الفصول
الجانب الغيبي
البلاغ المبين (الجزء الأول) · الشيخ ناظم العقيلي
-ثانياً: الجانب الغيبي:
إضافة إلى وجود اسم أحمد الحسن في روايات أهل البيت ص أُيد أيضاً من جانب الغيب، كالاخبارات الغيبية، والرؤيا الصادقة، والمكاشفات بالأئمة الأطهار.
قال تعالى: ﴿الم ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾([١٤]).
فقد أخبر أحمد الحسن بكثير من الاخبارات الغيبية وقد حصلت، ورأى كثير من المؤمنين مكاشفات بالأئمة الأطهار وأكدوا لهم بأنّ أحمد الحسن على حق، وأنه رسول للإمام المهدي ع.
وأما الرؤيا فقد حصلت لعشرات المؤمنين وشاهدوا الإمام المهدي ع أو أحد الأئمة الأطهار ص أو فاطمة الزهراء (عليها السلام) في المنام وهم يؤكدون على أنّ أحمد الحسن مرسل من الإمام المهدي ع وعلى الناس نصرته.
فإن قيل لا تعتبر الرؤيا حجة أو دليل على صحة أي دعوة !!!
أقول: لا يمكن تأسيس هكذا قاعدة؛ لأنها منقوضة بعدة قصص حدثت مع الرسول محمد ص أو أحد الأئمة ص، منها:
عن جابر بن عبد الله الأنصاري: (دخل جندل بن جنادة بن جبير اليهودي على رسول الله ص فقال: ... ثم أني رأيت البارحة في النوم موسى بن عمران، فقال: يا جندل، اسلم على يد محمد خاتم الأنبياء واستمسك بأوصيائه من بعده. فقلت: اسلم ! فلله الحمد أسلمت وهداني بك. ثم قال: أخبرني يا رسول الله عن أوصياؤك من بعدك لأتمسك بهم، قال: أوصيائي الإثنا عشر. قال جندل: هكذا وجدناهم في التوراة. وقال: يا رسول الله، سمهم لي ؟ فقال: ...) ([١٥]).
وأيضاً قصة إسلام خالد بن سعيد بن العاص الأموي، كان سببه أنه رأى أباه يجره إلى النار والرسول محمد ص يجره إلى الجنة، فأتى للرسول ص وقصّ الرؤيا وأسلم وحسن إسلامه، وكان من الذين نصروا الإمام علي ع بعد وفاة الرسول ص عندما خذله الجميع.
وأما قصة نرجس أُم الإمام المهدي ع فإنها تعد من المشهورات، حيث كانت بنت قيصر الروم، ورأت في المنام أنّ الرسول محمد ص خطبها من عيسى بن مريم ع للحسن العسكري ع، وبعدها رأت فاطمة الزهراء (عليها السلام) ومريم (عليها السلام) وأمرتها فاطمة (عليها السلام) أن تسلم وتؤدي الشهادتين، فأسلمت نرجس (عليها السلام)، ثم أمست ترى الحسن العسكري ع في كل ليلة في المنام، وأمرها في أحد الليالي بأن تتنكر وتلبس ثياب الجواري وتذهب مع جيش والدها سراً والذي سيذهب إلى قتال المسلمين، لكي تصبح من سبايا المسلمين، ثم يتم شراؤها من قبل الإمام علي الهادي ع وتزويجها من الحسن العسكري ع. والقصة موجودة بكل تفاصيلها في إلزام الناصب ج ١ ص٢٨٥، وإكمال الدين للصدوق.
وقصة وهب النصراني واستشهاده مع الإمام الحسين مشهورة، وإنها كانت بسبب رؤيا رآها بعيسى ع وأمره بنصرة الحسين ع وضحى بنفسه وأهله من أجل رؤيا رآها في المنام.
وكذلك رأى الشيخ الصدوق (قدس سره) في المنام الإمام المهدي ع وأمره أن يصنف كتاباً في الغيبة، فامتثل لذلك الأمر وصنف كتاب كمال الدين، فهذا هو الشيخ الصدوق من أكبر علماء الشيعة وقد اعتد بالرؤيا وطبق أمر الإمام المهدي ع. فإما أن تكون للرؤيا حجية فيكون عمل الشيخ الصدوق صحيحاً، وإما إذا كانت الرؤيا ليست فيها أي حجية فيكون عمل الشيخ الصدوق بما جاءه في تلك الرؤيا سفه وسذاجة وحاشاه من ذلك وهو صاحب المقام الرفيع والشأن العظيم.
