الفصول

مناقشة النصوص التي يعتمدونها لإثبات عقيدة التثليث

البشارة بالمعزي أحمد ومطارحات في العقيدة المسيحية · عادل السعيدي

المصدر ↗

صفحات PDF الأصلية: ٤٦–٥٨

-الفصل الثاني:

مناقشة النصوص التي يعتمدونها لإثبات عقيدة التثليث

إنّ عقيدة التثليت التي يعتقد بها النصارى والتي يدافعون عنها ويؤكدون بأنها ذُكرت في الكتاب المقدس لا تحتاج من الباحث الكثير من الجهد لمعرفة بطلانها؛ وذلك لعدم وجود نصوص صريحة تبيّن تلك العقيدة، بل إنّ عقيدة الأقانيم الثلاثة أو الآلهة الثلاثة المتمايزة والتي هي جوهر واحد كما يزعمون ليس فقط لا وجود لنص قطعي ومحكم من الكتاب المقدس يسعفهم في إثباتها، بل إنّ العقل السليم يرفضها حتماً، وبلا إشكال ([٥٥]).

وحتى استشهادهم بنص (إنّ الذين يشهدون في السماء ثلاثة ...الخ) ([٥٦])، هذا النص غير أصلي، وقد وضعه المترجمون والشرّاح وضعاً رغم أنه أهم نص يستشهدون به على عقيدة الأقانيم الثلاثة.

نقرأ في سفر إشعياء: ٣٤/ ١٦: (فَتِّشُوا فِي سِفْرِ الرَّبِّ وَاقْرَأُوا).

ونقرأ في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي:١/ ٣: (طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّةِ، وَيَحْفَظُونَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهَا، لأَنَّ الْوَقْتَ قَرِيبٌ).

هذه النصوص تدعونا للقراءة والبحث والتدقيق؛ لأنّ في المعرفة نجاتنا، فتعالوا معنا نفتش ونبحث ونقرأ أسفار الكتاب المقدس لعلنا نجد غايتنا.

والمسيحيون يسوقون أدلة عقلية لتقريب مفهوم هذه العقيدة؛ لأنّ عقيدة التثليث تفتقر إلى النصوص التي تدل عليها؛ لهذا يلجأ فقهاء المسيحية إلى طريقة ضرب الأمثال للتدليل عليها من جهة، وتقريبها للأذهان من جهة أخرى.

ومن الأمثلة التي يسوقونها في هذا الصدد قولهم أنّ الشمس تتشكل من جسم وضوء وحرارة وهذه الثلاثة تشكل ثالوثاً، فلا يمكن فصل الشمس عن جسمها ولا عن ضوئها أو حرارتها. فهذه الثلاثة إذن شيء واحد وثلاثة في وقت واحد !

وكذلك الأمر بالنسبة لجسم التفاحة وطعمها ورائحتها.

ولكنهم يتغافلون عن حقيقة أنّ الحرارة والطعم والضوء والرائحة ليست سوى أعراض أو صفات لا تقوم ولا تستقل بذاتها، بينما الأقانيم الثلاثة بالنسبة لهم حقيقية ومستقلة بعضها عن الأخر، فالمساواة التي يزعمونها في الأقانيم الثلاثة منعدمة هنا.

ويضربون مثالاً آخر للثالوث، فيقولون: الإنسان يتكون من ذات وعقل وروح وهو واحد. وهنا لابد أن نعرف أنّ الذات تحتاج إلى الروح من أجل الحياة، وتحتاج إلى العقل من أجل التعقل، فنحن إذن بإزاء أجزاء يحتاج بعضها لبعض، وهي ليست مستقلة، كما يقولون بشأن الأقانيم، هذا إذا قلنا بأنّ هذه الثلاثة هي أجزاء.

والكلام نفسه يُقال بشأن مَثَل المثلث؛ فالمثلث يتشكل من ثلاثة أضلاع وهو واحد، ولكن ليس كل ضلع بمفرده مثلثاً، بل انضمامه للأضلاع الأخرى ينتج منه المثلث.

