الفصول

الهرمونات

المثلية الجنسية: بحث في السبب الماورائي عند الإنسان · د. علاء السالم

المصدر ↗

صفحة PDF الأصلية ٣٣

"يتضمّن مجال آخر من مجالات البحوث المتعلقة بفرضية أن الناس يولدون مع نزعات تجاه الميول الجنسية المختلفة، تأثيرات هرمونية ما قبل الولادة على النمو الجسدي والسلوكيات المثلية اللاحقة للذكور والإناث في مرحلة الطفولة المبكرة. ولأسباب أخلاقية وعملية، يتم العمل التجريبي في هذا المجال لدى ثدييات غير بشرية، الأمر الذي يحدّ من إمكانية تعميم هذه الأبحاث" (٤١).

ابتداء، الهرمونات Hormones لدى الإنسان تعني باختصار: "موا دّ كيميائية تُفرز من قبل أعضاء معينة من الجسم تُعرف بالغدد، وتتبع في تصنيفها إلى جهازٍ يُعرف بجهاز الغدد الصمّاء Endocrine system ؛ مهمتها تحقيق التواصل بين أعضاء الجسم المختلفة، إذ تُطلق الغدد هذه الهرمونات إلى مجرى الدم، ومن مجرى الدم تنتقل إلى الأعضاء أو الأنسجة المعنيّة لتؤدي وظائفها بشكل صحيح ودقيق" (٤٢).

والسؤال: هل يمكن اعتبار الهرمونات سبباً للمثلية الجنسية ؟

هرمون الذكورة (التستوستيرون )Testosterone وهرمون الأنوثة (الأستروجين )Estrogen على رأس قائمة الهرمونات الجنسية إذا ما أُ ريد إرجاع المثلية الجنسية لسبب هرموني، ولكن أيّاً من هذين الهرمونيين - فضلاً عن سواهما - لم يثبت علمياً تسبّبه بالمثلية الجنسية، فهرمون الذكورة مسؤول عن بناء الخصائص التي تميز الذكر عن الأنثى جنسياً؛ مثل جهازه التناسلي وعظامه وصوته وشعره وحيواناته المنوية ورغبته الجنسية، ونفس الشيء بالنسبة لهرمون الأنوثة فهو المسؤول عن بناء الخصائص التي تميز الأنثى عن الذكر جنسياً. وبحدود تعلق الأمر بموضوعنا، فإنّ أقصى ما يوفّ ره الهرمونان للإنسان - ذكراً وأنثى - هو إحداث الرغبة الجنسية لدى كل منهما عموماً، أما صرفها باتجاه معيّ ن (كالسلوك الجنسي المثلي) فلا دخل للهرمونين بذلك أبداً .

صفحة PDF الأصلية ٣٤

هذا إذا لم نقل بأنّ الأمر الطبيعي الذي يقتضيه هرمون الذكورة والأنوثة - بحسب رحلتهما التطورية المرتبطة ببداية التكاثر الجنسي الذي أعقب التكاثر اللاجنسي على هذه الأرض - هو صرف الذكر رغبته الجنسية باتجاه الأنثى وكذا العكس، وإنّ أي توجيه آخر للرغبة الجنسية إلى غير الوجهة المشار لها يعتبر شذوذاً عن الطبيعة (عن طبيعة الهرمونين بالتحديد)، وسيأتي مزيد من الكلام عن الهرمونين والإثارة الجنسية عموماً في نقطة لاحقة من البحث.

