الذكاء (الدماغ) إلى آلة ذكاء فائق لدى الإنسان تعزى لأمور كلها
حتمية الوجود ما دام هناك تطور، وبهذا فالمسألة كيفما كانت فهي محسومة بأنّ التطور
يهدف الوصول إلى آلة ذكاء فائق في النهاية، ومن هذه الأمور:

- توفر الطفر الجيني نحو التحسين الذي يمكن أن نقول - بحسب ما متوفر لدينا من
معرفة على هذه الأرض - إنه حتى وإن كان الطفر الجيني عشوائياً تماماً فلابد له من توفير الطفر نحو تحسين آلة الذكاء عاجلاً أم آجلاً، وإن كان توفير الطفر نحو التحسين في فترة معينة
وبشكل كبير ملفتاً للنظر وفيه كلام سيأتي، ولكن هنا سنناقش الأمر في أسوأ الأحوال بالنسبة
لنا وأحسن الأحوال للفرضية الإلحادية وهو أن الطفر الجيني عشوائي مئة بالمئة.

- المشي مستقيماً حيث سمح لفتحة الحوض بالتوسع وبالتالي السماح بولادة أطفال
برؤوس كبيرة تحمل أدمغة أكبر، وكما أنّ السير على قدمين قد حرر اليدين واللتين بعد
تحررهما يعتبران آلة ابداع عالية الجودة وآلة بقاء مثالية إن وجدت آلة ذكاء توجهها بالاتجاه
الصحيح وتستغلها الاستغلال الأمثل، ولهذا تدفع الأيدي المحررة باتجاه تطور الدماغ نحو
التحسين فكل طفرة تحسين للدماغ ستساعدها الأيدي المحررة على البقاء والتثبيت في
المجموعة الجينية؛ لأنها ستستفيد من الأيدي المحررة بشكل كبير في توفير آلات البقاء
الصناعية من فؤوس وحراب وما شابه، وكذلك استعمالها على النحو الأكمل وهكذا تنتقل
طفرات تحسين الدماغ للأجيال اللاحقة وتثبت بفضل توفر صفة المشي مستقيماً التي قامت
بتحرير الأيدي.

شكل١٠: رسم بياني يوضح علاقة تطور آلة الذكاء (الدماغ) مع المشي مستقيماً

O'Neil, Homo heidelbergensis المصدر(١):

- الحاجة إلى التواصل اللغوي، حيث تُعتبر آلة الذكاء سبباً لوجوده وتطوره فهي تسمح
للتواصل اللغوي (حتى وإن كان بالاشارات) بالوجود والتطور ابتداءً وهو (أي التواصل اللغوي)
لأنه وسيلة بقاء عالية الجودة يدفع آلات الذكاء باتجاه التطور والترقي؛ لأن آلات الذكاء الأفضل
تمثل آلات خزن ومعاملة معلومات أفضل والأفراد الذين يتمكنون من التواصل أفضل يكونون
أقدر على البقاء من الآخرين؛ لأنهم يتمكنون بصورة أفضل من التملص من العدو المفترس
واقتناص الفريسة، وبصورة أوضح: فإنّ الطفرات الجينية نحو تحسين الدماغ ستنتفع منها
اللغة حيث سيتمكن الأفراد من معاملة عدد أكبر من المفردات بل وأكثر تعقيداً وبالتالي
التواصل بصورة أفضل، وهذا يعني قدرة أكبر على توفير غذاء وشريك للتكاثر والتملص من
العدو المفترس وبالنتيجة التمكن من البقاء بدرجة أفضل من الآخرين وتمرير جينات أكثر
للأجيال اللاحقة وبالنتيجة تثبيت جينات طفر تحسين الدماغ، وهكذا يحصل تطور الدماغ
مع الأجيال حتى نصل بالنتيجة إلى امتلاك آلة ذكاء فائق.

- توفر نوع الغذاء المناسب (كالأسماك التي تحتوي اليود واوميجا ٣) الذي ينتفع منه
الدماغ ويجعل طفرات تحسين الدماغ مفيدة إلى حدها الأقصى، وبهذا تكون ميزة تستحق أن
يختارها الانتخاب الطبيعي وتنقل عبر الأجيال.

- أيضاً تعري الجسد وتخلصه من الشعر الكثيف مع وجود الغدد العرقية الذي أدى إلى
توفير آلية تبريد مثلى للجسد وللدماغ الفائق الذي يعتبر ماكنة تعمل بطاقة عالية جداً وتطلق
كميات حرارة كبيرة تؤدي إلى قتل الكائن ما لم تتوفر آلية تقوم بتبريدها عند الحاجة.

وأعيد ما بينته سابقاً من أنّ آلة الذكاء الفائق التي وصل لها التطور في حالتنا أي الدماغ
لا تعني نهاية طريق تطور آلة الذكاء الفائق، ولا تعني أنّ هذا الطريق الذي سلكه التطور هو
الطريق الوحيد لإنتاج آلة ذكاء فائق، بل ربما كانت هناك طرق أخرى وربما كانت تنتج آلة
ذكاء فائق أفضل من التي نراها اليوم وربما أفضل في جهات وليست أفضل في جهات أخرى،
ولكن في كل الأحوال هناك هدف مؤكد لابد أن يصل له التطور عاجلاً أم آجلاً وهو إنتاج آلة
ذكاء فائق.

إذن، فالأمر محسوم وهو أنّ التطور هادف وهدفه هو إنتاج آلة ذكاء فائق.

ويمكنني أن أكتفي بما تقدم في إثبات أن التطور هادف، ولكن لا بأس بإضافة استدلال واشارات أخرى تؤيد ما أثبتناه.

التكاثر الجنسي (أو التكاثر بالمشاركة الجينية بين فردين) نتيجة لابد أن يصل لها التطور
عند تركب وتعقد الكائنات؛ لأنه كاستراتيجية بقاء أفضل من التكاثر اللا جنسي حيث إنّ التكاثر
اللا جنسي في نوع معين يعني أنّ أفراده سيكونون عبارة عن نسخ متطابقة ومكررة للخريطة
الجينية نفسها، وهذا يعني أنّ أي ثغرة في مواجهة عدو ما ستنجر بنفس القدر على كل أفراد
النوع وبالتالي يتمكن فايروس معين مثلاً أن يقضي على كل أفراد النوع بكل سهولة بينما
التكاثر الجنسي يوفر عدداً كبيراً جداً من الخرائط الجينية التي تعود لأفراد النوع نفسه، فكل
زوج يمكنهم انتاج خرائط أبناء يحملون خرائط مختلفة تماماً عن الآباء وعن بقية الاخوة،
وهذه الميزة تمكّن النوع من مقاومة الانقراض وتعطي النوع فرصة أكبر للبقاء؛ لأن أي عدو
يتمكن من أحد أفراد النوع فهذا لا يعني بالقطع أنه سيتمكن من الأفراد الآخرين؛ لأن خرائطهم
الجينية مختلفة وبالتالي فهم متمايزون وقدراتهم ومقاومتهم تختلف.

إذن، فبما أنّ الطفر لابد أن يوفر ميزة التكاثر الجنسي عاجلاً أم آجلاً، وبما أنّ الانتخاب
الطبيعي لابد أن يختار هذه الميزة ويثبتها لأنها ميزة بقاء مثلى، فالتكاثر الجنسي حالة مثالية
لمقاومة نوعية للأمراض والأوبئة والأعداء، إذن فالتطور لابد أن يصل إلى صفة التكاثر
الجنسي.

وصفة التكاثر الجنسي تحتاج غالباً التقاء الزوج والاقتراب بينهما وهذا يعني اجتماعهما
في مكان واحد، وهذه تمثل الخطوة الأولى باتجاه بناء الأسرة المستقرة ولكنها تبقى فقط خطوة
في بداية الطريق؛ لأن الممارسة الجنسية محصورة بوقت الحاجة وهو التلقيح، فمعظم
الكائنات قد طورت الأناث فيها مثلاً آليات لتعلن عن استعداداها للتلقيح، وهذا يعني أنّ
الممارسة الجنسية محدودة ولا تصلح أن تكون سبباً لبناء الأسرة مثلاً أناث الشمبانزي تنتفخ
أعضاؤها التناسلية لتعلن استعدادها للتلقيح.

وبالنسبة للهومو قد تكون جاءت الخطوة اللاحقة لبناء الأسرة بعد ارتداء الملابس التي لم
تكن قراراً سهلا أبداً؛ حيث لابد من وجود سبب منطقي وذي قوة معتد بها ليمرر لبس الملابس من قانون الانتخاب الطبيعي؛ لأن الملابس ستسبب تغطية الأعضاء التناسلية أو العلامات
المميزة وهذا يعني باختصار صعوبة تمييز وقت تلقيح الأنثى، وبالتالي الفشل في التكاثر وقد
وضعت عدة فروض لمسألة لبس الملابس مثل:

- البرد: ولكن حقيقة أنّ أشباه الإنسان كانوا في سافانا أفريقيا الحارة أو المعتدلة، وكذلك
إمكانية أن تعالج مسألة البرد بطبقات دهنية تحت الجلد كما هو موجود فعلاً قد يجعل هذا
الجواب غير كاٍف لتعليل لبس الملابس.

- والحياء: الذي نمّته الجينات كرد على المعركة الجينية مع الشريك الجنسي الذي يريد
نشر جيناته دون أن يتكبد عناء تربية الأبناء وما يمثله من خسارة معتد بها لنشر أكبر عدد من
الجينات الفردية، والمقصود بالحياء هنا هو الحياء الذي يوجه لحفظ الفرج عن غير الزوج،
وممكن أن يكون هذا النوع من الحياء سبباً لبداية ارتداء الملابس التي تغطي الفرج وتحقق
الهدف.

ويمكن أن نقول أيضاً: إنّ الحاجة للملابس للحماية من الأعداء وأسلحة الطرائد قد
شجع أشباه الإنسان على ارتداء الملابس، فالملابس الجلدية بمثابة دروع تحميه من قرون
الطرائد وربما حتى من رماح الأجناس الأخرى من الهومو التي تشاركه منطقة العيش الأوسع،
وهذا يمكن أن يفسر انقراض أنواع من الهومو وبقاء الهومو سابينس باعتباره اكتشف ليس
فقط السلاح من فؤوس ورماح، بل أيضاً الدروع أو الملابس الجلدية. وحقيقة متوقع جداً أن
يكون عمر الدروع الجلدية من عمر الأسلحة الحجرية وخصوصاً أنّ الدروع الجلدية توفرت
بكثرة بعد صنع الأسلحة والتمكن من اصطياد طرائد كثيرة.

ولا مانع أن تكون هذه الدروع قد وفرت فوائد أخرى للابسيها كالحماية من البرد في وقت
لاحق أو المحافظة على الفرج والإخلاص للشريك.

ويمكننا تصور أنه مع مرور الزمن تطورت العملية الجنسية إلى رغبة مستمرة نتيجة لبس
الملابس؛ لأن الأفراد الذين لا يمارسون الجنس إلا عند ظهور العلامات المميزة لن يتمكنوا من
تمرير جيناتهم للأجيال اللاحقة بعد أن تمت تغطية تلك العلامات المميزة بالملابس؛ لأنهم
باختصار لن يمارسوا الجنس أو سيمارسونه بشكل محدود وربما يندر أن يصادف مع وقت
التلقيح مما يجعل تمرير جيناتهم للأجيال اللاحقة محدوداً أيضاً، وعند وجود أفراد يمارسون الجنس باستمرار فحتماً ستصادف إحدى ممارساتهم للجنس أوقات التلقيح وهكذا سينجح
هكذا أفراد في نقل جيناتهم بصورة أكبر من الآخرين وهكذا، فمن الطبيعي أن تسود في النهاية
صفة ممارسة الجنس باستمرار؛ لأنها الصفة الناجحة التي ستمر من الانتخاب الطبيعي إلى
الأجيال اللاحقة، ومع مرور الزمن فمن المتوقع أن تختفي العلامات المميزة كالاستعداد للتلقيح؛
لأن لها أيضاً كلفة اقتصادية فمن المرجح أن تندثر في مسيرة التطور كغيرها من المميزات عندما
تنعدم الحاجة إليها.

والعلاقة الجنسية التي تطورت إلى علاقة مستمرة وليس فقط عند التهيؤ للتكاثر ستؤدي
إلى تعميق العلاقة بين الزوجين وتزيد الترابط بينهما، وهكذا كانت هذه هي الخطوة الأولى
لتكوين الأسرة، وبهذا فقد أثبتنا بمنهج علمي أنّ الأسرة تكوّنت منذ زمن بعيد جداً سبق
خروج الهومو سابينس من أفريقيا؛ لأن لبس الهومو عموماً للملابس يرجع إلى ١٧٠ ألف عام
تقريباً، وهناك بعض الأدلة ربما ترجح ارتداءه للملابس قبل هذا الوقت بزمن (١).