والآن نود أن نحرّر مسألة الأقنوم الثالث؛ وهو الروح القدس، وهل هو مخلوق أم أزلي ؟؟؟ وهل كان العلماء القدامى يعتقدون بأنّه إله ؟؟؟

وهل هناك نص واحد يؤكد على أنّ هذا الاقنوم هو إله أزلي ؟؟؟

لنطالع بعض النصوص التي يزعمون دلالتها على إلوهية الروح القدس ونضعها على طاولة البحث:

النص الأول:

رسالة يوحنا الرسول الأولى: ٥/ ٧: (فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ).

قالوا: هذا دليل قاطع على عقيدة الثالوث والأقانيم الثلاثة (الآب، والابن (الكلمة)، والروح القدس)، وهؤلاء الثلاثة واحد.

نقول: رغم أننا لا نعرف كيف أصبح ١+١+١= ١ لأنّ هؤلاء الثلاثة متمايزون بكل شيء، إلا أننا سنفتش النصوص لعلنا نجد ما يشير إلى ما ذهبتم إليه.

أولاً: هذا النص لم يظهر إلا في القرن الخامس عشر.

ثانياً: دائرة المعارف الکتابية تقول بأنّ هذا النص لا وجود له، وأيضاً تقول بأنها حاشية ولم تكن من ضمن النصوص، بل حاشية وتم إضافتها لاحقاً للنصوص.

هذا النص ليس من النصوص الأصلية في الكتاب المقدس؛ وذلك باعتراف دائرة المعارف الكتابية: الجزء الثالث: ص٢٩٥، حرف (خ)، مخطوطات العهد الجديد وتحت عنوان إختلافات مقصودة يقول: (وقد حدثت أحياناً بعض الإضافات لتدعيم فكر لاهوتي، كما حدث في إضافة عبارة (واللذين يشهدون في السماء هم ثلاثة) ([٥٧])، حيث إنّ هذه العبارة لا توجد في أي مخطوطة يونانية ترجع إلى ما قبل القرن الخامس عشر، ولعل هذه العبارة جاءت أصلاً في تعليق هامشي في مخطوطة لاتينية، وليس كإضافة مقصودة إلى نص الكتاب المقدس، ثم أدخلها أحد النسَّاخ في صلب النص.

ثالثاً: النص حسب التراجم العربية الحديثة:

١- الترجمة العربية المشتركة (المبسطة)؛ قامت بعملها لجنة من مختلف الطوائف المسيحية العربية حذفت النص.

٢- الترجمة الكاثوليكية الحديثة أو اليسوعية (منشورات دار المشرق - بيروت) حذفت النص وكتبت في الهامش أسفل الفقرة التي تسبقه (ص: ٩٩٢، الطبعة ١٩): في بعض الأصول: (الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد. لم يرد ذلك في الأصول اليونانية المعوّل عليها، والراجح أنّه شرح أدخل إلى المتن في بعض النسخ).

٣- الترجمة التفسيرية للكتاب المقدس (كتاب الحياة) وضعته بين قوسين وكتبت بالمقدّمة: إنّ ما بين الأقواس عبارة عن شرح وتفسير وغير موجود بالنص الأصلي.

إذن النص لا وجود له وتم زجّه؛ لأنّ هناك عقيدة يراد لها أن تظهر للعلن ولا وجود لها في نصوص الكتاب المقدس.

رابعاً: شهادة عالم كبير؛ هو إسحاق نيوتن الذي يقول: (إنّ هذا المقطع ظهر أول مرّة في الطبعة الثالثة من إنجيل إيرازمس للعهد الجديد، ويضيف نيوتن أيضاً نقطة قوية أنّ هذا النص لم يستخدم في أي مجادلات لاهوتية حول الثالوث من وقت جيروم وحتى وقت طويل بعده ولم يذكر أبداً، ولكن تسلل النص بطريقة شيطانية مستغلاً غفلة أتباع الصليب الذين يقبلوا أي شيء إلاّ التنازل عن الثالوث المفبرك كما رأينا) ([٥٨]).

