الفصول
مناقشة الحالة الطبيعية
المثلية الجنسية: بحث في السبب الماورائي عند الإنسان · د. علاء السالم
![]()
مبررو المثلية الجنسية علمياً - كما ذكرت - يعتبرونها أمراً طبيعياً، وهم يرفضون تسميتها بـ "الشذوذ الجنسي"، وهذا يتوقف - بنظرهم - على تحديد السبب الجيني لها، ولهذا لاحظنا شدة اهتمامهم بالبحث عنه، وسبب الإصرار هذا واضح فهم يعتقدون أنّ إثبات مشروعية أمرٍ ما وجعله خياراً طبيعياً لا يتطلب أكثر من إرجاعه لسبب جيني ليصبح حتمياً وقدراً لا سبيل لمواجهته.
نحن بدورنا رددنا على هذا الفهم، وقلنا إنه غير كافٍ لجعل السلوك الجنسي المثلي طبيعياً وحتمياً لعدة أسباب، تقدم ذكر ثلاثة منها هي؛
١- إنّ الإنسان قادر على مواجهة الجينات، وبالتالي فحتى مع افتراض أنّ هناك جيناً يتسبب بالمثلية الجنسية فالإنسان قادر على مواجهته.
٢- إنّ أي سلوك جنسي غير الاتصال بين الذكر والأنثى هو سلوك شاذ وترفضه طبيعة الجينات، ومن ثم سيكون الانتخاب الطبيعي كفيلاً بالقضاء على أي جين (مفترض) للمثلية الجنسية.
٣- مجرد كون أمر ما جينياً وراثياً - كالمثلية الجنسية بافتراض أنها كذلك، وهو أمر لم يثبت علمياً كما عرفنا - لا يكفي في وصفه أمراً طبيعياً، وعرضنا كشاهد لهذه الحقيقة مرضين وراثيين هما السايكوباث والسرطان.
وبهذا نعرف أنّ السلوك الجنسي المثلي شذوذ وخروج عن الحالة الطبيعية التي تقتضيها الجينات، والملاحظ إلى هنا أننا أثبتنا أن المثلية الجنسية شذوذ من جهة جينية مباشرة،
والآن أريد إثبات كونها شذوذ من جهة أخرى ، لأن الكلام في الشذوذ لا ينحصر بالجانب الجيني فقط، بل يمكن أن يناقش "السلوك الجنسي المثلي" على أنه شذوذ أو لا بمقارنته بالحالة الطبيعية التي يفترض أن تكون موجودة بل وسائدة بين الناس عموماً.
إنّ مناقشة المثلية الجنسية من هذه الجهة تفرض علينا - بطبيعة الحال - مناقشة نفس العملية الجنسية بالنسبة للذكر والأنثى وأسباب الإثارة لدى كل منهما على حدة، بل الصحيح أننا إذا ما أردنا أن نشخّ ص "الحالة الطبيعية" لأمرٍ ما لكائن حي تطوري يتكاثر جنسياً - كالإنسان - فلا ينبغي لنا إغفال أسلافه أيضاً، ومن ثَمَّ يكون تشخصينا للحالة الطبيعية دقيقاً وبالتبع يتضح حال الانحراف والشذوذ الذي قد يطرأ بسبب الاستخدام الخاطئ.
لهذا سيكون لدينا ثلاثة أمور أحاول طرحها تباعاً مع أمثلتها، وأنا وإن كنت سأذكر التعليل الوراثي لبعض الأمثلة ولكني أقصد بذلك أن أبيّن الحالة الطبيعية فيها والتي يفترض أن تكون - كما قلت - هي السائدة بشكل طبيعي بين الناس، وسأجعلها بصيغة أسئلة.
السؤال ١: كيف كان الأسلاف يمارسون الجنس قبل ملايين السنين ؟
في عام ٢٠١٤ نشرت مجلة " Nature " العلمية البريطانية دراسة قام بها عالم المتحجرات الأسترالي جون لونج John Long أوضحت أنّ "أول علاقة تزاوج في التاريخ تمت بين اثنين من الكائنات الحية القديمة في البحر، وأن هذه العلاقة لم تكن بسيطة كما هو الحال في العلاقات الجنسية الحالية".