وقد قام اخصائي علم الوراثة في جامعة فلوريدا الدكتور ديفيد ريد بدراسة للتطور
الجيني لأنواع القمل التي تتطفل على الإنسان وهي ثلاثة أنواع: قمل الرأس وقمل العانة وقمل
الملابس، ووجد تطابقاً بين تاريخها التطوري وتاريخ الإنسان التطوري وحدد الفترة الزمنية
التي انفصلت فيها عن أسلافها التي تصيب بعض الحيوانات، ووجد بحسب بحثه أنّ الإنسان
موجود وهو منزوع الشعر عن جسمه ربما منذ مدة قد تمتد لثلاثة ملايين سنة، كما ذكر في
موقع أخبار جامعة فلوريدا أنّ الباحث ديفيد ريد توصل في بحثه الجيني إلى نتيجة ملخصها:

«ان الانسان لبس الملابس منذ اكثر من ١٧٠٠٠٠ سنة فقمل الملابس هو سليل
قمل الرأس والانفصال بين النوعين بدأ بعد ان ارتدى الانسان الملابس»(٢).

شكل١١: رسم بياني يوضح تشعب قمل الملابس عن قمل الرأس محددا تاريخ لبس الإنسان
للملابس

Toups and al., Origin of clothing lice indicates early clothing المصدر(١):
use by anatomically modern humans in Africa

أعتقد أنّ ما قدمت من بيان علمي لهذه المسألة كاٍف للنقض على النظرية الاجتماعية
المبنية على أنّ العائلة حديثة التكوين - بحدود عشرة آلاف سنة - وتكوّنت نتيجة اجتماع
الأبناء حول الأم؛ لأنهم لم يكونوا ليعرفوا آباءهم لوجود المشاعية الجنسية بحسب هذه
النظرية، فالآن لدينا الدليل على أنّ العائلة ربما تكوّنت منذ زمن بعيد جداً، وربما حتى قبل
أن يظهر الهومو سابينس.

هذا يعيدنا إلى ما قلناه سابقاً، وهو أنّ الحكم على عمٍل ما أنه هادف أم غير هادف يمكن
أن يكون تبعاً لمعرفة خريطته التي بدأ بها وأنه مقنن ابتداءً بقانون ومحكوم بنظام أو معرفة
عاقبة العمل، وبما أنّ معرفة خريطته وحركتها والحكم أنها عشوائية أم لا عشوائية أمر غير
متوفر كاملاً فيبقى بين أيدينا عاقبته(١) أو حتى أجزاء عاقبته(٢) ودراستها للحكم، ونرى نحن
بوضوح أنها ترجح أنه هادف ومن لا يريد أن يرى هذا الأمر رغم ما بيناه في آلة الذكاء فهذا
شأنه.

أما الطفرات غير المفيدة أو الضارة التي تنتج جينات تسبّب أمراضاً معينة فلا تدل على
أنّ الطفر الجيني عشوائي مئة بالمئة؛ حيث يمكن أن يكون سببها هو الطفر الجيني بسبب
الأشعة التي تأتي من خارج الكائن الحي كما هو الحال في بعض الطفرات التي تسبب الأمراض
السرطانية، فالأمر هنا غالباً غير متعلق بالخريطة الجينية ونظام الطفر الداخلي لها، كما يجب
أن نعرف أننا عندما نقول: إنّ الطفر الجيني قانوني ولا عشوائي فهذا لا يعني أنه مثالي مئة
بالمئة بحيث لا يحصل انتكاس أو خلل ينتج جينات تسبب أمراضاً وتتوارثها الأجيال من خلال
هذا الجين كسرطان الثدي، فهذه الأمور تحصل ولكنها لا تؤثر على مسيرة التطور العامة
الهادفة، فالمهم هو تحقيق الهدف أما وجود خطأ - بسبب القابل - يمكن تجاوزه بحيث لا
يسبب تعثر مسيرة التطور عموماً فلا يعني بحال أن الخريطة الجينية عشوائية، ولا يعني أنها
غير مصممة للوصول إلى هدف معين، فنظام الـ DNA ودقة تركيبه ودقة نسخه للمعلومات وقلة احتمال وقوع الخطأ في نسخ المعلومات كلها تشهد بأنّ للجينات قانوناً يحكم تغيرها
وطفرها بحيث يكون هذا التغير في الغالب منتجاً.

وهذه شهادة من د. دوكنز بهذه الدقة في النسخ الصحيح وبهذا النظام المبدع:

«السكرتير الجيد في الحياة الواقعية له معدل خطأ يقرب من خطأ واحد في كل
صفحة. وهذا يقرب من نصف بليون ضعف معدل الخطأ في جين هستون ه histoneH٤-٤
.)١(»

ويكمل د. دوكنز، فيبين أنّ حتى الأخطاء والانتكاسات غير المفيدة ينتظرها الانتخاب
الطبيعي في الخارج ليقوم بتصفيتها فيقول:

«وهذه المقارنة بأسرها فيها شيء من الخداع، ولكن ذلك من جانب شيق كاشف.
لقد أعطيت الانطباع بان ما نقيسه هو أخطاء النسخ. ولكن وثيقة الهستون ه ٤ لم يتم
فحسب نسخها وأنما هي قد تعرضت للانتخاب الطبيعي. والهستون مهم للبقاء أهمية
حيوية. فهو يستخدم في الهندسة الانشائية للكروموسومات. وربما قد حدثت اخطاء اكثر
كثيرا في نسخ الهستون ه ٤، ولكن الكائنات العضوية الطافرة لم تبق حية، او هي على
الاقل لم تتكاثر وحتى نجعل المقارنة منصفة ينبغي أن نفترض ان ثمة بندقية قد بنيت
داخل كرسي كل طابع، وهي موصلة بحيث انه لو وقع الطابع في خطأ فأنها تطلق عليه
النار دون هوادة لياخذ مكانه طابع احتياطي "وربما يفضل الحساسون من القراء تخيل
كرسي له زنبرك قاذف ينطلق بنعومة بالكتبة الاوغاد الى خارج الصف، على ان البندقية
تعطى صورة اكثر واقعية للانتخاب الطبيعي"»(٢).

إذن، فالخلل المتخلف لا يكاد يذكر إذا ما قورن بالتطور والرقي الذي يحصل نتيجة حركة
وتغير وطفر الجينات، وهذا يعني أنّ الطفر والتغير أو التبدل هو قانوني ولا عشوائي، فالمكينة
الموضوعة في مصنع معين والتي تنتج شيئاً محدداً ومفيداً لها قانون وهادفة حتى لو أنها في
أحد الأيام لسبب ما أنتجت شيئاً آخر لا فائدة منه أو حتى سيئاً ورديئاً ومضراً. وأيضاً لو أخذنا
الطفر الجيني والانتخاب الطبيعي كمجموعة عمل متكاملة فواضح أنهما يكملان بعضهما بعضاً ليكون الناتج هو الحياة وتنوعها وتطورها وارتقاءها، وهذا يعني أنّ هذه المجموعة
قانونية وتعمل وفق قانون منتج.

أما لو كان الإشكال فلسفياً وبهذه الصورة: لماذا لا يكون النظام الجيني أو نظام الـ DNA
مثالياً وليس فيه نقص، فما دام الواضع كاملاً مطلقاً فالمفروض أنّ النظام يكون كاملاً ولا
يكون فيه نقص كما نرى في حالة عصب الحنجرة المتقدم أو الجينات التي تنقل بعض
الأمراض، فلماذا لم توضع خريطة جينية وقوانين تطور مثالية بحيث لا يكون هذا الخلل وهذا
الهدر في الطاقة أثناء عملية التطور وبعدها؟!

ورد هذا الإشكال، إضافة إلى ما تقدم، يمكن أن يتم بعدة وجوه هي:

أولاً: الخالق المباشر أو المصمم المباشر ليس اللاهوت المطلق بَل هم روحانيين من
مخلوقات الله، فالله خلق بأيد كما بيّن بالقرآن: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بأيٍْد وَإنَّا لمَوُسعُونَ﴾(١)،
وأيدي الله أي خلقه العاملون بإرادته، فواضع الخريطة الجينية أيدي الله، أي مخلوق ناقص
وليس الله الكامل المطلق، فلا إشكال في أنّ واضع الخريطة الجينية لا يضع خريطة مثالية، بل
يضع خريطة يعكس فيها نقصه وظلمته (٢)، فهو ليس لاهوتاً مطلقاً.

ثانياً: العالم الجسماني عالم يتصف بأنه ظلمة ونور، فهو قابل لتطبيق القانون بحدوده
هو، أي القابل ناقص وليس كاملاً، فلابد أن يكون لنقصه أثر.

ثالثاً: من قال إنّ بعض هذه الانتكاسات أو الجينات التي تورث الصفات الرديئة أو
الأمراض لا يريدها المقنن؟ فعلى المستوى الذي نطرحه نحن للمقنن الأصيل وهو الله، فنحن
نقول: إنّ الأمراض ابتلاءات يمتحن بها خلقه ويرى مدى صبرهم، إذن فالخلل والانتكاسات
على المستوى الديني معللة.

رابعاً: يمكن نقض الإشكال بحقيقة ثابتة هي أنّ من وضع الإشكال بناه على نتائج يجهل بعض مقدماتها الابتدائية والوسطية، فيمكن أن تكون هناك فائدة من هذا التصميم لنجاة
الكائنات الحية في مراحل معينة سابقة من التطور أو حتى في مراحل عمرية معينة لدى بعضها.

ويبقى أمر مهم جداً في مسألة تشخيص قانونية الطفر الجيني وهو: هل أنّ التطور يحصل
تبعاً للطفر الجيني فقط، أو لنقل: هل أنّ المسيّر للتطور هو الطفر الجيني؟

في الحقيقة هذا إشكال يطرح دائماً لنقض قانونية الطفر الجيني:

«والطفر ضروري للتطور ولكن كيف لأي فرد أن يمكنه قط تصور انه فيه الكفاية؟
فالتغير التطوري، بعيدا جدا عما يمكن توقعه من الحظ وحده، هو تحسين. ولو عد الطفر
وكانه القوة التطويرية الوحيدة فإن مشكلته تتقرر ببساطة كالتالي: كيف حقا افتراض ان
الطفر يعرف ما يكون صالحا للحيوان وما لا يكون؟ وبين كل التغيرات المحتملة التي قد
تحدث لميكانزم مركب موجود مثل أحد الاعضاء فإن الاغلبية العظمى منها هي تغيرات
تجعل العضو في حال أسوء. ولا توجد إلا أقلية ضئيلة من هذه التغيرات هي التي تجعله
أفضل. ويجب على كل من يريد المحاجة بان الطفر، دون انتخاب هو القوة الدافعة لتطور
ان يفسر كيف يتأتى أن تنزع الطفرات إلى ما هو اصلح. بأي نوع من حكمة جبلية غامضة
يختار الجسم فعلا ان يطفر في اتجاه يصبح به افضل حالا بدلا من ان يصبح اسوء
حالا؟»(١).

دوكنز يتكلم وكأن الأمر محصور بين أن تكون القوة الدافعة للتطور هي الطفر الجيني
وحده، أو أن يكون الطفر الجيني عملية عشوائية، وأنّ قائد عملية التطور هو الانتخاب فقط.
والحقيقة إنّ الأمر هو أمر بين أمرين؛ فلا الانتخاب هو قائد عملية التطور بمفرده، ولا الطفر
عشوائي مئة بالمئة، بل المذهب الحق هو أن هناك قانونية في الطفر الجيني هي التي توفر
الاحتمالات النافعة التي أنتجت هذا التكامل الذي نراه، وأيضاً هناك قوة انتخاب في الخارج
تستبقي هذه الجينات وتنشرها باستمراروتقضي على الأخرى الضارة، وكما أنّ التخلي عن آلية
الانتخاب يمكن أن يجعل الطفر بلا قيمة تطويرية حقيقية كذلك فإن التخلي عن قانونية
الطفر الجيني ولا عشوائيته يجعل من العسير تفسير كثير من الظواهر الملازمة للتطور بصورة
علمية ومنطقية كظاهرة تغير سرعة التطور؛ حيث نجد أنّ التطور في فترات زمنية يكاد يكون متوقفاً في حين نجده في فترات أخرى قد تسارع بشكل كبير جداً والانتخاب الطبيعي لوحده
عاجز عن تفسير هذه الظاهرة.