قال الشيخ الصدوق: (فبينا أنا ذات ليلة أفكر فيما خلفت ورائي من أهل وولد وإخوان ونعمة إذ غلبني النوم، فرأيت كأني بمكة أطوف حول بيت الله الحرام وأنا في الشوط السابع عند الحجر الأسود أستلمه وأقبله وأقول: أمانتي أديتها، وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة، فأرى مولانا القائم صاحب الزمان ع واقفاً بباب الكعبة، فأدنو منه على شغل قلب وتقسم فكر، فعلم ع ما في نفسي بتفرسه في وجهي، فسلمت عليه فرد عليّ السلام، ثم قال لي: لم لا تصنف كتاباً في الغيبة حتى تكفى ما قد همك. فقلت له: يا ابن رسول الله، قد صنفت في الغيبة أشياء، فقال ع: ليس على ذلك السبيل، آمرك أن تصنّف الآن كتاباً في الغيبة واذكر فيه غيبات الأنبياء ص. ثم مضى ع، فانتبهت فزعاً إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى إلى وقت طلوع الفجر، فلما أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلاً لأمر ولي الله وحجته، مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه ومستغفراً من التقصير وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)([١٦]).
وكثير من أمثال هذه القصص أعرضنا عن ذكرها لضيق المقام.
وأما الأنبياء والمرسلين فإنّ أغلبهم كانت نبوتهم عن طريق الرؤيا في عالم المنام ([١٧])، والقول بعدم حجية الرؤيا يستلزم خدش شخصيات كثير من الأولياء الذين آمنوا بسبب الرؤيا وبذلوا النفس والمال والولد من أجل (رؤيا رأوها)، فهل هؤلاء قد آمنوا من غير حجة وأنهم سذج حاشاهم، بل القول بعدم حجية الرؤيا يستلزم خدش في شخصية الرسول الأكرم ص وباقي الأئمة؛ لأنهم سكتوا عن هؤلاء الذين آمنوا بسبب الرؤيا، ولم يبينوا لهم عدم حجية الرؤيا، وكما هو معلوم أنّ تقرير المعصوم حجة، فما لكم كيف تحكمون.
ورداً على من قال بإمكان تمثّل الشيطان بشخصيات المعصومين في عالم الرؤيا.
أقول لهؤلاء: الأفضل لكم أن تدينوا بغير دين محمد ص؛ لأنّ هذا الكلام مكابرة ومخالفه صارخة لكلام أهل البيت ص.
عن الرضا ع، قال: (حدثني أبي، عن جدي، عن أبيه أنّ رسول الله ص قال: من رآني في منامه فقد رآني؛ لأنّ الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي ولا في صورة أحد من شيعتهم، وإنّ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوة) ([١٨]).
وعن رسول الله ص: (من رآني في المنام فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثل بي في النوم ولا يقظة ولا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة) ([١٩]).
عن الصادق ع أنه قال: (إذا كان العبد على معصية الله ( وأراد الله به خيراً أراه في منامه رؤيا تروعه فينجر بها عن تلك المعصية، وإنّ الرؤيا الصادقة جزءاً من سبعين جزءاً من النبوة) ([٢٠]).
عن الرسول ص أنه قال: (لا نبوة بعدي إلا المبشرات. قيل: يا رسول الله، وما المبشرات ؟ قال: الرؤيا الصالحة) ([٢١]).
عن أبي جعفر ع: (قال رجل لرسول الله ص في قولة (: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾([٢٢])، قال: هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنيا) ([٢٣]).
وغير ذلك العشرات من الأحاديث التي تؤكد أنّ رؤيا النبي ص أو أحد الأئمة المعصومين أو أحد المؤمنين من الشيعة لا يتمثل بها الشيطان ([٢٤]).
﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾([٢٥]).
إضافة إلى هذا كله، فإنّ أغلب الذين آمنوا بهذه القضية استخاروا عليها بالقرآن الكريم فخرجت الخيرة مؤيدة لصدق هذه القضية، ولعل عميان القلوب وقليلي الإيمان يعترضون على الاستخارة ويقولون بأنها ليست بحجة على صدق دعوى المدعي !!
-أقول لهؤلاء:
-أولاً:
قضية أحمد الحسن قضية غيبية ولا يمكن أن يستدل عليها استدلالاً شافياً إلا عن طريق الغيب والاستخارة من الأمور الغيبية الخارجة عن اختيار الإنسان، كما استدل عليه الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) في كتابه (ما وراء الفقه)، حيث قال ما مضمونه: (إنّ الإنسان المؤمن لا يمكن أن يغش أخاه المؤمن إذا استنصحه على أمر معين، فكيف الله سبحانه وتعالى وهو الرحمن الرحيم يمكن أن يغش من استنصحه ...)، وننصح بمراجعة بحث الاستخارة للسيد الصدر فإنه بحث رائع حقاً وصفعة في وجوه الذين لا يؤمنون بالغيب.