خامساً: المخطوطات.

هذا النص وجد فقط في ثمانية مخطوطات سبعة منها تعود للقرن السادس عشر، وهذه هي أرقام المخطوطات: (٦ و٨٨ و٤٢٩ و ٦٢٩ و ٦٣٦و٣١٨ و٢٣١٨ و ٢٢١). والمخطوطة الأخيرة رقم ٢٢١ هي من القرن العاشر، أي: بعد ألف سنة موجود بها هذا النص هذا النص فيها على الهامش بخط مختلف و لا يعرف على وجة الدقة تأريخ كتابته.

معنى ذلك لا يوجود يوجد أي دليل مؤكد على وجود هذا النص في أي مخطوطة يونانية قبل عام ١٥٠٠ حتى السبع مخطوطات السابق ذكرها منهم أربعة النص مكتوب على الهامش حتى المخطوطات السبع السابق ذكرها أربع منها كتب النص فيها على الهامش.

فهل بعد هذا البيان يوجد شخص يستدل بهذا النص ؟؟؟

النص الثاني:

إنجيل متى ٢٨ : ١٩: (فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ).

قالوا: إنّ صيغة التعميد الواردة بهذا النص هي دليل قاطع على عقيدة الثالوث.

نقول: سيتبين من خلال البحث إثبات تحريف العدد ١٩ من إنجيل متى الإصحاح ٢٨ وبطلان الاستشهاد به؛ إذ لا يعرف أي أحد من الحواريين والتلاميذ حتى بطرس نفسه هذه الصيغة، بل الصيغة الواردة في أعمال الرسل ٢: ٣٨ هي هكذا: (فقال لهم بطرس توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس).

فالروح القدس يعطى ويسدد به التائبون من الخطايا الذين تطهروا من ذنوبهم باتباعهم حجة الله وخليفة الله على خلقه الذي يُوصف بأنّه الله في الخلق ([٥٩]) المسيح ع في ذلك الزمان.

والدليل على أنّ خليفة الله وحجة الله هو من يسددهم بالروح القدس وهو من يعطيهم الروح القدس ما جاء في إنجيل يوحنا ٢٠: (٢١ فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: «سَلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا».٢٢ وَلَمَّا قَالَ هذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ).

والصيغة في مرقص: ١٦/ ١٥ على سبيل المثال أيضاً لا تذكر الثلاثة أقانيم المزعومة: (وقال لهم اذهبوا إلى العالم أجمع وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها).

والمسيح على زعمهم قال النص الوارد في متى: ٢٨/ ١٩ أمام الأحد عشر تلميذاً على الجبل فيما يمكن أن نسميه خطبة الوداع أو آخر ما قاله المسيح على زعم كاتب إنجيل متى، ومن الصعب أن نتخيل أن الأحد عشر تلميذاً نسوا هذا القول المهم والأساسي ولم يذكره أحد بالمرّة بعد ذلك إطلاقاً !

هل يعقل جملة واحدة لم يستطع التلاميذ حفظها، بل أهم جملة وآخر ما نطق به المسيح ولم ينفذها أي من تلاميذه إطلاقاً ؟!

ولنا أن نسأل ببساطة شديدة: أيهما يجب أن يتبع النصارى في التعميد صيغة متى أم صيغة بطرس ومرقص السابق ذكرهما ؟

إن مرقص هو المرجع لمتى ومن هنا ترجحت صيغت مرقص، وعلى أية حال فإن هذا النص لا يثبت شيئاً في موضوع التثليث.

والدليل على أنّ هذه الصيغة مقحمة على النص الأصلي سنقرأ ما يذكره يوسابيوس القيصري بعد أن نعرّف به للقارئ.