وأيضاً التخلي عن قانونية الطفر الجيني ولا عشوائيته يدخلنا في احتمالية ضئيلة جداً
غير قابلة للتحقق في حدود الزمن التي نعرفها، وهذه الضآلة التي تصل حد التلاشي لا يحلها
التطور التراكمي؛ لأنها لا تتعلق بالتطور ككل، بل تتعلق بالطفر، فكل جزئية في الجسم مفيدة
في التطور والتكامل مهما تخيلنا أنها صغيرة ستكون احتمالاً في الطفر من ضمن سلسلة هائلة
من الاحتمالات، ولهذا فالسبيل الوحيد هو أن نقول: إن الطفر قانوني ولا عشوائي بل حتى
دوكنز يعترف أنّ الطفر قانوني ولا عشوائي ولكن ضمن الحدود التي لا تؤثر في إلحاده وتتسبب
بإثبات وجود الإله.

«فإن من المهم لنا ان نكون واضحين حول ما نعنيه بالضبط عندما نقول أن الطفر
عشوائي. فثمة عشوائية وعشوائية اخرى غيرها، والكثيرون يخلطون المعاني المختلفة
للكلمة. إن هناك حقا اوجه عديدة لا يكون الطفر فيها عشوائيا. وكل ما اود التصميم عليه
هو ان هذه الاوجه لا تحتوي على اي شيء يرادف توقع ما يجعل حياة الحيوان افضل. فلو
استخدمنا الطفر بغير الانتخاب، لتفسير التطور، فاننا سنحتاج حقا لشيء ما مرادف لهذا
التوقع. وسيكون مما ينور ان نلقى نظرة أبعد إلى المعاني التي يكون بها الطفر عشوائيا ولا
يكون بها كذلك. واول وجه يكون الطفر فيه لا عشوائيا هو الوجه التالي. إن الطفرات تنتج
عن أحداث فيزيائية محددة، فهي لا تحدث وحسب تلقائيا وإنما هي تحدث بما يسمى
المطفرات والمطفرات خطرة لأنها كثيرا ما تسبب السرطان كأشعة إكس، والأشعة الكونية
والمواد المشعة وبعض كيمياويات متنوعة بل والجينات الأخرى التي تسمى الجينات
المطفرة وثانيا فإن الجينات التي في أي نوع لا تتساوى كلها في احتمال طفرها. وكل موضع
على الكرموزومات له معدله للطفر الخاص المميز. وكمثل فإن المعدل الذي يخلق به
الطفر جين مرض رقصة هنتنجتون "المماثل لرقصة القديس فيتوس" الذي يقتل الناس
في السنوات المبكرة من اواسط العمر، هو معدل يقرب من ١ في ٢٠٠٠٠٠. والمعدل
المناظر للودانة "متلازمة التقزم المألوفة والتي تتميز بهى كلاب الباست وكلاب الداتشوند
حيث تكون الأذرع والسيقان قصيرة جدا بالنسبة للجسم هو معدل أكبر من ذلك بعشرة
أضعاف. وهذه المعدلات قد قيست تحت ظروف طبيعية. وعندما توجد مطفرات مثل
أشعة إكس، فإن كل معدلات قد قيست تحت ظروف طبيعية وعندما توجد مطفرات مثل
أشعة إكس، فإن كل معدلات الطفر الطبيعية ترتفع عاليا. وبعض أجزاء الكروموزوم التي
تسمى النقط الساخنة لها معدل عالي لإقلاب turnover الجينات، أي معدل طفر محلي مرتفع جدا.

وثالثا، فعند كل موضع فوق الكروموزومات، سواء كان من النقط الساخنة او لم
يكن، فإن الطفرات التي في اتجاهات معينة قد يكون احتمال وقوعها أكثر من الطفرات
التي في الاتجاه المضاد. وهذا يؤدي إلى الظاهرة المعروفة بضغط الطفر وهي ظاهرة يمكن
ان تكون لها نتائج تطويرية. وحتى لو كان هناك لجزئ الهيموجلوبين مثلا شكلان،
الشكل ١ والشكل ٢، هما شكلان محايدان انتخابيا، بمعنى انهما. كلاهما متساويان في
صلاحيتهما لحمل الأوكسجين في الدم، إلا انه يمكن مع هذا ان يكون وقوع طفرات من
١ الى ٢ اكثر شيوعا من الطفرات العكسية من ٢ الى ١. وفي هذه الحالة فإن ضغط الطفر
ينزع إلى ان يجعل شكل ٢ اكثر شيوعا من شكل ١. ويقال أن ضغط الطفر هو صفر عند
موضع كرموزومي بعينه، عندما يكون معدل الطفر أماما عند هذا الموضع متوازنا بالضبط
مع معدل الطفر وراءا.

ها نحن الان يمكننا ان نرى ان ذلك السؤال عما إذا كان الطفر حقا عشوائيا ليس في
الحقيقة بالسؤال التافه. والإجابة عنه تعتمد على ما نفهمه كمعنى لعشوائي. فإذا كنت
تاخذ الطفر العشوائي على انه يعني الطفرات غير متاثرة باحداث خارجية، فإن أشعة إكس
هكذا تفند الرأي القائل بأن الطفر عشوائي. وإذا كنت تتصور أن الطفر العشوائي يعني أن
كل الجينات تتساوى في احتمال طفورها، فإن النقط الساخنة تبين ان الطفر ليس
عشوائيا. وإذا كنت تتصور أن الطفر العشوائي يعني ان ضغط الطفر هو صفر عند كل
المواضع الكروموزومية، فإن الطفر مرة اخرى ليس عشوائيا. فالطفر لا يكون عشوائيا حقا
إلا إذا عرفت العشوائية على انها "عدم وجود انحياز عام إلى التحسين الجسدي". وكل
الأصناف الثلاثة من اللاعشوائية الواقعية التي نظرنا امرها تعجز ان تحرك التطور في اتجاه
التحسين التكيفي إذ يقارن بأي اتجاه اخر هو عشوائي وظيفيا. وثمة نوع رابع من
اللاعشوائية يصدق عليه هذا أيضا وإن كان ذلك بما هو اقل وضوحا بدرجة طفيفة ومن
الضروري أن نبذل فيه بعض وقت قليل لأنه ما زال يحير حتى بعض البيولوجيين
المحدثين»(١).

إذن، دوكنز كما تقدم في كلامه يقر بوضوح - كما هو مقرر علمياً - بوجود نقاط ساخنة
للطفر، ويقر بأنّ ضغط الطفر غير متساوي في جميع النقاط ويقر ويقر، وهذه الاقرارات تعني أنّ الخريطة الجينية محكومة بقوانين وقانونية وغير عشوائية وهذا كاٍف لإثبات أنّ هناك
مُقَنّناً وراءها.

أما تعريفه للعشوائية بقوله:

«فالطفر لا يكون عشوائيا حقا إلا إذا عرفت العشوائية على انها "عدم وجود انحياز
عام إلى التحسين الجسدي"»،

فهذا حقاً غريب، فهو يقر بأنّ هناك نقاط ساخنة في الطفر الجيني، وأنّ هناك عدم
تساوي في ضغط الطفر و.. و.. و.. و.. و..، وهذه الأمور أو القوانين التي تحكم الخريطة الجينية
نحن شاهدناها متعاضدة مع الانتخاب قد أنتجت تركيباً وتعقيداً راقياً ومتكاملاً كآلة الذكاء
الفائق لدى الإنسان، فمن حقنا القول بأن هذه القوانين إضافة إلى دلالتها على مقنن، فهي
أيضاً دالة على أنّ هذا المقنن هادف ويريد تحسين الجسد؛ لأننا فعلاً رأينا الجسد يتحسن مع
التطور، وأغرب ما في تعريف د. دوكنز هو حكمه بعدم وجود هدف من الانحياز رغم وجود
الانحياز، فمن أين له الحكم بعدم وجود انحياز لتحسين الجسد، فحتى لو كان الجسد لم
يتحسن فإنّ د. دوكنز يحتاج إلى دليل ليثبت كلامه فكيف إذا كان هذا التحسين حاصلاً فعلاً
وأحد أسبابه الطفر المحكوم بالقوانين التي يجهل بعضها علماء الجينات والأحياء ود. دوكنز
ويعرفون بعضها كالنقاط الساخنة وتمايز الضغط و.. و.. و.. و.. الخ.

ويذهب د. دوكنز إلى أبعد من هذا فيعترف بانحياز الطفر للتحسين عندما يجد نفسه
مواجهاً بالحقائق العلمية التي تؤكد أنّ الطفر يميل وينحاز للتحسين.

«إن التباين والانتخاب يعملان معا لينتجا التطور. ويقول الدارويني ان التباين
عشوائي بمعنى انه ليس موجها للتحسين، وان النزعة إلى التحسين في التطور تاتي من
الانتخاب. ويمكننا تخيل مدى متصل من المذاهب التطويرية، الداروينية في احد طرفيه
بينما الطفرية في الطرف الاخر. والطفري المتطرف يؤمن بان الانتخاب لا يقوم باي دور في
التطور. واتجاه التطور يتحدد باتجاه الطفرات التي تطرح. وكمثل لنفرض اننا سنتناول
زيادة حجم المخ البشري التي حدثت خلال الملايين القليلة الاخيرة من سنين تطورنا.
وسيقول الدارويني أن التباين الذي طرحه الطفر للانتخاب كان يتضمن بعض افراد بامخاخ
اصغر وبعض أفراد بامخاخ أكبر، فحبذ الانتخاب الاخيرين. وسيقول الطفري انه كان
هناك انحياز في صف الامخاخ الاكبر في ذلك التباين الذي طرحه الطفر، فلم يكن ثمة انتخاب "أو ما من حاجة إلى الانتخاب" بعد أن يطرح التباين، فالأمخاخ أصبحت أكبر
لأن التغير الطفري كان منحازا في اتجاه الأمخاخ الأكبر. وكتلخيص للنقطة الرئيسية فإن:

التطور فيه انحياز في صف الأمخاخ الأكبر،

وهذا الانحياز يمكن ان ياتي بالانتخاب وحده "الرأي الدراويني"

أو من الطفر وحده "الرأي الطفري"،

ويمكننا تخيل مدى متصل بين وجهتي النظر هاتين، وما يكاد يكون نوعا من
المقايضة بين هذين المصدرين المحتملين للانحياز التطوري. أما الرأي الأوسط فهو ان
هناك بعض انحياز في الطفرات تجاه ازدياد حجم المخ وان الانتخاب يزيد هذا الانحياز
عند العشيرة التي تظل باقية.

وعنصر الكاريكاتير ياتي من تصوير ماذا يعني الدارويني عند القول بأنه ليس هناك
انحياز في التباين الطفري الذي يطرح للانتخاب. وبالنسبة لي، كدراويني من الحياة
الواقعية، فإن هذا يعني فحسب ان الطفر لا ينحاز انحيازا منظوما في اتجاه التحسن
التكيفي»(١).

إذن، يعترف د. دوكنز أنّ الطفر الجيني يمكن أن يكون منحازاً إلى تحسين الجسم،
والانتخاب يعمل على زيادة هذا الانحياز للتحسين. والحقيقة، إنّ هذا الاعتراف والتنازل كاٍف
لإثبات قانونية الطفر الجيني وقصديته وكونه هادفاً، فهل يمكن تفسير انحياز الطفر نحو
تحسين معين ومهم كحجم الدماغ بغير كون الطفر مقنناً وهادفاً؟!!!!! فما بالك إذا كان هذا
الانحياز قد حدث في فترة زمنية معينة كما هو واقع الحال بالنسبة لتطور الدماغ في الفترة
الزمنية الأخيرة من حياة الإنسان التي يمكن أن نقول: إنها الملايين الأخيرة من حياة الإنسان،
فلماذا لم يكن هذا الانحياز نحو التحسين في أي فترة سابقة مرت بها اللبائن؟ لماذا حصل هذا
التطور في الفترة الأخيرة من حياة الإنسان وبهذه الصورة المتسارعة إن لم يكن مقصوداً وإن
لم تكن الخريطة الجينية مقننة؟ ويمكن القول: إن الطفر فيها يمكن أن يكون أحياناً غير عشوائي.