بحسب الدراسة: "أن أسماك بركة بدائية عاشت قبل مئات الملايين من السنين، كانت هي أول من يعرف كيفية الإتيان بالذرية للعالم، من خلال تزاوج تم اعتماده في وقت لاحق من قبل الإنسان. وأن هذه الأسماك كانت بحاجة إلى ملائمة أعضاء تناسلية غريبة، وتمت عملية التكاثر عندما كان الذكر والأنثى بجانب بعضهما البعض".
العالم الأسترالي أضاف في دراسته: "أن هذا الشكل من أشكال الحياة البدائية لهذه الأسماك عاش قبل أكثر من ٣٨٠ مليون عام، وأنه قد عثر على حفريات يبلغ طولها بضعة سنتيمترات في كل من الصين وإستونيا وإسكتلندا".
مجلة " Nature " من جهتها اعتبرت "أن هذا الاكتشاف أدى إلى البحث عن نماذج أخرى عند جامعي الحفريات بشكل شخصي في بريطانيا وهولندا، وتم العثور على أسماك من الذكور ما زالت أعضاؤها الذكرية مرتبطة، وصممت الأخاديد فيها من أجل نقل السائل المنوي من الذكر للأنثى" (٦٦).
إذن، قبل مئات ملايين السنين كانت الممارسة الجنسية عند الأسلاف - ومنذ انطلاقتها عند الفقاريات Vertebrate - عبارة عن عملية تزاوج يحصل بين الذكر والأنثى، وهو نفسه تماماً ما نراه اليوم كحالة طبيعية في التواصل الجنسي عند معظم الحيوانات ومنها الإنسان.
السؤال ٢: كيف تحصل الإثارة الجنسية عند الذكر ؟
أمور كثيرة مسؤولة عن إثارة الذكر الإنساني جنسياً، منها ما يتعلق بالهرمونات، ومنها ما يتعلق بجسد الشريك (الأنثى)، وسأكتفي بأربعة أمثلة:
مثال ١: هرمون التستوستيرون Testosterone ، المعروف بهرمون الذكورة، وهو المسؤول الأساسي عن الخصائص الجنسية لدى الذكر كجهازه التناسلي وعظامه وعضلاته وصوته وشعره وإنتاج حيواناته المنوية ورغبته الجنسية (٦٧). وتزداد الرغبة عند الذكر بمقدار زيادة نسبة هذا الهرمون في جسده.
هرمونات الجنس خضعت للتطور بطبيعة الحال؛ ذلك أن الحياة بدأت على الأرض - كما قلنا سابقاً - بالتكاثر اللاجنسي، فهي - أي هرمونات الجنس - بشكل عام - بما في ذلك هرمون التستوستيرون - تطورت "قبل ٥٠٠ مليون سنة (أي قبل الحيوانات الفقارية الأولى) من الأستروجين" (٦٨). وبكل تأكيد أنّ الأسلاف الذكور (كالفقاريات الأولى) استفادت - فيما بعد - من هرمون الجنس الموجود لديها لإجراء التزاوج والتناسل كما مر بنا قبل قليل حتى وصل الأمر للإنسان.
إذن، تأثير هرمون التستوستيرون - في أحد أهدافه الطبيعية التي تتصل بموضوعنا - هو إثارة الذكر ليمارس الجنس مع أنثى ويحصل التناسل.
مثال ٢: مؤخرة الأنثى، فإنها ولا شك تثير الذكر الإنساني، خصوصاً إذا كانت بجسم ممتلئ وكان التوائها بدرجة ٤٥ قياساً بعمودها الفقري، بحسب الدراسات الحديثة.
جامعة بلكنت في تركيا أجرت إحدى هذه الدراسات (٦٩) وأكدت أنّ سر الانجذاب بيولوجي ١٠٠ % ومقترن بمفهوم الخصوبة لدى المرأة؛ حيث كان الذكر يرى أنّ المرأة بتلك المواصفات مناسبة جداً لتحمل أطفاله لقدرتها على تحمل مصاعب الحمل والولادة، ثم تم تناقل هذا الانجذاب عبر الأجيال.