من هو يوسابيوس ؟

يوسابيوس القيصري (٢٦٣ - ٣٣٩م) أصبح أسقف قيصرية في ٣١٤. (ويقال لها قيسارية، سميت بهذا الاسم تمجيداً للقيصر الروماني أغسطس، ويوجد عدّة بلاد باسم قيصرية أو قيسرية، واحدة في الجولان بسورية، وواحدة في أنطاكية، وثالثة في فلسطين. وكانت تسمّى اعتباراً من عام ١٣٣ ميلادي (قيصرية فلسطين)، وكذلك قيصرية فيليبي في سوريا التي كانت واقعة في الجولان الحالية وذكرت في إنجيل لوقا وتدعى اليوم بانياس الحولة) ([٦٠]).

وكثيراً ما يشار إليه أنه (أبو التاريخ الكنسي) بسبب عمله في تسجيل تاريخ الكنيسة المسيحية في وقت مبكر، لا سيما وقائع التاريخ الكنسي.

قرأ يوسابيوس العدد ١٩في متى: ٢٨/ ١٩ واستشهد به في كتبه الكثيرة التي كتبها في الفترة من ٣٠٠ إلى ٣٣٦، ومنها تعليقات وشروح على المزامير وعلى اشعياء، وكتابه الشهير تاريخ الكنيسة وكتابه في مدح الإمبراطور قسطنطين.

لقد ذكر يوسابيوس هذا العدد في متى وكان النص كالتالي: (فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسمي)، ولم يذكر الصيغة الثلاثية ولا مرّة واحدة.

وإذا أردنا تتبع عقيدة التثليث التي يؤمن بها النصارى نصاً نصاً سنجد جلها؛ إمّا أنها لا وجود لها في النسخ اليونانية والعبرية، أو أنها حُرّفت عن معناها الأصلي، أو أنها حُرّفت معنىً ودلالة، ومن يقول بأنّ هناك نصاً قطعياً وأصلياً على هذه العقيدة فأرجو أن يتحفنا به ونكون له شاكرين.

وربما سيقولون هذه فقط عندكم أيها المسلمون، أمّا نحن المسيحيون فمتفقون على هذه العقيدة وأنّ الروح القدس منبثق من الآب كما يقول الارثذوكس أو من الآب والابن كما يقول الكاثوليك ولاهوت مطلق وليس بمخلوق !!

ولكن هذا القول لا يسعفهم بشيء، فالدليل بعكس ما يصرّحون به وإلا ليرجعوا إلى مواقعهم الرسمية ويقرأوا بأنفسهم ([٦١]).

علماء وأساقفة مسيحيون يؤمنون بأنّ الروح القدس مخلوق

:

يضع أوريجانوس الروح القدس في درجة أقل من الابن، لا بالنسبة للكرامة بل بالنسبة للأصل، فهو يقرّر أنّ الابن وحده هو من الآب فقط، ولكن الروح القدس هو من الآب بواسطة الابن.

وهنا يتهمون الكاثوليك ويقولون نتيجة لهذا القول ظهرت بداية بدعة الكاثوليك في انبثاق الروح القدس من الآب والابن.

أوريجانوس في شرحه لعبارة: (كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ) ([٦٢]).

في بداية إنجيل يوحنا تساءل أوريجانوس قائلاً: والآن، كما رأينا، فإنّ كل الأشياء عملت من خلاله (اللوغوس). وهنا يجب أن نتساءل إن كان الروح القدس أيضاً قد عُمل من خلاله ؟

من هو اريجانوس

:

أوريجانوس (١٨٥ - ٢٥٤) Ὠριγένης Ōri(?)énēs,)) كان من أبرز أوائل آباء الكنيسة المسيحية. توفي في ٢٥٤. كتاباته هامة بوصفها واحدة من أولى المحاولات الفكرية لوصف المسيحية.