أما قول دوكنز:

«ان الطفر لا ينحاز انحيازا منظوما في اتجاه التحسن التكيفي»،

فهذا الحكم مع أنه حكم تعسفي تشكيكي وبلا دليل، ولكنه أيضاً لا يؤثر في ما ثبت من
قانونية الخريطة الجينية تبعاً لإثبات انحياز الطفر نحو التحسين، والانتخاب عندما يزيد هذا
التحسين ويركزه لا يعني أن الطفر لا ينحاز انحيازاً تحسينياً منظوماً بل إنّ دخول الانتخاب في
معادلة التحسين يؤكد أنّ منظومة التطور ككل التي تتكوّن من طفر جيني منحاز نحو التحسين
وانتخاب مقنن يتجه لتثبيت هذا التحسين هي منظومة قانونية دقيقة وهادفة للوصول إلى
تحسين الجسم باتجاه محدد حتماً وهو هدف يراد الوصول إليه من هذه المنظومة، وهذه
أمور تشير بوضوح إلى المقنن الذي وراءها.

مما يشير إلى لا عشوائية الطفر الجيني التامة وإلى قانونيته في بعض الأحيان هو الجينات
المتقاعدة أو الجينات التي لا تؤدي مهمة الآن، والتي تمثل الغالبية العظمى من الجينات فقد
تصل نسبتها في بعض الأحيان إلى ٩٧ بالمئة وأكثر، ولا يعرف علماء الجينات حتى الآن ما هو
عملها بالتحديد ويعتبرها بعض علماء الأحياء والجينات مجرد إرث تطوري.

ويجب الالتفات إلى أنه لو كانت المسألة غير مقننة وهذه الجينات مجرد إرث تطويري غير
خاضع لقانون، فالمفروض أنّ هذه الجينات تبقى تمارس دورها في التأثير على الجسم ولكنها
لو استمرت في العمل لشوهت الجسم بشكل كبير وربما تسببت بانقراض الأنواع واندثارها في
كثير من الأحيان، فعدم عمل هذه الجينات أيضاً مؤشر على قانونية الخريطة الجينية ولا
عشوائيتها، فما يحصل هنا مماثل لما يحصل عند تنفيذ أي منشأة هندسية فعندما تنفذ
بعض أجزاء الخريطة الهندسية لا يعاد تنفيذها مرة أخرى في نفس المشروع الهندسي، فتصور
التشوه والفشل الذي سيحصل لو أن تنفيذ الأسس في منشأة هندسية تكرر مرتين أو ثلاثة،
أو أنّ جزءاً من جهاز هندسي تكرر تنفيذه مرتين أو أكثر. إذن، فوجود هكذا نظام دقيق في الخريطة الجينية بحيث إنها تعطل ذاتياً الأجزاء التي تم تنفيذها يدل لا محالة على قوة مدركة
حكيمة ومقننة قد قننت تركيب وعمل هذه الخريطة ووضعها بهذه الصورة القانونية الدقيقة
تماماً كما يدل تنفيذ الخريطة الهندسية بانتظام في الخارج على مصممها ومنفذها.

ولعل من الأمثلة على هذه المسألة هو عدم ظهور الشعر مرة أخرى على الإنسان عندما
انتقل من أفريقيا إلى المناطق الباردة في العصر الجليدي الأخير مع أنه كان بحاجة لهذه الصفة
لمقاومة البرد، ولو أن الجينات وفرت صفة الشعر بشكل كبيروكاٍف لإحداث التطور لوجدنا أن
هناك إنساناً آخر يغطي جسمه الشعر كالغوريلا قد ظهر في روسيا وأوربا وشمال أمريكا، فكما
أن صفة عري الجسد من الشعر والتعرق التي أدت إلى تبريد الجسم هي التي أعطت ميزة
للإنسان على بقية المفترسات في السافانا الأفريقية كذلك ستعطي صفة الشعر والفرو الذي
يغطي جسم الإنسان صفة تفوق كبيرة أو على الأقل تجعله قادراً على المنافسة بصورة أفضل
في المناطق المنجمدة والباردة وخصوصاً في العصر الجليدي الأخير.

سأناقش أولاً قولهم: إنّ التطور هو عبارة عن لا عشوائية ناتجة عن عشوائية.

يقول د. دوكنز في مسألة تحديد العشوائية واللاعشوائية عندما يريد أن يضرب مثالاً
لعملية الانتخاب الطبيعي وأنها عملية لا عشوائية ناتجة عن أصول عشوائية برأيه هي الطبيعة
والطفر أو التغيير الجيني، يقول:

«لو ذرعت شاطئا مليئا بالحصى جيئة وذهابا ستلاحظ أن قطع الحصى ليست
منظمة بطريقة عشوائية. فالقطع الاصغر تتجه بصورة نمطية لأن تتواجد في مناطق
منفصلة تمتد على طول الشاطئ، والقطع الأكبر في مناطق أو خطوط مختلفة. فقطع
الحصى يتم فرزها أو تنظيمها، أو انتخابها. وقد تتعجب قبيلة تعيش قرب الشاطئ من هذا
الدليل على الفرز او التنظيم في العالم، وقد تنشئ أسطورة لتفسره، لعلها ترجعه إلى
أشباح هائلة لها عقل مرتب وحس بالنظام. وقد نبتسم تعاليا إزاء فكرة خرافية هكذا،
ونفسر ان التنظيم قد قام به في الواقع قوى فيزيائية عمياء، هي في هذه الحالة من مفعول
الأمواج. والأمواج ليس لها اهداف ولا نوايا، ولاعقل مرتب، وليس لها عقل على الاطلاق.

وهي فحسب ترمي الحصى بنشاط فيما حولها، وتستجيب قطع الحصى الكبيرة والصغيرة
لتناولها هكذا بطريقة مختلفة،وبذا تنتهي إلى مستويات مختلفة من الشاطئ، لقد نشأ من
لا ترتيب قدر صغير من الترتيب، ولم يخططه عقل. والامواج وقطع الحصى تؤلف معا
مثلا بسيطا لنظام يولد اللاعشوائية بصورة أوتوماتيكية. والعالم ملئ بمثل هذه النظم.
أبسط مثل يمكن ان افكر فيه هو الثقب فالاشياء الاصغر من الثقب هي وحدها التي
تستطيع المرور منه. وهذا يعني انك لو بدات بمجموعة عشوائية من الاشياء توضع فوق
الثقب، ثم تهزها قوة ما عشوائيا، فإنه بعد فترة ستنتهي الاشياء فوق الثقب وتحته إلى
فرز لا عشوائي. فالفضاء أسفل الثقب ينزع لأن يحوي الاشياء الاصغر من الثقب والفضاء
من فوقه ينزع لأن يحتوي الاشياء الاكبر من الثقب وبالطبع، فإن الجنس البشري قد
أستغل منذ زمن طويل هذه القاعدة البسيطة لتوليد اللاعشوائية في الاداة المفيدة التي
تسمى الغربال»(١).

بالنسبة لمثال الحصى والأمواج فحقيقة لا أدري كيف غفل د. دوكنز عن أنها مسألة
قانونية ولا عشوائية وأنتجت لا عشوائية، فحركة الأمواج التي أحد أسبابها تأثير قانون
الجاذبية بين القمر والأرض كنتيجة لوجود القمر قريباً من الأرض تحكمها من الأساس قوة
الجاذبية المقننة أي أنّ حركة الأمواج ليست وليدة عشوائية بل هي وليدة نظام وقانون
الجاذبية. أما الحصى فأيضاً يحكمه قانون الجاذبية وبالتالي فهو تبعاً لوزنه يسقط ويترتب
بعيداً أو قريباً على الشاطئ، وقانون الجاذبية لا عشوائي ولم يأت من عشوائية، وإن شاء الله
سنناقش قانون الجاذبية عندما نتعرض لنظرية الانفجار العظيم، فلا الفضاء الذي ينحني
جاء من العشوائية أو العدم المطلق ولا جسيمات الكرافيتون جاءت من العدم المطلق.

إذن، فليس من حق د. دوكنز أن يقول إنّ عشوائية أنتجت لا عشوائية فهذه مجرد
مغالطة. نعم، ربما يقول د. دوكنز: فماذا تهدف لا عشوائية قانون الجاذبية من ترتيب حصى
على شاطئ؟ وهذا جوابه بسيط جداً، فليس ضرورياً أن تهدف هنا بالذات المهم أنها قانون
ونظام ولا عشوائية ولم يأت من العدم المطلق، وبالتالي فهي هادفة حتماً ويكفي قولنا: إنّ
هدف قانون الجاذبية تسبب بوجود النجوم والمجرات والعناقيد المجرية وبالتالي حتى وجودنا
نحن، فهو قانوني وهادف إذن، وليس من الضروري أن نعرف - نحن الذين لا نمثل حتى مقدار
ذرة في الكون الذي أوجده قانون الجاذبية - كل أهداف قانون الجاذبية، فعندما نغفل عن هدفه في موضع ما، لسببٍ ما، في زمن ما، كأن يكون هدفه مداه مليون سنة فهذا لا يعني أنه
ليس هادفاً، نحن يكفينا أننا أثبتنا أنه قانون ولا عشوائي وهذا يثبت أنه هادف وله مقنن
ويريد أن يحقق هدفاً من ورائه.

أعتقد الآن توضح أنّ قبيلة دوكنز البدائية صاحبة قصة الأشباح الهائلة أكثر منطقية من
د. دوكنز؛ لأنهم على الأقل علموا بداهة أنّ النظام واللاعشوائية لا يأتي من لا نظام ومن
عشوائية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فمن أين للعشوائية أن تولّد نظاماً!!

أما بالنسبة للثقب والأشياء التي يغربلها، فهذه أوضح من الحصى والأمواج فعندما
وضعنا الأشياء فوق الثقب فأننا عرضناها لقانون وجعلناها محكومة بالثقب، إضافة إلى أنّ
الأشياء يحكم سقوطها قانون الجاذبية، إذن لدينا قانون ولا عشوائية أنتجت لا عشوائية
وترتيباً وبالتالي فهي هادفة.

أما بقية أمثلة د. دوكنز كمثال المجموعة الشمسية فلا أرى ضرورة للتعرض لها بالتفصيل،
فكونها محكومة بقانون الجاذبية اللاعشوائي أمر لا يغفل عنه أحد، فالذي أنتج لا عشوائية
النظام الشمسي هو لا عشوائية قانون الجاذبية.

أيضاً في مثال سابق للرد على شبهة أو إشكال الاحتمالية في التطور(١) بين د. دوكنز الفرق
بين التطور بخطوة واحدة - الذي لا علاقة له بنظرية التطور والمنقوض بإشكال الاحتمالات
المتقدم - وبين التطور التراكمي الذي يحصل في الطبيعة وتقول به نظرية التطور والذي لا
ينقضه الإشكال المتقدم، ولكن مثاله المتقدم رغم أنه وضح هذا الفرق عموماً فإنه أوقعه في
مسألة أن الطفر أو التغير الجيني لا عشوائي، وهذا يعني أنّ التطور مقنن وهادف - بحسب
المثال - وهذا يعني أنّ هناك مقنناً له ويريد تحقيق هدف منه، وهذا يثبت وجود الإله الذي
أراد د. دوكنز نفيه فأثبته في مثاله المتقدم. وعموماً، حتى إن كان د. دوكنز لا يعتقد بأنّ مثاله
يحكي ما يجري في الطبيعة؛ لأنه يجعل التطور هادفاً ولكن نحن نراه مثالاً يقرب كثيراً ما يحدث
في الطبيعة وكيف أنّ هناك عملية تطور تحكي عن هدفها دائماً.

أما كيف أنّ مثال القرد وعبارة شكسبير الذي أورده د. دوكنز قد أثبت أنّ التطور التراكمي
هادف مئة بالمئة، فلأنه في مثاله عن التطور التراكمي جعل الكمبيوتر كل مرة وفي كل جيل
يراجع العبارة التي يريد أن يصل لها من خلال المحاولات ويقارنها بما توصل له، وهذا يعني
باختصار أنّ لدى الكمبيوتر هدف يريد الوصول له وهو تلك العبارة التي يقارن محاولاته معها
كل مرة ويختار من محاولاته الأقرب والأنسب ليصل إليها بالنهاية.

«ويفحص الكمبيوتر عبارات الهراء الطافرة. ذرية العبارة الاصلية، ويختار إحدهما
التي تشبه العبارة المطلوبة شبها أكثر»(١).

ويمكن أن نقول باختصار: إنّ لدى الكمبيوتر خريطة يقوم بتنفيذها، ولكن ليس بصورة
مباشرة بل عن طريق المحاولات والتطور التراكمي، وهذا بالضبط ما نريد أن نصل له نحن
وهو أنّ التطور مقنَّن وأنّ طفر أو تغير الخريطة الجينية لا عشوائي (أي قانوني) على الأقل في
بعض الأحيان ويطلب غاية معينة، وبالتالي يوجد وراءه من قنّنه للوصول إلى الغاية أو لنقل
الغاية التي عيّنها المقنّن ووضع القانون الذي يكفل تطبيقه الوصول إلى تلك الغاية.