-ثانياً:
ورد عن أهل البيت في كثير من الأدعية توجيه الناس إلى اللجوء إلى الله تعالى في مواقف الحيرة ورد في دعاء الجوشن الكبير:
- فصل رقم ١: (... يا دليلي عند حيرتي، يا غناي عند افتقاري، يا ملجأي عند اضطراري، يا مغيثي عند فزعي).
- فصل رقم ١٤: (يا دليل المتحيرين، يا غياث المستغيثين، يا صريخ المستصرخين)،
- فصل رقم ٣٠: (... يا مرشد من استرشده، يا صريخ من استصرخه، يا معين من استعانه، يا مغيث من استغاثه).
- فصل رقم ٤٣: (يا من إليه ملجأ المتحيرون).
- فصل رقم ٥٩: (... يا دليل من لا دليل له).
- فصل رقم ٦٠: (يا هادي من استهداه).
- فصل ٨٧: (... يا هادي المضلين ... يا مفزع الملهوفين).
انتبهوا أيها المؤمنين إلى خطر هؤلاء الذين يقطعون الطريق على الناس ويشككون الناس بسبل الهداية التي وضعها الله تعالى للناس، والتي من أوضح مصاديقها الاستخارة والرؤيا الصادقة، وغيرها بعدد أنفاس الخلائق.
-ثالثاً:
ورد عن أهل البيت ص نصوص تحث الناس على اللجوء إلى الاستخارة عند الحيرة وعدم معرفة الهداية والتباس الأمور.
في وصية الإمام علي ع لابنه الحسن ع: (... واخلص في المسألة لربك فإنّ بيده العطاء والحرمان، وأكثر الاستخارة ...) ([٢٦]).
عن رسول الله ص، قال: (إذا أردت أن تتفاءل بكتاب الله ( فاقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات، ثم صلي على محمد وآل محمد ثلاثاً، ثم قل: اللهم إني تفاءلت بكتابك وتوكلت عليك، فأرني من كتابك ما هو مكتوم من برك المكنون في غيبك، ثم افتح من غير أن تعد الأوراق والخطوط) ([٢٧]).
وغيرها الكثير من الأحاديث تذكر وتحثّ الناس على الرجوع إلى الله تعالى وطلب الخيرة منه تعالى.
وروي إنّ صفوان بن يحيى الجمال استدل على إمامة علي بن موسى الرضا ع بالاستخارة، وهو من خيار الصحابة للإمام موسى الكاظم ع ومن المقربين، روى الشيخ الطوسي في غيبته ص٥٤.
روى علي بن معاذ، قال: (قلت لصفوان بن يحيى: بأي شيء قطعت على علي ؟؟ - أي علي بن موسى الرضا ع - قال: صليت ودعوت الله واستخرت وقطعت عليه). هذا شيء من الأدلة على حجية الاستخارة، والذين قالوا بعدم الحجية لا دليل لهم فكيف يرد الدليل باللادليل، فما لكم كيف تحكمون، ومن خصص الخيرة في مورد دون مورد فهو تخصيص بغير مخصص والإخبار على خلافة فلا يلتف إليه.
الهوامش
- ↩البقرة: ١ – ٣.
- ↩إلزام الناصب: ج ١ ص١٧٨.
- ↩كمال الدين وتمام النعمة: ج ١ ص٤ – ٥.
- ↩راجع للتأكد من ذلك أصول الكافي: ج ١ ص١٩٥ وما بعدها.
- ↩من لا يحضره الفقيه: ج ٣ ص٥٨٥، بحار الأنوار: ج ٤٩ ص٢٨٤، دار السلام: ج ٤ ص٢٧٢.
- ↩دار السلام: ج ٤ ص٢٧٣.
- ↩الاختصاص - للمفيد: ص٢٤١، بحار الأنوار: ج ١٤ ص٤٣٥.
- ↩بحار النوار: ج ٥٨ ص١٩٣.
- ↩يونس: ٦٤.
- ↩بحار الأنوار: ج ٥٨ ص١٨١.
- ↩راجع دار السلام - للميرزا النوري: ج ٤ ص٢٧٣.
- ↩الإسراء: ٧٢.
- ↩نهج البلاغة - صبحي الصالح: ص٣٩٣.
- ↩مفاتيح الجنان، الباقيات الصالحات.