وكان ذو عقلية فذّة وصار نابغة في العلم رغم حداثة سنه. وأشتهر أيضاً بمساندته وتشجيعه للمؤمنين الذين يتعرّضون للاضطهاد وكان يقويهم في الإيمان حتى يستشهدوا.

ووصل إلى أن يكون مديراً لمدرسة الإسكندرية المسيحية وهو في سن الثامنة عشر بعد أن عيَّنه البابا ديميتريوس الأول البطريرك الـ ١٢ رئيساً لمدرسة الأسكندرية اللاهوتية خلفاً لأكليمندس الأسكندري.

كان نَشِطاً في تفسير الكتاب المقدس والدراسات الإنجيلية المقارنة، وقد سطر الكثير من الكتب والرسائل تفسيراً للكتاب المقدس، بالإضافة إلى كتاب (هيكسابلا) الشهير.

أوريجانوس إذن يؤمن بأنّ الروح القدس أدنى من الابن ومخلوق بواسطته، ومن بعده أريوس، ومن بعده مقدونيوس، ونكرانهم للاهوت الروح القدس معروف. وقد قال بذلك ثيئوغنسطس أيضاً، وهؤلاء لم يكونوا مسلمين؛ لأنهم عاشوا في زمن لم يكن الإسلام قد ظهر على أرض الواقع، فاتهامكم لنا بأننا فقط من نقول بخلق الروح القدس عارٍ عن الصحة.

الآن بعد هذه المقدّمة أعرج على أحد الأقانيم وهو الروح القدس لنبيّن وبوضوح لا يقبل الشك بأنّه مخلوق وليس إله أزلياً.

ولكن لنعرف أولاً ما هو الروح القدس. يقول المعزّي أحمد الحسن ع: (هو روح الطهارة أو العصمة، فإذا أخلص العبد بنيته لله سبحانه وتعالى وأراد وجه الله أحبه الله ووكّل الله به ملكاً يدخله في كل خير ويخرجه من كل شر ويسلك به إلى مكارم الأخلاق، ويكون الروح القدس واسطة لنقل العلم للإنسان الموكّل به. وأرواح القدس كثيرة وليست واحداً، والذي مع عيسى ع ومع الأنبياء دون الذي مع محمد ص وعلي عوفاطمة صوالأئمة ص، وهذا هو الروح القدس الأعظم لم ينزل إلا مع محمد صوانتقل بعد وفاته إلى علي ع ثم إلى الأئمة ص ثم بعدهم إلى المهدين الإثني عشر.

عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله ع عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ﴾([٦٣]). قال ع: "خلق من خلق الله ( أعظم من جبرائيل وميكائيل، كان مع رسول الله ص يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده" ([٦٤])) ([٦٥]).

إن حجج الله وخلفاءه يمسحهم الله بالروح القدس ويسددهم به وهذا ما منصوص عليه في التوراة والإنجيل.

سفر أعمال الرسل الإصحاح العاشر ٣٨: (يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ، الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، لأَنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ). هنا الممسوح هو المسيح ع، وقد أعطي قوة ليعمل تلك الأعمال؛ لأن الله كان معه.

المزامير الإصحاح السابع ٤٥: (أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك).

والآن لنتأمل بعض النصوص التي تثبت أنّ الروح القدس مخلوق، وأيضاً لا علاقة له بالأقانيم الثلاثة.

النص الأول: من رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي: ٣/ ١٧: (وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْل أَوْ فِعْل، فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، شَاكِرِينَ اللهَ وَالآبَ بِهِ).

إذن، كل عمل وقول وفعل باسم الرب يسوع (السيد أو المعلم يسوع) شاكرين الله والآب به.

نلاحظ أنه لا يوجد ذكر للروح القدس ولا حتى إشارة لا من قريب ولا من بعيد في هذا النص.

النص الثاني: ورد في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس:١٣/ ١٤ قول بولس: (نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم. آمين). ويستخلص النصارى من هذا النص برهاناً دالاً على صحة التثليث وتساوي الأقانيم الثلاثة.