أضف أنّ الكمبيوتر الذي قام بالعمل مودعة فيه قدرة تعقل تتمثل بقراءة النتائج
ومقارنتها مع الغاية المطلوب الوصول إليها واختيار الأنسب للاستمرار.

«ويفحص الكمبيوتر عبارات الهراء الطافرة. ذرية العبارة الاصلية، ويختار احدهما
التي تشبه العبارة المطلوبة شبها أكثر»(٢).

إذن، فالمثال غير صالح للتطبيق على طبيعة يصفها د. دوكنز بالعمياء إلا إن قلنا بوجود
قوة مدركة عالمة توجّه عملية التطور من الخارج ولو بقدرٍما وفي أحوال معينة أو لنقل تتدخل
عند الضرورة، وهذا أيضاً يثبت مرادنا وهو من نفس مثال د. دوكنز المتقدم.

أما كيف نثبت هذه القوة المدركة العالمة التي تهيمن على عملية الانتخاب الطبيعي، فلأن
الطبيعة أو محيط الكائن الحي بكل ما فيه بل وحتى أجزاء الكائن الحي نفسه خاضعة لقوانين الجسيمات الكمية التي تتكون منها عناصر كل الأجسام، وهذه الجسيمات الكمية بالنتيجة
يعود وجودها إلى قوة واحدة من القوى الكونية الأربعة لنقل إنها قوة الجاذبية - كما سيأتي
بيانه - وهذه القوة لابد أن يعود وجودها إلى وجود أصيل أزلي غير مفتقر لغيره - كما سيأتي
بيانه - وهكذا يثبت جريان هذا الغني المطلق ليس فقط في الطبيعة المحيطة بالكائن والتي
تقوم بالانتخاب، بل وفي كل جزء من نفس جسم الكائن، فهذه الأجسام متقومة به باعتباره
أصل الجسيمات الكمية المكونة للمادة تماماً كتقوم دوران أي محرك كهربائي بالمحطة المنتجة
للطاقة الكهربائية.

أيضاً عاد دوكنز وعقّب على مثاله فقال:

«ورغم أن نموذج القرد/شكسبير يفيد في تفسير الفارق بين الانتخاب بالخطوة
الواحدة والانتخاب التراكمي، إلا أنه يؤدي إلى اللبس في طرائق هامة. وإحدها هو أن كل
جيل من التوالد الانتخابي، يكون الحكم فيه على عبارات الذرية الطافرة حسب معيار
مشابهتها لهدف مثالي بعيد هو عبارة

"ME THINKS IT IS LIKE A WEASEL"

والحياة ليست هكذا. فالتطور ليس له هدف على المدى الطويل. وليس من هدف
بعيد المسافة، ولا كمال نهائي يعمل كمعيار للانتخاب، وإن كان الغرور الانساني يتعلق
بالفكرة السخيفة التي تقول أن نوعنا هو الهدف النهائي للتطور. ومعيار الانتخاب في الحياة
الواقعية، هو دائما قصير المدى، إما مجرد البقاء، أو بصورة أعم النجاح في التكاثر. وإذا
حدث بعد دهور من الزمن أن بدأ بالتبصر وراء وجود إنجاز لما يشبه أن يكون تقدما تجاه
هدف، ما بعيد، فإن هذا يكون دائما نتيجة عارضة لأجيال كثيرة من أنتخاب على المدى
القصير فصانع الساعة أي الانتخاب الطبيعي التراكمي، هو أعمى بالنسبة للمستقبل وليس
له هدف على المدى الطويل»(١).

دوكنز لم يجد بداً من الاعتراف بهدف يوجه التطور ليجعله غير عشوائي، ولكنه قال: إنه
هدف قصير المدى وليس هدفاً بعيد المدى، حيث قال:

«ومعيار الانتخاب في الحياة الواقعية، هو دائما قصير المدى، إما مجرد البقاء، أو
بصورة أعم النجاح في التكاثر».

أي إنّ هناك هدفاً، أما كون هذا الهدف قصير المدى وكونه النجاح بالتكاثر فلا يضر في
أنه هدف وأن التطور هادف، أو بعبارة أدق: مقنّن التطور هادف، فالهدف النهائي ما هو إلا
نتيجة حتمية لتراكم الأهداف قصيرة المدى. نعم، ربما يقول إنه تراكم لا عشوائي مرتكز على
طفر عشوائي غير هادف، ولكن يرد عليه ما قدمت من أنّ التراكم الذي يحصل نتيجة الانتخاب
الطبيعي والطفر الجيني الخاضعة لقوانين فيزيائية، وهذه القوانين بالنتيجة النهائية توصلنا
إلى نظرية موحدة أو قانون موحد والذي يوصلنا بدوره إلى سبب أزلي وأصيل للمادة أي
للطبيعة بكل ما فيها، وبالنتيجة فهذا السبب الأصيل (الإله) مهيمن على انتخاب الطبيعة
المتقومة به فهو يجري فيها بجريان الجسيمات الكمية التي تكونها، فهو مقننها.

ولنبيّن الأمر بالمثال: نحن لدينا تطور يحصل وفق هدف قصير المدى فلنقل إنه النجاح في
التكاثر عموماً، فالآن لنتصور هذا الهدف على أنه عبارة عن علم أحمر، وصانع ساعات دوكنز
الأعمى - أو التطور - يتتبع هذه الأعلام الحمراء واحداً بعد الآخر، ورغم أنه لم يكن يرى الهدف
النهائي ولكنه كان يرى الهدف القصير المدى بدقة ويتتبعه بدقة أيضاً تبعاً للقانون المودع فيه
وقانون المحيط الذي يوجهه، وبالنتيجة فإن تتبعه للأهداف القصيرة المدى أوصله دون أن
يعلم إلى الهدف النهائي، فهذا يعني حتماً أنّ من سنّ للتطور قوانينه هادف حتماً على المدى
البعيد؛ لأن هذه القوانين التي شكّلت الأهداف قصيرة المدى هي في النتيجة من أوصلت التطور
إلى هذا الهدف، فلا يمكننا أن نقول وبدون دليل جازم: إنّ هذه القوانين بمجملها وبعملها معاً
لم تكن تهدف الوصول إلى هذا الهدف، بل الصحيح أن نقول: إنّ هذه القوانين هادفة
ووضعت للوصول إلى هذه النتيجة وهذا الهدف خصوصاً أنه شيء ذو قيمة، ولا يمكن إغفال
أنه يصلح وبكل جدارة أن يكون هدفاً للتطور. هل يمكن أن نقول: إنّ حلقات صدفة الحلزون
- التي تمثل معادلة رياضية دقيقة - غير خاضعة لقانون؟! الحقيقة إنها خاضعة لقانون
رياضي، بل إن كل كوارك وألكترون أو أي جسيم كمّي في مادة الكائن الحي خاضع لقانون ولو
تتبعنا الأمر إلى النهاية سنصل إلى قانون موحد صدر عن سبب أزلي أصيل وهو من يقنن كل
القوانين التي تسير الطبيعة وبالتالي عملية التطور البايولوجي.

ونحن نرى في الطبيعة أنّ الحياة والتطور مقننة وضمن سنة تسير عليها، فالايض والحياة لها قانون دقيق أوجدها وهي تسير وفق تلك الخريطة الجينية التي تمثل تركيباً معقداً ومنظماً
بدقة، وأيضاً المحيط أو الطبيعة لها قوانين تحكم توجه هذه الخريطة الجينية من الخارج
باتجاه معين أو لنقل هدف على المدى القصير، ونحن إذ نجد أنّ هذه الأهداف قصيرة المدى
عندما تراكمت أوصلتنا إلى هدف ولم توصلنا إلى لا شيء أو إلى عدم، فأكيد أننا نحكم أنّ هذه
القوانين هادفة أو لنقل بدقة: إنّ من قننها هادف، فما بالك إذا وجدنا إضافة إلى ذلك أنها
وصلت إلى هدف عظيم وكبير وذي قيمة في الخارج هو آلة ذكاء الإنسان، أو لنقل: الإنسان
الذي جعل كل شيء جديداً على هذه الأرض، ألا يجدر بنا القول: إنّ هذا كاٍف ليثبت أنّ المقنن
للتطور أو من سنّ سنن التطور أو لنقل من وضع الخريطة الجينية المنتجة للحياة هادف
ومدرك لعمله منذ البداية خصوصاً بعد أن يثبت لنا أنه هو السبب الأصيل لوجود المادة
وديمومتها كما سيأتي.

وحقاً لا يوجد عاقل لا يعتبر الإنسان هدفاً عظيماً، فغريب كيف يصف دوكنز القول بأنّ
الإنسان هدف ذو قيمة بفكرة سخيفة، فحتى لو اعتبرنا الإنسان أو آلة ذكائه هدفاً وسطياً
وليس نهائياً فإنه يبقى هدفاً عظيماً لا يمكن أن ينكره عاقل، فحقاً - من المستغرب - وأنه
لتحامل مقيت من د. دوكنز أن يقول:

«وإن كان الغرور الانساني يتعلق بالفكرة السخيفة التي تقول أن نوعنا هو الهدف
النهائي للتطور.»

دع عنك أنه هدف نهائي فليكن هدفاً وسطياً، ولكنه أيضاً كاٍف لإثبات أنّ مقنّن الحياة
والتطور هادف، مع أننا أثبتنا وسنثبت أنّ التطور هادف حتى دون الالتفات إلى الإنسان
كنتيجة وهدف له. ثم إنّ عملية الانتقاء أو الاصطفاء الطبيعي التي تحصل لكل جيل هي نتاج
عملية مراجعة دورية قانونية مفروضة من الداخل(١) والخارج(٢) لتمرير ما يناسب الاستمرار
وفق القانون المحدد ومنع ما لا يناسب الاستمرار وفق نفس القانون المحدد للتطور، وهذا
يعني بوضوح أنّ قانون التطور موضوع ليوصل الحياة إلى نتيجة معينة أو هدف محدد.
وحقيقة لا ينقضي العجب من د. دوكنز والملحدين عندما يرون كل هذا التقنين ثم يقولون لا يوجد مقنّن، وعندما يرون الأهداف القريبة المدى ويعترفون بها ثم ينكرون الهدف البعيد
المدى مع أنه نتيجة تراكمية حتمية للأهداف قريبة المدى.

ببساطة:

عندما يكون لدينا طريق يستمر من النقطة A الى النقطة Z

ويبدأ شخص رحلته من النقطة A إلى النقطة B وهو هادف الوصول إلى النقطة B

ثم يستمر برحلة أخرى من النقطة B إلى النقطة C وهو هادف الوصول إلى النقطة C

ثم يستمر برحلته من النقطة C إلى النقطة D وهو هادف الوصول إلى النقطة D

وهكذا تستمر الرحلة حتى يصل في النهاية إلى النقطة.Z

فهذا الشخص حتماً لم يكن هدفه النقطة Z منذ البداية، ولكن القانون الذي جعل
هدف هذا الشخص في كل مرة نقطة معينة تقدمه خطوة باتجاه النقطة Z حتماً هو قانون
نتيجة تطبيقه التراكمية هي الوصول إلى النقطة Z، فمجموع الأهداف قصيرة المدى نتج عنه
الهدف بعيد المدى أي أن تطبيق هذا القانون في كل مرة أوصلنا في النهاية إلى النقطة Z مع
العلم أنّ النقطة Z لابد لمسيرة التطور العامة من الوصول لها، فتصور أنها آلة الذكاء (الدماغ
مثلاً) أو آلة تحسس الضوء (العين مثلاً)، وكلاهما لابد أن يوفر الطفر جيناتها وتحسينها ولابد
للانتخاب أن يثبتها ويثبت تحسينها، وبهذا حسمت المسألة لصالح أنّ التطور هادف.

ويجب الانتباه أننا يمكن أن نتصور إحدى نتائج التطور وهي عبارة عن كائنات عمياء أو
لا تمتلك آلة ذكاء، ولكن من غير الممكن أن نتصور أنّ التطور لا يوفر آلة الذكاء أو الإبصار
ويثبتها ويحسنها بمسيرته العامة وفي الحياة بشكل عام وليس في أفراد نوع معين.

إذن، فالتطور هادف وقانوني، ولهذا القانون مقنّن هادف يقصد من تطبيقه الوصول إلى
الهدف.

