الفصول
الاختيار والحتمية
المثلية الجنسية: بحث في السبب الماورائي عند الإنسان · د. علاء السالم
![]()
علمياً حتى الآن، لا شيء يستدعي - بنحوٍ حتمي ولا حتى دون المستوى الحتمي - توجّ ه المثليين إلى السلوك الجنسي المثلي سوى صرف إرادتهم واختيارهم "هم" إلى مثل هذا الشذوذ.
١- فلا الدراسات والفرق البحثية التي ترأسها علماء مؤيديون للمثلية الجنسية - كما رأينا سابقاً - تمكّنت من تشخيص السبب الجيني لها، وهذا يكفي لرفض فكرة الحتمية الجينية من الأساس، بل سبق وأن قلنا: إنهم حتى مع فرض عثورهم على مثل ذلك السبب المفترض فهو لا يكفي لتصوير المثلية الجنسية قدراً حتمياً يُلجئ الفرد (الذكر والأنثى) للانسياق وراءه، بعد قدرة الإنسان - كما هو المشاهد - وتمكّ نه من مواجهة ومحاربة الجينات وإفساد مخططاتها.
يقول د. ريتشارد دوكنز: "فلنحاول فهم ما تخطط له جيناتنا الأنانية، لأننا قد نحظى عندئذ أقله بفرصة لإفساد مخططاتها، وهو أمر لم يسعَ إليه أي من الكائنات الأخر" (٧٥).
وتعقيباً عليه، يقول السيد أحمد الحسن في كتاب "وهم الإلحاد":
[ والحق، إنّ المنصف لابد له أن يقول إننا كنوع إنساني فعلاً أفسدنا أنانية الجينات فالأخلاق العليا أو الإيثار الحقيقي الذي نشره أنبياء الله ورسله وجاءت به الأديان الإلهية قد حطّم هذه الأنانية، فهذه الأنانية الجينية تقول : ابني أفضل من ابن أخي، وأخي أفضل من ابن عمي، وابن عمي أفضل من الغريب، وابن مدينتي أفضل من ابن المدينة الأخرى، وابن بلدي أفضل من ابن البلد الآخر، وابن قوميتي أفضل من ابن القومية الأخرى، وبلدي أفضل من البلد المجاور، أما الأنبياء والأديان فقد جاءت بالإحسان وإيثار الغريب على النفس والأولاد، وانتشرت هذه الأخلاق الإيثارية بين الناس، ولن أتعرّض لغير قصة تاريخية مشهورة في الإسلام وقد نزل بها قرآن وهي قصة أصحاب رسالة الإسلام أنفسهم وهم عائلة محمد (صلى الله عليه
وآله) نبي الإسلام، هي قصة بقاء علي وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) وأبنائهم الصغار جياعاً بعد أن قاموا بإعطاء طعامهم للفقراء ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا
شُكُوراً ﴾ سورة الإنسان: ٩ -٨ .
سورة الإنسان وهي تروي قصة الإنسان الحقيقي الذي انتصر على حيوانيته وجاء لينقذ الآخرين من حيوانيتهم الجينية الأنانية، لم يطلبوا بهذا الإيثار سمعة لأنه كان بالسر وهم أصلاً كتموه ولم يذيعوه، ولم يطلبوا به منفعة متبادلة فهم أعطوا ولم يأخذوا شيئاً، ولم يكن عطاؤهم يسيراً لأنه كان بالنسبة لعلي وفاطمة (عليهما السلام) مخاطرة بحياة أطفالهم.
بفضل هؤلاء وأشباههم من أنبياء الله ورسله لدينا اليوم أفراد ومجموعات وحتى دول يؤثرون الآخرين الغرباء عنهم وإن كان بالقليل الذي لا يؤثر في حالهم وربما هناك غايات من وراء العطاء في بعض الأحيان، ولكنها عموماً خطوة بالاتجاه الصحيح وصلنا لها بفضل أولئك العظماء، فهم الأمثلة الإيثارية العليا التي تعلمت منها البشرية. ........
أعتقد أنّ فعل علي وفاطمة (عليهما السلام) يستحق من عالم علم الأحياء التطوري أو علم الأحياء الاجتماعي الملحد أن يراجع حساباته على الأقل وهو يراهم قد شخصوا داء الأنانية الجينية ووضعوا له العلاج قبل أن يشخصه علماء علم الأحياء التطوري بأكثر من ألف عام ] (٧٦).
٢- ليس فقط أن المثلية الجنسية ليست خياراً جنسياً حتمياً وقهرياً للإنسان، بل ولا حتى يمكن أن نعتبرها خياراً جنسياً طبيعياً ومثمراً ليتم توجه المثليين نحوها، بل هي - كما عرفنا في نقطة البحث السابقة - انحراف وشذوذ على المستويين الجيني والطبيعي معاً .
وبالتالي، ففكرة أنّ المثليين مُلجَ أون إلى هذا الخيار الجنسي ومقهور ون عليه غير صحيحة ولا أساس علمي لها، والصحيح أن المثلية الجنسية سلوك جنسي شاذ وغير طبيعي ولا مثمر أيضاً، وأنّ ممارسة الذكر للجنس مع مثيله الذكر أو الأنثى مع الأنثى أو أحدهما مع الحيوان أو مع لعبة جنسية إنما هي خيار شخصي تابع لهم، فهم الذين اختاروا هذا الشذوذ عن الطبيعة بمحض إرادتهم دون أي اضطرار أو إلجاء مطلقاً.
وأما سبب الاختيار الخاطئ من قبلهم، فإننا عزوناه بحسب ما تقدم إلى:
١- الإيحاءات الخادعة لأحياء ماضٍ مدفون في الجسد في مرحلة النمو الجنيني، كما أشار لذلك السيد أحمد الحسن في كلامه المتقدم. ٢- استخدام طريق خاطئ وغير طبيعي موصل للإثارة الجنسية، كما تقدم في نقطة البحث السابقة. ٣- العوامل البيئية والتربوية التي تعد عاملاً مساعداً يوفّر ظروفاً مناسبة أكثر لاتجاه من يشاء نحو المثلية الجنسية.
مع تأكيدنا المجدد على أنّ المثلية الجنسية مهما تعددت أسبابها الرئيسية والمساعدة فإنها تبقى خياراً شخصياً للفرد نفسه دون أن يكون هناك أي وجود لسبب حتمي وقاهر له يضطره لذلك أبداً.