أقول: لعل القائل أراد شيئاً غير الذي فهمتموه ؟

ورد في سفر أعمال الرسل: ٨/ ٣٠: (وَسَمِعَهُ يَقْرَأُ النَّبِيَّ إِشَعْيَاءَ، فَقَالَ: «أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ ؟»).

وإذا تنزلنا وقلنا هذا ما أراد أن يُفهمه بولس الرسول للناس، نقول:

أولاً: إنّ القائل للعبارة السابقة هو الرسول بولس الذي لم ير المسيح، ولم يتتلمذ على يديه فإنه ليس معصوماً من الخطأ حتى تأخذ أقواله حجة.

ثانياً: إنّ عبارة بولس السابقة مبنية على الاعتقاد بالثالوث، وليس الاعتقاد بالثالوث صادراً عنها وعن أمثالها، بل تقرّر بموجب مجمع عقد في الربع الأول من القرن الرابع الميلادي وهو مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م.

ثالثاً: إنّ لفظ الروح القدس في قول بولس ليس معناه الإله حتى يكون الأقنوم الثالث، بل يعني الموهبة القدسية الممنوحة من الله عندما يخلص العبد لله ويتطهّر من ذنوبه فيوكل به الروح القدس لتسديده، وهذا ما بينّاه في أعمال الرسل:٢/ ٣٨: (فقال لهم بطرس توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس).

فالروح القدس يُعطى ويُسدد به التائبون من الخطايا الذين تطهروا من ذنبوهم باتباعهم حجة الله وخليفة الله على خلقه، الله في الخلق في ذلك الزمان، وهو المسيح ع.

وقد بيّن الله بأنّ الروح القدس مخلوق، وأنّ الروح ليست هي الله کما توهم النصارى فهم دائماً يرددون بأنّ الله روح !!!

وكما ورد ذكر الروح التي يسدد بها الله المخلصين وأنقياء القلوب ففي الأسفار الآتية، على سبيل المثال لا الحصر وإلا هي كثيرة:

نقرأ في مزمور: ٥١/١٠: (قلباً نقياً أخلق في يا الله روحاً مستقيماً جدد في داخلي). الله خلق في داخله في قلبه روحاً مستقيمة تُسدده وتجعله طاهراً نقياً وتسلك به سبل الحق، فالروح خلق وليس هي الله كما يقول المسيحيون.

وفي سفر حزقيال: ١١/ ١٩: (وأعطيهم قلباً واحداً وأجعل في داخلكم روحاً جديداً). الدعاء لهم بأن يجعل في داخلهم روحاً جديداً غير الروح التي في داخلهم، وهذا أيضاً دليل على أنّ الروح خلق من خلق الله.

وفي سفر الملوك الثاني: ٢/ ٩: (فقال إليشع ليكن نصيب اثنين من روحك علي). وهذا النص يؤكد تعدّد الروح وإنها ليست واحدة.

وفي سفر دانيال: ٥/ ١١: (يوجد في مملكتك رجل فيه روح الآلهة القدوسين). وأيضاً هنا تأكيد بأنّ هناك رجلاً فيه روح الآلهة القدوسين، أي: الروح القدس.

وهذه الروح هي التي امتلأ منها الآتي ذكرهم: يوحنا المعمدان كما هو وارد في إنجيل لوقا: ١ / ١٥: (ومن بطن أمّه يمتلىء من الروح القدس).

وامتلأت منه أمّه اليصابات طبقاً كما هو وارد في إنجيل لوقا: ١/ ٤١: (فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا وَامْتَلَأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ).

فما المائز بين حلول الروح القدس على أم يوحنا اليصابات والعذراء مريم ص فكلاهما حل عليهما الروح القدس، أم أنها عنزة ولو طارت ؟؟؟

كما امتلأ منها أبوه زكريا طبقاً لما ذكره إنجيل لوقا: ١/ ٦٧ ، وكان استفانوس مملوءاً منها كما حكاه سفر أعمال الرسل: ٦/ ٥، و: ٧/ ٥٥، وغيرهم كثير.