هناك تقنيات عالية أو أجهزة مركبة ومعقدة مثل العين والسونار قد توصل لها حيوانات
بعيدة عن بعضها وبدأت بتطويرها من نقاط مستقلة وبخطوط تطور مستقلة تماماً ولكنها
وصلت لنفس النتيجة، فتحديد الموضع بالصدى موجود عند الخفاش وأيضاً عند طيور
الزيت التي تبني أعشاشها في الكهوف شبه المظلمة وأيضاً عند الحيتان والدلافين التي تعيش
في الماء، ورغم أنها حيوانات مختلفة عن بعضها تماماً وبيئتها تختلف ولكنها وصلت لنتيجة
واحدة، فسواء كان وسط نقل الموجات هو الهواء كما في الخفاش أم الماء كما في الحيتان
وسواء كانت الموجات فوق صوتية كما في الخفاش أم كانت موجات صوتية مسموعة لنا كما
في طيور الزيت فالنتيجة التي وصل لها الجميع واحدة وهي القدرة على استخدام الموجات
لتحديد الموضع.

أيضاً عين الاخطبوط ظاهرياً كأعيننا ولكنها تشريحياً تختلف بشكل كبير جداً؛ حيث إن
الأسلاك التي تربط الخلايا الضوئية بالدماغ عندنا تمر فوق سطح الشبكية لتشكل شبكة
أسلاك تعيق الضوء نوعاً ما، بينما في عين الاخطبوط الأسلاك التي تخرج من الخلايا الضوئية
لا تتجه إلى الأمام لتمر أمامها وتحجب الضوء، وهذا يعني بشكل مؤكد أن نقطة بداية تطور
عين الاخطبوط تختلف تماماً عن نقطة بداية تطور عيننا، ومع هذا وصل التطور بالاخطبوط
وبنا إلى نتيجة واحدة وهي عين للإبصار متشابهة تقريباً، ومعنى هذا أن الإبصار هو غاية جزئية
يهدف التطور الوصول إليها حيث إن عدة مسارات تطويرية مختلفة تماماً وبدايتها مستقلة
تماماً وصلت لنفس النتيجة في نهاية التطور التي نعرفها أي الزمن الحالي، وحتى د. دوكنز يؤكد
هذه الحقيقة ولكنه لا يلتفت إلى أنه لما أثبتها فقد أثبت أن التطور هادف:

«فأنه مما هو قليل الاحتمال الى حد التلاشي أن يحدث قط التحرك في المسار
التطويري نفسه مرتين. ويبدو لنفس الاسباب الاحصائية، انه مما يقل احتمالية بما يشابه
ذلك، أن خطين للتطور يبدان من نقطتين مختلفتين ينبغي ان يتلاقيا في نقطة النهاية
نفسها بالضبط. إذن، فإنها لشهادة لقوة الانتخاب الطبيعي تبهر كثيرا، عندما يمكن العثور
على امثلة عديدة في الطبيعة الحقيقية، يظهر فيها أن خطوطا مستقلة للتطور اتية من
نقطة ابتداء مختلفة جدا، قد تلاقت فيما يبدو تماما على انه نقطة الانتهاء نفسها. ولو نظرنا
نظرة تفصيلية - ويكون من المزعج الانفعل- فسوف نجد أن التلاقي لا يكون كليا. فخطوط
التطور المختلفة تشي باصولها المستقلة في نقط تفصيلية عديدة. فعيون الاخطبوط مثلا تشبه أعيننا كثيرا ولكن الاسلاك التي تخرج من خلاياها الضوئية لا تتجه اماما ناحية
الضوء مثلما تفعل عندنا. وعيون الاخطبوط، من هذه الوجهة، مصممة على نحو اكثر
معقولية. وهي وصلت لنقطة نهاية مشتبهة، ابتداءً من نقطة بداية مختلفة جدا على ان ما
يشي بالحقيقة لهو تفصيلات كهذه»(١).

إذن، التطور في جزئية مثل العين وصل لنتيجة واحدة - هدف واحد، رغم أنّ البدايات
مختلفة ومسارات التطور مختلفة، ودوكنز أبدى عجبه من هذه النتيجة الموحدة رغم اختلاف
البدايات واختلاف المسارات:

«فإنها لشهادة لقوة الانتخاب الطبيعي تبهر كثيراً».

ينبهر نعم لكون النتيجة واحدة رغم اختلاف البدايات والمسارات، ولكنه يأبى أن يقر بأنّ
هذه النتيجة الموحدة لمسارات مختلفة هي هدف واضح للتطور؛ لأن اعترافه بالهدف يعني
اعترافه بوجود الله وهو لا يريد أن يصل إلى هذه النتيجة حتى لو كانت واضحة ومبهرة.

«وهناك على الاقل مجموعتان من الخفافيش، ثم مجموعتان من الطيور، والحيتان
ذات الاسنان وربما على نطاق أصغر عدة انواع أخرى من الثدييات، كلها قد تلاقت
مستقلة على تكنولوجيا السونار، في وقت ما اثناء مئات ملايين السنين الاخيرة. وليس
لدينا اي طريقة لنعرف إذا كانت حيوانات اخرى قد انقرضت الان - لعلها الزواحف
المجنحة؟ - قد طورت ايضا هذه التكنولوجيا مستقلة»(٢).

«وقد اًعتقد لزمن طويل ان الشيهم الافريقي على صلة قرابة وثيقة بالشيهم الامريكي،
ولكن الاعتقاد الان هو ان المجموعتين قد طورتا فراءيهما الشوكي كل على نحو مستقل.
والاشواك هي فيما يفترض، مفيدة لكليهما لأسباب متماثلة في القارتين. من الذي يستطيع
ان يقول أن علماء التصنيف لن يغيروا رأيهم في المستقبل مرة اخرى؟ اي ثقة يمكن أن
نضعها في علم التصنيف إذا كان التلاقي في التطور مُزيِف قوي هكذا لأوجه تشابه
خادعة؟»(٣).

د. دوكنز يرى في هذه الحقائق دليلاً على قوة الانتخاب الطبيعي، ولكنه لا يرى للأسف
دلالتها الأقوى عندما وصلت - رغم اختلاف بدايتها وبيئتها - إلى نفس النتيجة (الهدف)، على
أنّ التطور هادف!

هل يمكن لعاقل أن يرى عدة أشياء تحمل معلومات لحركتها وتتحرك في مسارات توصلها
جميعاً إلى نقطة تجتمع هذه الأشياء حولها ثم يقول: إنّ هذه الأشياء ليست هادفة، ويقول
إنّ معلومات الحركة التي قامت بتوجيه حركتها تتغير بصورة عشوائية وغير مقننة ولا هادفة؟!

هل يمكن أن نسأل أنفسنا: إذا كانت حركة طفر وتغيير الجينات عشوائية تماماً وغير
مقننة للوصول إلى هدف، والانتخاب لا يهدف الوصول إلى أهداف معينة على المدى البعيد،
إذن كيف بالنتيجة هذه المعلومات أوصلت الجميع عندما اكتملت مساراتهم التطورية إلى
نفس النقطة؟

شكل١٢: يوضح الفرق بين عين الانسان والاخطبوط

Ogura and al., Comparative analysis of gene expression for المصدر(١):
convergent evolution of camera eye between octopus and human

فمثلاً: الدماغ وزيادة تعقيده وزيادة حجمه مع الزمن هو دليل واضح على أنّ التطور
يتجه إلى نتيجة معينة يريد الوصول إليها، وهذه النتيجة أو الهدف هي زيادة حجم الدماغ.

«واختبارات الدقة هذه على الجماجم الحديثة تشجع على الوثوق في تقديرات
جريسون للأمخاخ التي ماتت منذ زمن طويل. واستنتاجه هو انه ثمة اتجاه لأن تزيد
الأمخاخ حجما بمرور ملايين السنوات. وفي أي وقت بعينه، فإن العاشبات السائدة وقتها
تنزع إلى أن تكون أمخاخها أصغر من اللاحمات المعاصرة التي تقوم بافتراسها. ولكن
العاشبات المتاخرة تنزع لأن تكون لها امخاخ اكبر من العاشبات الأقدم، كما تنزع
اللاحمات المتاخرة لأن تكون لها امخاخها أكبر من اللاحمات الاقدم»(١).

في ظل هذا الاتجاه المحدد للتطور بالزيادة في حجم الدماغ مع الزمن ومع معرفتنا
بالأهمية الكبرى لحجم الدماغ نرى بوضوح أنّ التطور يهدف للوصول إلى حجم دماغ كبير
ومؤهل لأداء مهمة ما، حيث إننا نرى ونعرف الآن ما قدمه الدماغ الكبير، فلا يشك أحد أنّ
لحجم ونوع الدماغ البشري أهمية كبرى في مسألة اختلاف الإنسان عن غيره من بقية
الحيوانات.

وتطور الدماغ كماً وكيفاً وبشكل كبير ومضطرد في الفترة الأخيرة من التطور بالتحديد دال
بلا شك على أنه هدف للتطور، أو لنقل إنّ أهم هدف أنتجه التطور - ونحن ندركه وندرك
أهميته وأفضليته على بقية نتاج التطور - هو الذكاء الذي هو عبارة عن نتاج الدماغ، إذن
فالذكاء نتيجة حتمية لنشوء الحياة أو على الأقل هو نتيجة حتمية بالنسبة للحياة بالحدود
التي نعرفها ونحن على هذه الأرض، وبما أنّ الحياة التي نعرفها هي عبارة عن خريطة جينية
وانتخاب يقوم بصقلها فتكون النتيجة أنّ الخريطة الجينية والانتخاب أو لنقل التطور هادف
وهدفه هو الذكاء أو انتاج حياة ذكية، وبالحدود التي نعرفها للذكاء يكون الهدف هو دماغ كبير
ومعقد

«يعتمد عدد الحضارات المتقدمة في درب اللبانة على عوامل عديدة تتراوح بين عدد الكواكب حول كل نجم وفرصة نشأة حياة عليها. ولكن بمجرد نشأة حياة في بيئة مناسبة
وإتاحة الفرصة لها للبقاء بلايين السنين، فإنها ستنمو حسب توقع كثير منا إلى مخلوقات
ذكية، طريق التطور سيكون مختلفا بالطبع عن طريقنا، إذ إن تتابع الاحداث التي حدثت
عندنا، بما فيها انقراض الديناصورات، وما حدث في عصر غابات البليوسين
والبليوستوسين Pleistocene and enecoilP، لم يحدث في كل الكواكب الاخرى ولكن
قد تكون هناك ممرات أخرى لنتائج مشابهة، ولا يوجد أي سر غامض لهذا، فمن الطبيعي
أن تكون الاحياء الذكية اطول معيشة واكثر إنتاجا من الاحياء الغبية»(١).

«فإن كل علماء التطور تقريبا يرفضون مذهب ثبات السرعة، ومن المؤكد أيضا أن
داروين كان سيرفضه. وكل من ليس على مذهب ثبات السرعة، يكون على مذهب تغير
السرعة. ونستطيع أن نميز في داخل مذهب تغير السرعة نوعين من العقائد، عنوانهما
مذهب السرعة المتمايز ومذهب تغير السرعة المستمر. ومن يتبع تبعية متطرفة مذهب
التمايز لا يقتصر على الاعتقاد بان التطور يتغير في سرعته. وإنما هو يعتقد ايضا ان السرعة
تنقلب فجاة من أحد المستويات المتمايزة إلى الاخر، مثله مثل صندوق تروس السيارة.
وهو قد يؤمن مثلا بأن التطور له فقط سرعتان: سرعة سريعة جدا والأخرى هي توقف عن
الحركة. والتطور المتوقف هو السكون الذي يعتقد الترقيميون انه يميز العشائر الكبيرة.
والتطور باعلى سرعة هو التطور الذي يجري أثناء التنويع، في عشائر صغيرة منعزلة على
أطراف العشائر الكبيرة الساكنة تطويريا. وحسب هذه النظرة، فإن التطور يكون دائما إما
بالواحدة أو الأخرى من هاتين السرعتين، ولا يكون قط فيما بينهما. والدردج وجولد
ينزعان للاتجاه إلى التمايزية، وهما من هذه الوجهة راديكاليان أصيلان. ومن الممكن ان
يطلق عليهما أنهما من اتباع مذهب تغير السرعة التمايزي. وفيما يتفق، فإنه ما من سبب
معين يجعل مما ينبغي على تابع مذهب تغير السرعة التمايزي ان يؤكد بالضرورة على ان
التنويع هو وقت التطور على اعلى سرعة. إلا أن معظمهم يفعلون ذلك عند التطبيق.

