الفصول
الجانب النفسي
المثلية الجنسية: بحث في السبب الماورائي عند الإنسان · د. علاء السالم
![]()
كما قلت سابقاً: إنّ اعتبار المثلية الجنسية مرض نفسي يصاب به الشخص المثلي ومن ثم ضرورة علاجه، كان هو الرأي الرسمي السائد في الوسط العلمي تقريباً حتى مطلع سبعينات القرن الماضي وقيام الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين بإلغائها من قائمة الأمراض والاضطرابات النفسية؛ استجابة لرغبة مجموعات الضغط وليس انصياعاً لمعطيات وحجج علمية وطبية مقنعة.
إنّ قرار الإلغاء في الحقيقة لم يكن قد حصل دفعة واحدة، وإنما ما حصل عام ١٩٧٣ هو رفع مصطلح "المثلية الجنسية" من دليل DSM في طبعته الثالثة وإبداله بـ "اضطراب الميول الجنسية" ووضعه بين قوسين في النص المعدل، مع رفض مقارنة المثلية الجنسية بالمغايرة الجنسية واعتبار الاثنين حالة طبيعية، حيث ذُ يّ ل النص المعدل بما يلي: "لا شك أن النشطاء المثليين سيدّعون أن الطب النفسي اعترف بالمثلية الجنسية أخيراً بصفتها ‘طبيعية’ كما المغايرة الجنسية، لكنهم سيكونون على خطأ"،
والملاحظ هنا أن "المثلية الجنسية" وإن رفعت كمرض نفسي عن المرجع العلمي للأمراض النفسية ولكنها على أي حال بقت مذكورة فيه، ولكن ما حصل عام ١٩٨٧ هو اختفاؤها من الدليل نهائياً بعد أن تم إبدال مصطلح "اضطراب الميول الجنسية" بمصطلح "الميول الجنسي المرفوض من الأنا"، ليفتح الباب أمام دخول مصطلحات جديدة مثل "التحول الجنسي" (٤٧).
لم يكن قرار الإلغاء المتخذ مجمعاً عليه علمياً في وقته، لذا احتاجت منظمة الصحة العالمية أن تنتظر ١٧ عاماً لتوافق أخيراً على حذف المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية في عام ١٩٩٠ .
مسلسل طبخ الموضوع على نار هادئة في حقيقة الأمر - تمهيداً لتقبل المثلية الجنسية كخيار جنسي طبيعي - كان قد بدأ قبل ذلك بكثير، فرائد التحليل النفسي النمساوي سيغموند فرويد ( ١٩٣٩ - ١٨٥٦ ) على سبيل المثال رغم اعترافه بأن المثلية الجنسية مرض نفسي في بعض كلامه عاد واعتبرها في موضع آخر مجرد اختلاف في الوظيفة الجنسية (٤٨).
في حزيران عام ٢٠١٨ غرّد الطبيب الفرنسي جان إيف هنري على صفحته بتويتر معتبراً المثلية "عارض نفسي" يستطيع هو أن يشفيه بأساليب "الطب التجانسي = هوميوباثي Homeopathy "، ورغم أن د. هنري استخدم مفردة "عارض" وتجنب استخدام "مرض أو اضطراب" في وصف المثلية إلا أن تغريدته سرعان ما لاقت ضجة كبرى في صفوف الجمعيات الطبية (في فرنسا والعالم المتقدم) التي وجهت له عدة ضربات، انتهت برفع دعوى قضائية عليه في محل إقامته بسويسرا (٤٩).
هذه القصة أثرتها هنا، ليس لأنها حديثة حصلت قبل أقل من عام فقط، بل لأنها تؤشر إلى أن "المثلية الجنسية" لم تعد قضية يتم النظر لها بوصفها العلمي البحت، ولكن وراء الموضوع دوافع سياسية واضحة ومخطط لها بدقة تحت ذرائع ويافطات حقوق الإنسان وما شابه.
وبالرغم من أنّ قرار رفع المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية قد يعود - بنظر البعض - إلى أسباب علمية وطبية؛ إذ لم يتم تشخيص علاج ناجع وفعّال لها (لعدم قدرة العلماء المتخصصين في المجال الطبي على تشخيص السبب العضوي المؤدي لها أصلاً) إلى وقت اتخاذ القرار، ولكن عدم عثورهم على العلاج نتيجة جهلهم بالسبب لا يعني - بأي حال من الأحوال - عدم كونها مرضاً أو اضطراباً نفسياً لدى الشخص (ولو على مستوى السلوك)؛ تماماً كما هو حاصل اليوم مع مرض "السايكوباث"، فبالرغم من عدم قدرتهم على تحديد العلاج المناسب له لكنه لا زال مصنفاً ضمن قائمة الأمراض والاضطرابات النفسية التي لم يعثروا لها على علاج،
نعم، يمكن القول إنّ عدم عثورهم على علاج للمثلية الجنسية يكشف عن عجزهم عن تشخيص السبب العضوي لها من جهة، ومن جهة أخرى: يفتح الباب أمام المنظومة الدينية والأخلاقية لتأخذ دورها في معالجة هكذا شذوذ عجز الطب عن معالجته. على أني لا أقصد بالدين هنا مطلق المتدينين المحسوبين عليه، وإنما أقصد الدين الحقيقي الذي يستطيع القائم عليه أن يحدد السبب والعلاج الصحيح لهذه المسألة وغيرها من المسائل المهمة التي هي موضع خلاف وتحتاج إلى قول فصل.
وبالنسبة لنا، فإن اعتبار المثلية الجنسية شذوذ عن الطبيعة ومرض واضطراب نفسي أمر واضح ولا غبار عليه؛ لما ذكرته سابقاً من أنّ الأمر الطبيعي الذي تلتقي فيه أنانية الجينات الطالبة للبقاء مع استراتيجية النقل والتمرير للأجيال اللاحقة هو أن يكون التواصل الجنسي بين الذكر والأنثى لا غير، وأي تواصل آخر (كالتواصل الذي يمارسه المثلي) سيكون منافياً للتوجه الطبيعي الذي تنشده الجينات، وسيكون ممارسة تكشف عن شذوذ صاحبها وخروجه عن الطبيعي، الأمر الذي يؤشر إلى وجود خلل واضطراب لدى الشاذ (المثلي) يتطلب علاجاً يعتمد بالدرجة الأولى على الشخص المصاب نفسه، وسيأتي توضيح هذه القضية بالتفصيل لاحقاً .
وبهذا نعرف أنّ السبب الشخصي (النفسي) مهم جداً ، وله دور حاسم في توجه المثلي نحو المثلية الجنسية، لكنه كيفما كان لا يعتبر عذراً مسوّغاً للشخص للاتجاه نحوها؛ لأنها - أي المثلية - تبقى أمراً اختيارياً وليست نتيجة حتمية لذلك السبب، والعلاج - كما قلت - يعتمد بالأساس على الشخص نفسه، وبالتالي لا يمكن بحال إعفاؤه عن المسؤولية والتبعات المترتبة على قراره في صرف ميوله الجنسية بهذا الاتجاه المنحرف.
أما ما هو ذلك السبب (الذي عجز الباحثون في علم النفس والأعصاب والوراثة وغيرهم عن كشفه) بالتحديد، فهو ما سنتعرف عليه في النقطة السادسة من البحث عند استعراض كلام السيد أحمد الحسن في الموضوع.