إنّ ما ذكر في النصوص ليس من البراهين على صحة التثليث ولا على تساوي الأقانيم الثلاثة، حتى لو تنزلنا وقبلنا هذه النصوص على أنها نصوص أصلية وليست دخيلة على الكتاب المقدس؛ إذ ليس فيها ذكر للأقانيم الثلاثة.

والروح القدس مسح به الأنبياء والمرسلين وأيضاً التلاميذ، وبكل تأكيد كان عيسى ع أحدهم، لنقرأ هذا النص في أعمال الرسل الذي يصدح كالشمس في رابعة النهار:

أعمال الرسل الإصحاح العاشر:) يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ، الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، لأَنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ).

ونحن نسألكم: ما هو المائز بين مسح الله ليسوع الذي من الناصرة ومسحه لبقية الأنبياء والمرسلين ؟؟؟ فإن قلتم: هناك عام وهنا خاص وهو غير موجود فتكرموا علينا لتبيانه، وأنّى لكم ذلك !؟

وأمّا لفظ الروح القدس فقد ذكر بمعنى الموهبة القدسية ولتسديد المؤمنين طبقاً للنصوص السابقة الذكر.

ومع هذا نحن نسأل کيف يکون امتياز الأقانيم أحدها عن الآخر، ومساواتها في الجوهر كما يؤمن المسيحيون ؟

نقرأ في رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكي: ٥: ١٩ (لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ.٢٠ لاَ تَحْتَقِرُوا النُّبُوَّاتِ.٢١ امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ). الروح جاءت مرادفة للنبوات وتم التأكيد على ذلك بامتحان كل شيء والتمسك بالحسن، وهذا ما أُريد لروح الحق الذي بشّر به عيسى ع وهو المعزّي أحمد ع.

إنّه (روح الحق)، وهذا الوصف ظنّه النصارى مختصاً بالروح القدس، فلا يجوز أن يوصف بشر بأنّه روح، وهذا منافٍ ومخالفٌ لما جاء به كتابهم المقدس؛ حيث بيّن يوحنا أنّ الأنبياء يطلق عليهم روح أيضاً كما جاء في إنجيله: (بهذا تعرفون روح الله: كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله، وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من الله).

رسالة يوحنا الرسول الأولى الإصحاح: ٤ - ١: (اَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ). هنا وردت كلمة الأرواح مرادفة لكلمة الأنبياء، فلا يمكن تقييد كلمة الروح فقط بالروح القدس، وقد استخدم يوحنا تعبير الروح الإلهي دلالة على النبي الإلهي أو بمعنى آخر رسول من الله.

ويوحنا لم يتركنا دون تعريف لروح الله حيث قال في رسالة يوحنا الرسول الأولى: ١ - ٦: (فمن يعرف الله يسمع لنا، ومن ليس من الله لا يسمع لنا من هذا نعرف: روح الحق وروح الضلال).

ونختم بنصين قطعيين محكمين يبينان النقص والجهل الحاصل في ساحة المسيح ع، وأيضاً ما يهمنا في هذا البحث الروح القدس الذي يبيّن المسيح ع بأنّه يجهل الساعة التي لا يعلم بها إلا الآب.

ورد في إنجيل متى ٢٤: ٣٦: (وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ).

وفي إنجيل مرقس ١٣: ٣٢: (وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ).

فلا الروح القدس ولا الابن يعرف بالساعة (يوم الرب)، قد يقولون هنا إنّ المسيح تکلّم بناسوته، وهذه مغالطة لا تسعفهم بشيء، وبها يلغون قانون الإيمان الذي يؤمنون به على أنّه طبيعة واحدة.