أما اتباع مذهب تغير السرعة المستمر فإنهم من الناحية الأخرى يؤمنون بان معدلات
التطور تتراوح باستمرار من معدل سريع جدا إلى معدل بطيء جدا إلى التوقف، بكل ما
بين ذلك من توسطات. فهم لا يرون ان هناك أي سبب بعينه للتاكيد على سرعات معينة
أكثر من الأخرى. والسكون بالذات، هو بالنسبة لهم مجرد حالة قصوى من التطور فائق
البطء. وبالنسبة للترقيمي فإن ثمة شيئا خاصا جدا فيما يتعلق بالسكون. فالسكون
بالنسبة له ليس فحسب تطورا بالغ البطء حتى لتكون سرعته هي الصفر: السكون ليس
مجرد انعدام سلبي للتطور بسبب عدم وجود قوة دافعة لصالح التغير، وإنما الأولى أن
السكون يمثل مقاومة إيجابية للتغير التطوري. فالأمر يكاد يكون وكأن الأنواع تتخذ
خطوات فعالة حتى لا تتطور وذلك رغما عن القوى الدافعة التي تعمل في صالح التطور.
والبيولوجيون الذين يتفقون على ان السكون ظاهرة حقيقية عددهم اكثر ممن يتفقون
على اسبابه»(١).

لا يهمنا هنا تفصيل مذاهب التطويريين أو خلافهم في آليات التطور وسلوك الأنواع في
التطور، وإنما نقلت الكلام المتقدم لبيان مسألة علمية يتفق عليها البيولوجيون المتخصصون
في علم التطور تقريباً، وهي أنّ سرعة التطور غير ثابتة فهناك مراحل كان فيها التطور سريعاً
وهناك مراحل كان فيها التطور بطيئاً، وهذا التغير في سرعة التطور يمكن أن يفسر إشكالية
نقص السجل الجيولوجي بالنسبة لعلماء التطور؛ لأن حركة التطور بسرعة عالية بمقاييس
التطور في فترة زمنية معينة يفسر عدم وجود احفوريات انتقالية يتوقع الباحث أن يجدها
حيث إنّ قصر الفترة الزمنية التي عاشت ووجدت فيها الكائنات الانتقالية بالمقياس الجيولوجي
يجعل من الصعب الحصول على متحجرات انتقالية فيها، ولكن في نفس الوقت فإنّ هذا الأمر
يعطينا دلالة واضحة على قانونية الخريطة الجينية، فهذه السرعة المتغيرة أكيد أنها محكومة
بقدر كبير بالطفر الجيني وهذا يعني أنّ سرعة الطفر حتماً متغيرة خلال مسيرة التطور وهي
متسارعة وسريعة في فترات معينة، ويمكن أن نلاحظ أنها الفترات الانتقالية بين الأنواع بالذات
أو فترات التنويع، وهذا يضع علامة استفهام كبيرة ولا يجد الباحث في التطور أي جواب منطقي
عنها.

والتعليل المنطقي لها هو أنّ الكروموسومات يحكمها قانون يحدد سرعة طفرها أي إنّ
الخريطة الجينية مقننة، ولهذا فهي تنتج طفراً كثيراً جداً وباتجاه محدد في فترة زمنية معينة بحيث تضغط على مسيرة التطور فيها وتجعله يتسارع ومن ثم يسير بسرعة عالية حتى يصل
إلى هدف محدد في فترة زمنية معينة من التطور، ويمكن أن نقول: نوع أو أنواع جديدة ثم
تعود سرعة الطفر إلى السكون أو السرعة البطيئة جداً ويعود معها التطور لأنه يعتمد عليها
فبدون طفر جيني لا يوجد تطور.

وأيضاً عندما نجد أنّ سرعة التطور لجزء معين تزداد في مرحلة معينة وزيادتها نحو
التحسين بشكل ملحوظ فمعنى هذا أنّ سرعة الطفر أيضاً ازدادت في تلك المرحلة بشكل كبير
مع انحيازها نحو التحسين وهذا طبيعي لتوفر خيارات كثيرة لسرعة التطور نحو الأحسن، فإذا
أخذنا كمثال مسيرة تطور دماغ الإنسان الحالي فإننا نجده قد تسارع في التطور وبشكل كبير
باتجاه زيادة الحجم خلال ملايين السنين القليلة الأخيرة، وزيادة حجم الدماغ يمثل تطوراً
نافعاً للجسم بل هو أهم نتيجة تحسين للتطور على الاطلاق، والتعليل المنطقي الوحيد لزيادة
سرعة الطفر بشكل كبير باتجاه زيادة حجم الدماغ عند الإنسان في ملايين السنين القليلة
الأخيرة هو أنّ الطفر مقنن وهادف ومعتمد بدرجة كبيرة على قانون داخلي للخريطة الجينية
وليس عشوائياً تماماً أو معتمداً على أسباب عشوائية فقط كالخطأ في النسخ الجيني والقصف
الاشعاعي الكوني.

«واحد من أسرع التغيرات التطورية المعروفة، وهو تمدد حجم الجمجمة البشرية
ابتداءً مما كان في السلف يشبه نوع استرالوبثيكوس حيث حجم المخ يقرب من خمسمائة
سنتيمتر مكعب حتى النوع الحديث هوموسابينس الذي يبلغ متوسط حجم مخه ما يقرب
من ١٤٠٠ سنتيمتر مكعب وهذه الزيادة بما يقرب ٩٠٠ سنتيمتر مكعب أي زيادة حجم
المخ بثلاثة امثال تقريبا قد تم انجازها فيما لا يزيد عن ثلاثة ملايين من الاعوام ويعد هذا،
بالمقاييس التطويرية، معدلا سريعا للتغير: ويبدو ان حجم المخ يتمدد كالبالونة بل عند
النظر إلى جمجمة الانسان الحديث من بعض الزوايا فإنها تبدو بالفعل مشابهة لبالون
مستدير ناتئ إذ تقارن بجمجمة نوع استرالو بثيكوس الأكثر تفلطحا وذات الجبين
المائل»(١).

«ومن المؤكد اننا نستطيع تمييز اتجاهات للتغير على المدى الطويل - فالسيقان
تزداد طولا في اطراد، والجماجم تزداد تمددا في اطراد وهكذا دواليك - ولكن الاتجاهات كما نراها في سجل الحفريات تكون عادة بانتفاض وليس بسلاسة»(١).

«وعندما قدم عالما الباليونتولوجيا الامريكيان، نايلز إلدرج وستيفن جاي جولد،
نظريتهما عن التوازنات المرقمة لأول مرة في عام ١٩٧٢ فإنهما قدما ما اصبح يعرض منذ
ذلك الوقت كطرح لفرض مختلف تماما. إنهما قد اقترحا ان سجل الحفريات قد لا يكون
ناقصا بدرجة النقص التي نتصورها. ولعل الفجوات هي انعكاس حقيقي لما حدث واقعيا،
باولى من ان تكون نتائج مزعجة لا يمكن تجنبها لسجل حفريات غير مكتمل وهما
يقترحان أنه ربما قد حدث فعلا بمعنى ما ان كان التطور يجري في تفجرات مفاجئة، تضع
فاصلة ترقيم بين فترات طويلة من السكون حيث لا يقع تغير تطوري في السلالة
المعينة»(٢).

أيضاً تجدر الاشارة هنا إلى أنه لو كان الطفر الجيني الذي يوفر التمايز اللازم للتطور
معتمداً فقط على الخطأ غير المقصود في النسخ الجيني(٣) والطفر نتيجة قصف الاشعاع
للكروموسومات ومثل هذه الأمور التي يمكن أن يقال إنها عشوائية وغير قانونية، فمن غير
المعقول أن يتوقف تأثير الطفر الجيني تماماً ليبقى حيوان أو سمك - كالأسماك الجوفية
الشوكية لاتيميريا - دون أن يتطور أو يتغير لمئات ملايين السنين رغم أننا نعلم قطعاً أنّ البيئة
المحيطة به تتغير باستمرار وبعض الأحيان تغيرات متطرفة جداً كالتغير الذي حصل قبل ٦٥
مليون سنة تقريباً وأدى إلى انقراض الديناصورات ومعظم الكائنات على الأرض، والخطأ في
النسخ والطفر نتيجة الاشعاع المفروض أنهما متوفران دائماً طالما أنّ هناك تكاثراً ونسخاً
وطالما هناك اشعاعات كونية تقصف باستمرار فما الذي حصل وجمد التطور في هذه
الكائنات؟!

هذه الظاهرة الغريبة كما في سمكة لاتيميريا أو سرطان حدوة الحصان crabs Horseshoe أو في حيوان نوتيلوس Nautilus أو حتى سلحفاة التمساح turtle snapping alligator يعللها
الترقيميون (مذهب تطويري) على أنها نتيجة مقاومة الكائنات للتطور، ويعللها دوكنز الذي ربما
لا يقبل المذهب الترقيمي بأنها نتيجة توافق مجموعة الجينات وعدم قبولها دخول جينات
جديدة ضمن المجموعة العاملة، وفي كلا الحالين فإنّ الأمر يعني أن هناك شيئاً في الخريطة
الجينية جعل التطور يقبع في حالة سكون كما في هذه الحالة المتطرفة في سمكة لاتيميريا
ونحن يمكن أن نسميه قانوناً داخلياً للخريطة الجينية يحكم الخريطة وهو الذي يجعلها في
كثير من الأحيان تسير بهذا الاتجاه أو بذاك الاتجاه، وهو الذي يوقفها بعض الأحيان في حالة
سكون تام لفترة طويلة جداً لا تتناسب حتى مع مقاييس التطور البطيئة جداً (١).

والجينات هي عبارة عن معلومات تكتب بلغة معينة في الكروموسومات ووجود قوانين
تحكمها كالقانون الذي فرضه البروفسور دوكنز يعني أن هناك مقنناً لها هو الذي وضع قوانين
عملها فإذا سارت بهذا الاتجاه يمكن أن تتوقف من جهة معينة عند نقطة معينة، في حين إذا
سارت بذاك الاتجاه لا تتوقف عند هذه النقطة كما هو واضح بجلاء في عين حيوان نوتيلوس
التي هي عبارة عن ثقب مفتوح يحوي خلايا التحسس أي أنه يملك عيناً متطورة بدون عدسة
في حين أنّ أقرباءه الآخرين كالاخطبوط يملك عيناً متطورة عالية الجودة بعدسة.

شكل١٣: يوضح مراحل تطور وزيادة تعقيد تركيب العين من خلال استعراض صور تشريحية
لعيون الاخطبوط والنوتيلوس وغيرها

المصدر(١): الموسوعة البريطانية ـ Britannica Encyclopædia

شكل١٤: يوضح مقارنة بين عيون عدة كائنات وهي متدرجة في التطور والتعقيد

Reece and al., Campbell biology: concepts &connections المصدر(١):

اللغة الجينية الموجودة في DNA الشجر هي نفسها اللغة الجينية الموجودة في DNA أي
حيوان وهي نفسها اللغة الجينية الموجودة في DNA الإنسان، وفي وحدة هذه اللغة ودقتها
وتقنينها بحيث إنها مقروءة ومفهومة من الجميع رغم أن التطور سار باتجاهات مختلفة
وبمستويات مختلفة دلالة واضحة على أنّ واضعها متكلم بقانون وبعلم بحيث إنه وضع اللغة
الجينية بصورة قانونية تجعلها في حفظ من تأثيرات التطور المستمرة حيث إن لها قاموساً
دقيقاً لا يتغير وكاٍف ليسع كل اتجاهات التطور، ويمكننا أن نفهم عظم هذا الأمر من خلال
مقارنة اللغة الجينية بلغاتنا التي تتشعب باستمرار وتتأثر بالمحيط وتتغير مع كل تطور يطرأ
على حياتنا.

أكيد أنّ وجود منظومة توازن تدل بوضوح على أنّ هناك من قصد ترتيبها بهذه الصورة؛
لأن مسألة التوازن عند النقطة الحرجة ليس مسألة بسيطة بل هي نظام دقيق ومهم جداً وهو
أمر يستخدمه المصممون للأنظمة الهندسية كثيراً (١)، فإذا وجد فهو دال على أن وراءه منظم
كما أنها لا تأتي من العشوائية ومن لا نظام ففاقد الشيء لا يعطيه، ونحن وجدنا أنّ منظومة
التطور قد ترتبت بحيث إنها توفر هذا التوازن الضروري جداً في بعض الأحيان، مثلاً: إنّ
الانتخاب في بعض الأحيان يكون عبارة عن ناتج توازن بين الانتخاب الجنسي والانتخاب
الطبيعي للبيئة والظروف المحيطة، فبعض الأحيان الانتخاب الجنسي يؤدي إلى تنمية أجزاء
معينة أو تلوينها كذيل طائر الهويدا أو ذيل الطاووس ولو ترك الأمرإلى الانتخاب الجنسي فقط
لما توقفت الزيادة في هذه الأجزاء طالما أنّ الطفر الجيني والتمايز يوفر المزيد، وطالما الاناث
تفضل هذه الزيادة في طول الذيل مما يجعل الذكر طويل الذيل صاحب حظ أوفر في نشر جيناته، ولكن عندما تصل تلك الزيادة نتيجة الانتخاب الجنسي إلى نقطة معينة ويصبح طول
الذيل عائقاً عن تحصيل الطعام بسهولة أو الهرب من المفترس عندها يكون ضرر الزيادة
باهضاً ويمثل هلاك الكائن بحسب الانتخاب الطبيعي للبيئة المحيطة، وعندها يضغط
الانتخاب الطبيعي بالاتجاه المعاكس وعند نقطة معينة يحصل التوازن فيتوقف التطور
عندها في حالة اتزان.

