الفصول

البيئة والمجتمع

المثلية الجنسية: بحث في السبب الماورائي عند الإنسان · د. علاء السالم

المصدر ↗

صفحة PDF الأصلية ٣٦

أقصد بالسبب هنا: العامل الذي يوفر حصوله فرصة أكبر (بأي نسبة كانت فوق المعدل الصفري) لحصول المسبّ ب، فلو رمزنا للمثلية الجنسية بـ (ص) ولسبب بيئي أو اجتماعي معين بـ (س)، فسيوفر تحقق (س) أرضية مناسبة وفرصة أكبر لتحقق (ص) على أرض الواقع بنسبة معينة، والمسألة لا علاقة لها بالعلية التامة أو السببية الحتمية، بل لو افترض وجود عدة عوامل - وهو كذلك كما سنعرف - فلن تكون حتى مع اجتماعها - فضلاً عن انفرادها - عذراً لاتجاه من حصلت معهم نحو المثلية الجنسية؛ لأنها - كما قلنا - مجرد عوامل تساهم بحصول المثلية بنسبة أكبر لدى الشخص الذي حصلت معه وليست سبباً وعلة تامة لها، وهذا يعني أن الميول الجنسية للشخص المثلي أمر واقع تحت اختياره، وبالتالي يتحمل كامل المسؤولية التي تترتب على ذلك الاختيار.

والرأي العلمي الرسمي حالياً يكاد يجمع على تأثير البيئة والعوامل الاجتماعية الأخرى في الشذوذ الجنسي بما فيهم المتحمسون لإثبات السبب الجيني له، وقد لاحظنا ذلك بوضوح عند استعراض الدراسات العلمية التي أجراها علماء الوراثة والجينات وغيرهم في نقطة البحث السابقة، فهم لم يكونوا بصدد نفي التأثير البيئي والمجتمعي (بل بعض دراساتهم أعطته الدور الأكبر كما لاحظنا) بقدر ما كان جهدهم منصباً على البحث عن السبب البيولوجي الذي ستكون له صفة الأولوية عند ثبوته.

بل لا يمكن إغفال تأثير "البيئة" حتى مع افتراض العثور على الجين المسبب للمثلية الجنسية كما قرأنا ذلك في كلام د. دوكنز المتقدم، يقول: "..... حين نتحدث عن جين لأي شيء سواء كان عن المثلية الجنسية أو لا، نحن لا نعني بأنه حتمي الغرض أو السبب، الجين قد يؤثر في البيئة المناسبة، لذا فإن هذا الجين هو سبب المثلية الجنسية في البيئة الحالية، في بيئتنا التكنولوجية الحضارية، لكنه لن يكون ذو تأثير في بيئة مختلفة أخرى . ............ الأمر كله يعتمد على البيئة التي ينشأ فيها الشخص".

صفحة PDF الأصلية ٣٧

نعم، ربما يلاحظ الباحث في هذا الموضوع بعض الدراسات أو المقالات المتطرفة التي تحصر المسألة بالسبب الجيني فقط وترفض أن يكون للأسباب الاجتماعية والتربوية أي تأثير في المثلية الجنسية، بل وتعتبر القول به لا أساس علمي له ومجرد تأثر بالفكر الديني ليس إلا.

لكن فات أصحاب هذا التوجه الانفعالي أنهم بموقفهم هذا يجعلون من حصول المثلية الجنسية أمراً مستحيلاً؛ لأنها ستكون غير معللة بأي سبب كان؛ باعتبار أنهم - إضافة إلى رفضهم دخالة السبب الاجتماعي - يرفضون اعتبارها مرضاً وشذوذاً جنسياً يتطلب علاج صاحبه وبالتالي فهم يرفضون السبب الشخصي، وأما السبب الجيني فهو - كما عرفنا - غير ثابت علمياً لغاية الآن، وبهذا فالمثلي (بنظرهم) سيكون مثلياً بدون أن يكون لميوله الجنسي أي سبب جيني أو شخصي أو اجتماعي !

إذا عرفنا هذا، فلا أعتقد أننا بحاجة ملحة إلى طرح الدراسات العلمية والإحصائيات والأرقام التي توفرها في هذا الصدد؛ لأنه من حيث الأساس ليس موضعاً خلافياً بين العلم والدين من جهة، ولا بين العلماء أنفسهم من جهة أخرى، اللهم إلا من حيث نسبة المساهمة التي توفرها تلك الأسباب والعوامل في دفع الشخص نحو المثلية الجنسية،

نعم، ربما من المفيد الاطلاع على بعضها بنحو الإجمال؛ لأجل التنبّ ه لها والالتفات إلى خطورتها:

١- الاعتداء الجنسي في مرحلة الطفولة.

٢- التفكك الأسري وغياب الأب أو الأم.

٣- الأساليب التربوية الخاطئة.

٤- الصحبة في الصغر.

٥- الكبت الجنسي.

صفحة PDF الأصلية ٣٨

٦- التكنولوجيا الحديثة: طبعاً، لا أقصد الجانب الإيجابي فيها، لكن أعني هنا بالتحديد ما توفره من أسباب إثارة جنسية كأفلام الشذوذ والإباحة الجنسية عموماً.

جميع هذا الأمور - وربما غيرها من أسباب اجتماعية وبيئية أخرى أشارت لها الدراسات والمقالات العلمية الكثيرة، ويمكن مراجعتها في المواقع والمجلات العلمية العالمية المعروفة (٤٦)- لها تأثير ولو بنسبة ما في توجه "المثلي" نحو المثلية الجنسية، لكنها مهما تعددت ومهما كانت نسبتها في المساهمة لا تكفي لوحدها في تعليل المثلية الجنسية وبيان السبب الرئيسي الذي يقف وراءها، ويكفي أن نعرف أنّ نفس تلك الأسباب قد تتوفر مع أشخاص آخرين ولكنهم أبداً لا ينحدرون للاتجاه نحوها بل ولا حتى مجرد التفكير بها.

معلومات الصفحة
نوع الصفحة
البيئة والمجتمع - المثلية الجنسية: بحث في السبب الماورائي عند الإنسان - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.