طبعاً، نحن لا ننكر وجود بعض الحالات المرضية الحاصلة بسبب زيادة أو نقص بعض الهرمونات وما ينتج عنها من تأثيرات على جسد الإنسان - ذكراً كان أو أنثى - فمثلاً : "واحدة من الاضطرابات الأكثر دراسة على نطاق واسع من التطور الجنسي هي تضخم الغدة الكظرية الخلقي (CAH) ، والذي يمكن أن يؤدي لدى الإناث إلى ترجيل الأعضاء التناسلية، فأكثر من ٩٠ ٪ من حالات تضخم الغدة الكظرية الخلقي تنتج عن طفرة في الجين الذي يشفّر لأنزيم يساعد على إنتاج الكورتيزول. ويؤدي هذا إلى إنتاج مفرط في مولدات الكورتيزول، والتي يتحوّل البعض منها إلى أندروجين (هرمونات مرتبطة بتطور الجنس الذكري)، ونتيجة لذلك، تولد الفتيات مع درجة معينة من الترجيل في أعضائهن التناسلية بحسب شدة الخلل الجيني" (٤٣)،

لكن مثل هذه الحالات - وغيرها من الحالات التي لا يكون فيها الجهاز التناسلي مكتمل النمو لدى الفرد أو غير مشخص جنسياً، أو يكون لديه خليط من الأعضاء التناسلية الذكرية والأنثوية وما شابهها من حالات مرضية ناتجة بسبب خلل هرموني معيّ ن- لا تعني بحال أن الهرمونات صارت سبباً في التوجه نحو المثلية الجنسية، وإنما تبقى مجرد حالات مرضية فردية بحاجة إلى علاج، فمثلاً : في حالة شديدة من ترجيل الأعضاء التناسلية لدى الأنثى قد تحتاج إلى تدخل جراحي لإعادة الأعضاء التناسلية الأنثوية لديها إلى طبيعتها، أو تحتاج إلى وصف علاجات معينة بالهرمونات لتخفيف آثار إنتاج الأندروجين الزائد عليها. وبالنسبة للحالات الأخرى يمكن للشخص أن يختار ويحدد أحد الجنسين عبر تدخل جراحي يشخّص له جنسه الذي اختاره، وسيأتي مزيد من التوضيح في النقطة السابعة من البحث.

صفحة PDF الأصلية ٣٥

وأما الدراسات التي أجريت في هذا المجال، ففي عام ١٩٩٥ أجرت د. آمي بانكس Amy Banks وزميلتها د. نانيت غارترل Nanette Gartrell دراسة تم إجراؤها على الهرمونات لمعرفة إن كان هناك ربط بينها وبين المثلية الجنسية، وخلصت الدراسة إلى القول: "لم تجد دراسات الرجال والنساء الذين عانوا من خلل ما قبل الولادة في استقلاب الهرمونات زيادة متزامنة في السلوك المثلي، بشكل عام، لا تدعم البيانات وجود علاقة سببية بين الهرمونات والتوجه الجنسي البشري ".

الدراسة نشرت بعنوان:

" Hormones and sexual orientation: a questionable link"

"الهرمونات والتوجه الجنسي: ربط مشكوك فيه" (٤٤).

أيضاً: مراجعة د. لورنس ماير وزميله د. بول ماكهيو - التي أشرنا لها سابقاً - المنشورة عام ٢٠١٦ لم تغفل هذا الجانب، ونفت أن يكون للهرمونات دوراً هاماً في التسبّب بالمثلية الجنسية، حيث ورد في مراجعتهما: "قد تلقي الدراسات التي أجريت على التوائم فيما سبق الضوء على دور التأثيرات الهرمونية لدى الأم، إذ إن التوائم المتطابقة والأخوية تتعرّض على حدّ سواء في رحم الأم للتأثيرات الهرمونية ذاتها. وتشير معدلات التوافق الضعيفة نسبيًا في الدراسات على التوائم أن هرمونات قبل الولادة، مثل العوامل الوراثية، لا تؤدي دوراً هاماً في الميل الجنسي" (٤٥).

معلومات الصفحة
نوع الصفحة
الهرمونات - المثلية الجنسية: بحث في السبب الماورائي عند الإنسان - WikiSavior
اللغة
ar

تغيير لغة الواجهة لا يعني ترجمة حكم أو اعتماد نشره.