ولولا الانتخاب الجنسي لما حصل التطور بهذا الاتجاه، كما أنه لولا الانتخاب الطبيعي لما
حصل التوازن عند نقطة مثالية أي أن منظومة التطور تعمل هنا وكأنها جهازهندسي يتضمن
صمام أمان كتلك الصمامات التي يضعها المهندسون لتحديد كمية الضغط أو الحرارة
المسموح بها فبعد أن يصل الضغط أو الحرارة إلى المستوى المحدد المسموح به يقوم الصمام
بغلق المنفذ ولا يسمح بارتفاع الضغط أو الحرارة أكثر، ولولا وجود هذا الصمام لانفجر الجهاز
أو المحرك أو المصنع.

ويجب أن ننتبه إلى أمر مهم وهو كوننا قادرين على وضع تفسير علمي للحدث في وسط
معين لا يعني أنّ هذا الوسط لا قانوني وعشوائي وغير هادف ولا مؤثر خارجي له، بل غاية ما
في الأمرأننا تمكنا بقدرٍما من فهم ومعرفة الخريطة القانونية التي يعمل بموجبها هذا الوسط.

شكل١٥: صورة تظهر ذكر طائر الهويدا وهو يستعرض طول ذيله لأحدى الاناث

wilkinson's World المصدر(١):

صورة أخرى ترينا المقنن إذا وجدنا القانون:

الحقيقة، إنّ استدلالنا بالقانون على وجود المقنن لا ينقضه عدم رؤيتنا للمقنن؛ لأن
وجود القانون والتنظيم بحد ذاته دال على وجود المقنن والمنظم وإن لم نشهد نحن هذا المقنن
أو المنظم بل يكفي أننا شهدنا ورأينا النظام والقانون الدال عليه، فمثلاً: لو كانت هناك حياة
ذكية جداً على كوكب آخر غير الأرض وأرادوا السيطرة على الأرض من خلال كمبيوترات
وروبوتات خاصة بهم تصنع في الأرض وقاموا بإرسال رسالة الكترونية وهي عبارة عن خريطة
لإنتاج كمبيوترات متطورة وروبوتات متطورة ذات تقنيات عالية لا نعرفها كأن تكون عاقلة
بقدر ما وعندما وصلتنا الرسالة الالكترونية قامت بالنفاذ من خلال شبكة الانترنت إلى مصانع
إنتاج الدوائر الالكترونية والكمبيوترات والروبوتات وتم تنفيذها الكترونياً، ولكن بما أنّ هناك
أموراً أخرى تتدخل في عملية التجميع والانتاج مثلنا نحن فنتوقع أن يكون من نتاج تنفيذ
الرسالة الالكترونية كمبيوترات سيئة جداً وكمبيوترات مشوهة وأخرى عادية إلى جنب
الكمبيوترات والروبوتات الفائقة التي تهدف الرسالة الالكترونية انتاجها. ولو أنتجت
الكمبيوترات الفائقة الذكية والروبوتات المتطورة الذكية - والذكاء هو نتاج مواد كيميائية كما
نعلم - ثم سيطرت على الأرض وعلى عملية الانتاج والاعمار فيها بصورة كاملة ورأينا نحن هذه
النتيجة ونحن لا نعرف من أين أتت خريطتها، فكثير منّا ربما سيعزي خريطتها إلى أخطاء
حصلت في الكمبيوترات الأصلية أو شبكة الانترنت أو فايروسات دخلت إلى أنظمة المصانع..
الخ، وربما يعلل حُكمه هذا بأنّ هناك أيضاً كمبيوترات وروبوتات سيئة وعادية قد تم انتاجها.

والحقيقة إنّ هذا هو ما يفعله منظرو الإلحاد من خلال نظرية دارون كبروفسور دوكنز
ومن يسايره في قوله، ولكن العاقل عندما يرى هذه النتيجة سيحللها ويدرسها بصورة منطقية
ويعرف من خلال الدلالات والاشارات أنّ وراءها منظماً ومقنناً قنّنها وأرسلها لتنفذ في الأرض
بالامكانات المتوفرة في الأرض، فالذكاء هدف وأحد سبل تحقيقه هو العناصر الكيميائية
المعروفة والمتوفرة على الأرض بكثرة والتي يتركب منها الجهاز العصبي.

تعتمد نظرية التصميم الذكي على إثبات التصميم الذكي في سلسلة الأحياء وأجزائها وأنّ
هذا التصميم دال على مصمم لهذه الأحياء وبالتالي إثبات وجود إله، ويمكن أن تنقسم إلى:

- الاتجاه الأول: نظرية التصميم الذكي القائلة بالخلق دفعة واحدة، وهذه النظرية تريد
إثبات أنّ الكائنات الحية مصممة من خلال استعراض دقة وتعقيد الأجسام الحية وأجزائها
وبالتالي فهي منفذة مباشرة دون المرور بأي مرحلة تطور، وهذا الاتجاه هو السائد والمعروف
عن نظرية التصميم الذكي. وعموماً قد بيّنا أدلة التطور وكونها تملك من القوة والرصانة بما
يجعل من القول بالخلق دفعة واحدة قولاً ساذجاً.

- الاتجاه الثاني: يمكن تصور نظرية التصميم الذكي بحيث إنها توافق التطور وتريد أن
تثبت من خلال تركيب وتعقيد ودقة نظام الأجسام الحية وأجزائها أنّ الكائنات الحية مصممة
والتطور هادف، وبالتالي فهناك وراءه إله يريد الوصول إلى الهدف.

والإشكال على كلا الاتجاهين هو وجود ثغرات كبيرة في التصميم رغم أنّ المصمم الـمُدعى
(الإله) علمه مطلق وقدرته مطلقة، ومن كان كذلك لابد أن يكون تصميمه متكاملاً ولا يحتوي
ثغرات كبيرة كضعف العمود الفقري بالنسبة للإنسان وسبب ضعفه أنه مصمم لجسم منحنٍ
وغير مكتمل التصميم لجسم منتصب كجسم الإنسان، ولهذا فكثير من البشر على الكرة
الأرضية يعانون آلاماً في الظهر على الأقل في فترة من حياتهم. أيضاً عصب الحنجرة واستطالته
التي يعتبرها بعض المتخصصين في التشريح المقارن خطأ في التصميم وبالتالي فلا يمكن أن
تكون مصممة لكل نوع؛ لأنها استطالة بلا فائدة حقيقية بل مضرة حيث تعرض هذه
الاستطالة العصب لاحتمالية التعرض للضرر أكثر مما لو كان قصيراً ومختصراً على مقدار
الحاجة.

بالنسبة لمن يقولون بالخلق دفعة واحدة لا يمكن رد هذا الإشكال بصورة منطقية؛ حيث
إنّ خطأ عصب الحنجرة خطأ كبير وبالتالي فهو كاٍف لنفي التصميم الذكي للجسم بكل أجزائه
لكل نوع، ولا يمكن أن يُفسَّر هذا الخلل وهو بهذا المستوى من الابتعاد عن التصميم الذكي إلا
إذا كان عبارة عن إرث تطوري.

أما بالنسبة لمن يقولون بالتطور ومع هذا يقولون بالتصميم الذكي، فأيضاً إن قالوا إنّ
المصمم هو اللاهوت المطلق أي علمه مطلق وقدرته مطلقة فيكون الإشكال قائماً؛ حيث إنّ
الأجسام الحية في تصميمها خلل ينفي العلم المطلق للمصمم، أما إن قالوا كما قال الله في
القرآن بأنّ الخلق أو التصميم والتنفيذ للخلق كان بأيدي الله أي بتوسط خلق الله سبحانه
عندها يمكن تعليل أن يكون التصميم ليس متكاملاً تماماً، ويمكن تعليل وجود خطأ صغير في
التصميم عند بداية التطور توسع نتيجة التطور حتى أصبح إرثاً تطورياً متراكماً يؤشر خطأ
واضحاً في التصميم.

ويمثل هذا أيضاً دلالة واضحة على أنّ الخالق الأصيل هو الله سبحانه الإله المطلق،
ولكن الخالق المباشر ليس الله سبحانه وتعالى، بل هم خلق مكرمون باشروا الخلق بأمر الله
سبحانه وعكسوا نقصهم كمخلوقات نورانية تحتوي الظلمة؛ لأن النور الذي لا ظلمة فيه هو
الله سبحانه وتعالى أحسن الخالقين، الذي خلق العقل الأول محمداً (صلى الله عليه آله)
وخلق منه الأنوار الأولى ثم أمرهم بمباشرة الخلق كما يشاء وبحوله وقوته سبحانه، ولهذا قال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإْنسَانَ من سُلاَلٍَة مَّن طيٍن * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فيْ قَرَارٍ مَّكَيٍن * ثُمََّ خَلَقْنَا
النطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الَْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلقْنَا المْضُْغَةَ عظَاماً فَكَسَوْنَا العظَامَ لحْماً ثُمَّ أنشَأْنَاهُ
خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الْخَالقينَ﴾(١).

انظر إلى المفرد والجمع في الآية أيضاً: (خَلَقْنَا، جَعَلْنَاهُ، خَلَقْنَا، فَخَلَقْنَا، فَخَلَقْنَا، فَكَسَوْنَا،
أَنشَأْنَاهُ)، ثم خَتمت الآية ببيان أنّ المهيمن على الخالقين المباشرين للخلق هو الله سبحانه
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الْخَالقينَ﴾، وبيّن الله حال هؤلاء الخالقين وأنهمَ أيدي الله سبحانه أي
الذين باشر الله أحسن الخالقين الخلق بواسطتهم ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بأيٍْد وَإنَّا لمَوُسعُونَ﴾(٢).

ربما يقول بعضهم: قد يكون لوضع العمود الفقري للإنسان بهذا الشكل ولخريطة عصب
الحنجرة في الجسم بهذه الصورة فوائد معينة في مسيرة التطور أو حتى في مراحل عمرية
معينة، وفي الحقيقة إنّ هذا حتى لو صح بما لا يقبل الشك، فهو أيضاً لا ينفي كون هذه الأمور دالة على أنها إرث تطوري تاريخي وبالتالي فهي تنفي الخلق دفعة واحدة.

وهو أيضاً لا ينفي أنه ليس تصميماً صادراً من عالم قادر مطلق، فبالإمكان تصور وجود
تصميم أفضل منه وهذا يعني أنه ليس التصميم الأفضل والأمثل والأتم وبالتالي لا مناص من
القبول بما بيّنه الله في القرآن من توسط أيدي الله في الخلق.

خلاصة:

فيما تقدم في هذا الفصل أثبتنا أنّ التطور هادف من خلال إثبات أنّ آلة الذكاء الفائق
هي هدفه منذ البداية، وحاولنا بعدها من خلال إشارات ودلالات إثبات:

إنّ الطفر قانوني في بعض الأحيان، وبالتالي ثبت أنه هادف.

وأيضاً أنّ التطور الذي هو نتيجة حركة متناسقة للطفر والانتخاب قانوني وهادف.

ومخالفنا يفترض العكس ولكنه عاجز تماماً عن تقديم دليل قطعي على العشوائية الكاملة
غير قابل للنقض سواء في مرحلة الطفر الجيني كلها، أو في نتيجة التطور النهائية أو لنقل التي
وصل لها التطور إلى الآن، وهذا بحد ذاته يكفي لأن يقف الذي يريد إثبات عدم وجود إله فارغ
اليد من الدليل القطعي وعاجزاً عن الحكم بعدم وجود إله في هذه المرحلة، هذا إذا لم يكن
عليه أن يقر بوجود إله بناءً على الأدلة التي قدمت في هذا الفصل وعلى الأقل فيما يخص أن
آلة الذكاء هي هدف للتطور.

معلومات الصفحة
نوع الصفحة
الفصل الرابع: نظرية التطور والأدلة العقلية على وجود الرب أو الإله - وهم الإلحاد - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.