أيضاً: كشفت دراسة علمية نشرتها صحيفة " Daily Mirror " البريطانية أن النساء اللاتي يتمتعن بفائض من الدهون في منطقة الفخذين وخاصة المؤخرة أكثر ولادة لأطفال يتميزون بتطور العقل والذكاء؛ لأن كبرها يقتضي وجود فائض من دهون " Omega ٣ "ما يحفز نمو الدماغ،
يقول البروفيسور ويل لاسيك (عالم الأوبئة في جامعة بيتسبرغ الأمريكية): "إن إثراء منطقة الفخذين والأرداف بدهون DHA هو أمر مميز، حيث يعتبر عنصراً مهماً لا سيما في الدماغ البشري ، ونحو ٨٠ % من DHA التي يحتاجها دماغ الطفل تأتي من دهون الأم المخزنة" (٧٠).
بهذا يتضح أنّ تأثير مؤخرة الأنثى على الذكر له هدف طبيعي وهو الإثارة الجنسية؛ حتى يثار الذكر ويمارس الجنس معها وينجبوا أطفالاً.
مثال ٣: صدر الأنثى، فهو يثير الذكر الإنساني أيضاً ، والملاحظ أنه الوحيد من بين الثديات ينجذب لصدر الأنثى جنسياً، كما أنّ الأنثى الإنسانية هي الوحيدة أيضاً
من بين الثديات يكبر حجم صدرها عند البلوغ بغض النظر عن الحمل والرضاعة. وبخصوص انجذاب الذكر له - بحسب د. لاري يونغ Larry Young (٧١) - فهو منظم دماغياً ويحدث للذكر عند دخوله مرحلة البلوغ، ولأنه يؤدي إلى تنشيط الروابط والعلاقات مع الأنثى فقد اختاره التطور وثبّته.
يونغ يخلص - بعد عدة دراسات أجراها - إلى أن التطور البشري ساهم في تسخير نوع من الدوائر العصبية التي تطورت في الأصل لتقوية الرابطة بين الأم وطفلها أثناء الرضاعة الطبيعية، ثم استخدمها في تقوية نوع آخر من الروابط البشرية وهي الرابطة بين الزوجين (الذكر والأنثى)، وبالتالي تكون النتيجة أنّ الرجال الذكور ينجذبون كالرُضّع لصدور النساء رغم اختلاف دوافع الاثنين.
إذن، تأثير منطقة صدر الأنثى على الذكر - بما يتصل ببحثنا - له هدف طبيعي وهو إثارته جنسياً ؛ لنفس السبب المتقدم.
مثال ٤: فم الأنثى، فإنه يثير الذكر جنسياً أيضاً، فالشفاه البشرية تحوي كثافة كبيرة من الخلايا العصبية الحسية التي ترسل رسائل إلى الدماغ لتحفيز الرغبة الجنسية.
الشفاه تطورت، كانت في البدء للتغذية، ثم صارت تدخل في الكلام والنطق، ثم تدخلت في اختيار الشريك (عن طريق القبلة مثلاً) ومدى استعداده للقيام بتربية الأطفال؛ الأمر المفصلي في العلاقات طويلة الأجل لضمان بقاء الجنس البشري كما هو معلوم.
"في عام ١٩٦٠ اقترح عالم الحيوانات ديزموند موريس Desmond Morris أن التقبيل تطور في البدء عبر قيام الأمهات في الرئيسيات بمضغ الطعام ومن ثم إطعام صغارهن عن طريق الفم بوضع فم على فم، ولا زال صغار الشمبانزي يتغذون بهذه الطريقة، وكذلك فعل أسلافنا؛ أسلاف الإنسان، فوضع الشفاه على الشفاه تطور
فيما بعد كوسيلة لمواساة الأطفال الجياع خلال الفترات التي يقل فيها الطعام وكذلك للتعبير عن الحب والمودة بشكل عام. وقد طور الإنسان هذه القبلات البدائية من الوالدين إلى أصناف أكثر عاطفية ومتنوعة كالتي لدينا اليوم" (٧٢).
عالم النفس التطوري غوردن جي غالوب Gordon G. Gallup وخلال مقابلة له مع إذاعة " BBC " البريطانية صرّح بأنّ "التقبيل يتضمن تبادل معقد جداً من المعلومات؛ معلومات عن طريق الشم، ومعلومات عن طريق اللمس، ووضعية الجسم أثناء التقبيل، إجراءات نستفيد منها عن طريق آليات التطور والتي تمكّ ن الأشخاص من اتخاذ قرارات حول الدرجة التي نتفق أو لا نتفق فيها مع الشريك وراثياً" (٧٣).
