الفصول
الجينات
المثلية الجنسية: بحث في السبب الماورائي عند الإنسان · د. علاء السالم
![]()
تطفو على الساحة العلمية بين فترة وأخرى أخبار العثور على جين الشذوذ الجنسي (Gay Gene) ، وسرعان ما تتلقف الأوساط العلمية والإعلامية المتصلة بها الخبر وتقوم بنشره على نطاق واسع.
في نقطة البحث هذه سنتعرف على حقيقة الأمر.
يقول وليام رايس William Rice : "نحن نعلم بأن (جين المثلية) ليس موجوداً "، ويضيف: "إذا كان هناك جين للمثلية الجنسية فإنه سيظهر في واحدة من الدراسات الكبيرة التي تفحص الجينوم بالكامل وتجد المتغيرات المشتركة لدى الأشخاص مثليي الجنس" (٩).
من المهم جداً أيضاً طرح رأي البروفيسور ريتشارد دوكنز أحد أهم العلماء المنظرين للإلحاد حالياً ، ولأن المثلية تخدم غرضه فهو من المتحمسين جداً لتسويقها علمياً بطبيعة الحال، لكن ليس قبل أن نلقي نظرة موجزة على أهم الدراسات التي أجريت في هذا المجال وفق ما نقلته المجلات والنشرات العلمية المعروفة عالمياً ، مثل: Nature و The New Atlantis (١٠).
وهذه بعض الدراسات المهمة المطروحة في الساحة العلمية حالياً ذات الصلة بموضوع المثلية الجنسية:
دراسة التوائم:
يعتبر عالم الوراثة والطبيب النفسي د. فرانز جوزيف كالمان Franz J. Kallmann من أوائل الباحثين الذين استخدموا التوائم المتطابقة لدراسة تأثير الجينات على السمات بما في ذلك الميول الجنسية، ترجع دراسته لعام ١٩٥٢ وهي مجرد فرضية تعرّضت لانتقادات شديدة - بحسب The New Atlantis - كان من بينها ما أشار له الفيلسوف الأمريكي وأستاذ القانون د. إدوارد شتاين ( Edward Stein المدير المؤسس لبرنامج قانون الأسرة والسياسة وأخلاقيات علم الأحياء) من "أنّ كالمان لم يقدم أي دليل على أنّ التوائم التي شكّلت دراسته كانت في الواقع متطابقة جينياً، وقد تشكلت عيّ ناته من المرضى النفسيين والسجناء وغيرهم من خلال من وصفهم بأنهم على اتصال مباشر بعالم مثليي الجنس السري، مما دفع شتاين إلى القول بأن عيّ نة كالمان لا تشكّل بأي شكل من الأشكال شريحة معقولة من السكان مثليي الجنس".
دراسة التوائم لربط المثلية الجنسية بالجينات أجراها أيضاً الطبيب النفسي نيكلاس لانغستروم Niklas Langstrom وفريقه عام ٢٠١٠ بنحو أوسع شملت ٣٨٢٦ زوجاً من التوائم المتطابقة وغير المتطابقة، وبالرغم من أن أرقام النتائج التي أظهرتها الدراسة لم تغفل العامل الجيني (ليس بنحو قطعي) ولكنها منحت العوامل البيئية الدور الطاغي في سلوك مثليي الجنس.
قبل ذلك، في عام ٢٠٠٢ قام عالما الاجتماع بيتر بيرمان Peter Berman وزميلته هانا بروكنر Hannah Bruckner بإجراء دراسة واسعة للتوائم المراهقين البالغ عددهم ١٨٨٤١ وانتهيا أيضاً إلى عدم وجود تأثير وراثي كبير على الانجذاب الجنسي.
والخلاصة - بحسب ما ذكر البروفيسور ان لورنس ماير Lawrence Mayer وبول ماكهيو Paul McHugh في مراجعتهما لدراسات التوائم - هي: "من خلال تلخيص الدراسات على التوائم، يمكننا القول إنه لا يوجد أي دليل علمي موثوق بأن الجينات تحدد الميل الجنسي لدى الفرد" (١١).