في كتاب بدع حديثة للبابا شنودة ص١٠٩ ينقل عن القديس كيرلس (٣٧٧ - ٤٤٤): (علمنا ألا نتحدّث عن طبيعتين بعد الاتحاد ... وعلى هذا فيمكننا أن نقول إنّ الطبيعة اللاهوتية اتحدت إقنومياً بالطبيعة البشرية داخل رحم السيدة العذراء، ولكن بعد هذا الاتحاد لا نعود مطلقاً نتكلّم عن طبيعتين في المسيح، فتعبير الطبيعتين يوحي بالانفصال والافتراق).

وكذلك هذا قول الانبا غريغوريس، والانبا إبرام أسقف الفيوم يقول: (لا نقول بأنّ هذه الحاجة عملها الطبيعة الناسوتية وهذه الحاجة عملها الطبيعة اللاهوتية فهذه من أقوال البروتستانت ولا نؤمن به).

والانبا بيشوي سكرتير عام المجمع المقدس يقول: (يسوع هو طبيعة واحدة بلاهوته وناسوته ولا يوجد بينهما انفصال ولا نقول بأنّ هذا الفعل قام به ناسوته وهذا الفعل قام به لاهوته).

* * *

الهوامش

  1. ↩يمنكم قراءة كتاب التوحيد للمعزي أحمد ( لتبيان بطلان عقيدة التثليث على الرابط التالي: h​t​t​p​:​/​/​a​r​.​a​l​-​m​e​h​d​y​o​o​n​.​o​r​g​/​a​r​a​b​i​c​/​d​o​c​u​m​e​n​t​s​/​b​o​o​k​s​-​s​a​e​d​/​T​a​w​h​i​d​.​p​d​f
  2. ↩ستأتي دراسة النص عما قريب فانتظر.
  3. ↩١ يوحنا ٥:٧.
  4. ↩وهذا هو الرابط: h​t​t​p​:​/​/​c​y​b​e​r​i​s​t​a​n​.​o​r​g​/​i​s​l​a​m​i​c​/​n​e​w​t​o​n​١​.​h​t​m​l
  5. ↩لمعرفة حقيقة تعبير (الله في الخلق) يرجى قراءة كتاب التوحيد للسيد أحمد الحسن (.
  6. ↩وكيبيديا الموسوعة الحرة.
  7. ↩راجع على سبيل المثال: h​t​t​p​:​/​/​s​t​-​t​a​k​l​a​.​o​r​g​/​C​o​p​t​i​c​-​H​i​s​t​o​r​y​/​C​o​p​t​i​c​H​i​s​t​o​r​y​_​٠​٢​-​H​i​s​t​o​r​y​-​o​f​-​t​h​e​-​C​o​p​t​i​c​-​C​h​u​r​c​h​-​C​o​u​n​c​i​l​s​-​n​-​C​h​r​i​s​t​i​a​n​-​H​e​r​e​s​i​e​s​/​A​l​-​M​a​g​a​m​e​٣​-​A​l​-​M​a​s​k​o​o​n​e​y​a​/​E​n​c​y​c​l​o​p​e​d​i​a​-​C​o​p​t​i​c​a​_​C​o​u​n​c​i​l​s​_​١​٠​-​M​a​g​m​a​٣​-​E​l​-​K​o​s​t​a​n​t​i​n​e​y​a​-​I​n​r​o​-​٠​١​-​O​r​i​g​a​n​o​s​-​W​a​l​-​r​o​o​h​-​A​l​-​K​o​d​o​s​.​h​t​m​l
  8. ↩يو ١: ٣.
  9. ↩الشورى: ٥٢.
  10. ↩الكافي: ج ١ ص٢٧٣.
  11. ↩كتاب المتشابهات - للإمام أحمد الحسن (: ج ٣.
معلومات الصفحة
نوع الصفحة
مناقشة النصوص التي يعتمدونها لإثبات عقيدة التثليث - البشارة بالمعزي أحمد ومطارحات في العقيدة المسيحية - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.