إذن، فم وشفاه الأنثى تثير الذكر جنسياً، والهدف الطبيعي من هذه الإثارة هو اختيار الأنثى كشريك لممارسة الجنس والتناسل.
السؤال ٣: كيف تحصل الإثارة الجنسية عند الأنثى ؟
كما الرجل، فإنّ أموراً كثيرة مسؤولة عن إثارة الأنثى الإنسانية جنسياً، منها ما يتعلق بالهرمونات لديها، ومنها ما يتعلق بشريكها (الذكر)، وسأكتفي بمثالين:
مثال١: هرمون الأستروجين Estrogen ، المعروف بهرمون الأنوثة، فهو المسؤول عن تطوير الخصائص الجنسية الرئيسية والثانوية عند الإناث (٧٤). لدى الأنثى أيضاً هرمون التستوستيرون ولكن بنسبة أقل كثيراً من الرجال، ومعدله يرتفع وقت الإباضة (في منتصف شهرها تقريباً)، وهو أمر طبيعي إذا ما عرفنا أنه الوقت المثالي للتلقيح والتناسل فيرتفع نتيجة ذلك معدل الهرمون في جسدها.
فالهدف الطبيعي - إذن - لهرمون الجنس - بحدود ما يتعلق ببحثنا - هو إحداث الرغبة الجنسية لديها للتواصل مع الشريك (الذكر) وحصول الإخصاب والتناسل.
مثال ٢: المداعبة، فإنها ولا شك تسهم بإحداث الرغبة الجنسية لدى الأنثى من خلال لمس مناطق معينة في جسدها، والهدف الطبيعي من ذلك إثارة الأنثى جنسياً لأجل حصول الممارسة الجنسية معها وإنجاب الأطفال، ولهذا يتزامن ارتفاع معدل هرمون الجنس عندها مع وقت الإباضة. ومثل هذا الأمر - أعني مداعبة الأنثى لإثارتها جنسياً - موجود عند الحيوانات أيضاً.
المحصلة التي نخلص إليها بعد عرض الأمثلة الستة المتقدمة هي:
بالنسبة للذكر: [ هرمون الجنس + مؤخرة الأنثى + صدرها + فمها = إثارة الذكر جنسياً ].
وبالنسبة للأنثى: [ هرمون الجنس + المداعبة = إثارة الأنثى جنسياً ].
والهدف الطبيعي للإثارة الجنسية لدى كل من الذكر أو الأنثى هو حصول الممارسة الجنسية بين الذكر والأنثى لأجل الإخصاب والتناسل، هذه هي الحالة الطبيعية الموجودة عند البشر ومعظم الحيوانات التي تتكاثر جنسياً على الأرض.
لكن قد يحصل أحياناً شذوذ وانحراف عن الحالة الطبيعية عند كل من الذكر أو الأنثى من خلال اختيار واستخدام طريق خاطئ موصل للإثارة الجنسية، فمثلاً: بدل أن يستثار الذكر بمؤخرة وصدر الأنثى (وهو الأمر الطبيعي كما قلنا) صار يستثار بمؤخرة وصدر ذكر أو دمية جنسية أو حتى حيوان، وبدل أن تستثار الأنثى بمداعبة الذكر لها (وهو الأمر الطبيعي كما قلنا) صارت تستثار بمداعبة نفسها بأعضاء جسمها أو مداعبة أنثى أخرى لها ونحو ذلك، وكلا هاتين الحالتين (وهو ما يحصل في ممارسات المثليين الجنسية رجالاً ونساء) لا يعتبران حالة طبيعية وسوية تحقق الهدف الطبيعي من الإثارة والممارسة الجنسية الذي عرفناه في الأمثلة المتقدمة، بل هما شذوذ وانحراف عنها.
وبهذا نعرف أنّ المثلية الجنسية لدى كل من الذكر أو الأنثى شذوذ وانحراف عن الحالة الطبيعية بقرار واختيار خاطئ منهما.