أيضاً: هناك دراسة للتوائم نشرها موقع مجلة الطبيعة Nature على الإنترنت في أكتوبر ٢٠١٥ (١٢)، قام بها فريق من الباحثين في جامعة كاليفورنيا انتهت إلى تحديد خمسة عوامل فوق جينية (تغيرات كيميائية لا تؤثر في تركيبة الحمض النووي) تساهم - بحسب الفريق- في المثلية الجنسية لدى الرجال، شملت الدراسة ٤٧ زوجاً من التوائم المتطابقة، وخلصت إلى أن التوجه الجنسي هو على الأقل وراثي ولو بشكل جزئي، فعندما يكون أحد التوأمين المتماثلين مثلي الجنس يكون هناك احتمال بنسبة ٢٠ % أن يكون التوأم الآخر مثلي أيضاً، إلا أن معدل هذا الاحتمال لا يتكرر دائماً بنسبة ١٠٠ % لذلك يعتقد - كالعادة في جميع الدراسات - أن تلعب العوامل البيئية دوراً في الموضوع.
لكن الدراسة - وبحسب المجلة نفسها - جوبهت بنقد شديد من قبل العديد من الباحثين المتخصصين، منهم خبير الإحصاء الأمريكي ومدير مركز الإحصاء التطبيقي في جامعة كولومبيا في نيويورك أندرو جيلمان Andrew Gelman الذي شكك في صحة نتائجها من الناحية الإحصائية، وكذلك غيره شكك في الدراسة أيضاً (١٣)، الأمر الذي دعا رئيس الفريق البحثي توك نجون Tuck Ngun إلى الاعتراف بضعف دراسته وقصورها علمياً وإحصائياً.
دراسة علماء الوراثة:
في عام ١٩٩٣ أجرى عالم الوراثة الأمريكي دين هامر Dean H. Hamer وفريقه دراسة لتحديد الأساس الجيني القابل للتوريث للمثلية الجنسية، شملت ٤٠ زوجاً من مثليي الجنس تربطهم علاقة الأخوة، ومن خلال تاريخ أسرهم في المثلية الجنسية انتهى هامر إلى احتمال وجود صلة بين المثلية الجنسية وواسمات (صفات) وراثية على الموقع Xq٢٨ من الكروموسوم X.
لكن علماء آخرين - بحسب The New Atlantis (١٤)- منهم د. جورج رايس George Rice وفريقه كرّروا نفس الدراسة على نطاق أوسع وفشلوا في الحصول على نفس النتائج، وانتهوا إلى القول: "إنه لمن غير الواضح لماذا نتائجنا تختلف تماماً عن نتائج الدراسة الأصلية لـ “هامر”، كون دراستنا كانت أوسع من دراسة هامر، فمن المؤكد أنه كانت لدينا المقدرة الكافية للكشف عن أي تأثير جيني بالقدر الذي تم إعلانه في تلك الدراسة. ومع ذلك فإن بياناتنا لا تدعم وجود أي جين ذي تأثير كبير على الميول الجنسي على المؤشر الجيني Xq٢٨ " (١٥).
ولا ينبغي إغفال ملاحظة مهمة هنا: إنّ "هامر" وفريقه لم يتوصلوا إلى تحديد جين مشخّ ص بعينه يتسبّ ب بالمثلية الجنسية، وإنما كل ما فعلوه هو تحديد موقع على كرموسوم وبنحو الاحتمال أيضاً.
وبالرغم من أنّ عالم الوراثة والأستاذ في علم الجينات في معهد نورث شور NorthShore للأبحاث في أمريكا د. آلان ساندرز Alan Sanders ، تمكّ ن هو وزملاؤه في عام ٢٠١٥ من كشف موقع جديد محتمل (وليس جيناً مشخصاً) هو ١٢q٨ من الكروموسوم X - إضافة للموقع Xq٢٨ الذي احتمله هامر سابقاً - كموطن للعلامات الجينية ذات العلاقة بالمثلية الجنسية لدى ٤٠٩ زوج من الرجال المثليين الذين خضعوا للدراسة، إلا أن ضآلة التأثير الجيني على ميولهم الجنسية الذي كشفت عنه الدراسة جعل الإعلان عن التوصل إلى دليل علمي على وجود أساس جيني للميول الجنسية أمراً غير نهائي وغير واضح بحسب د. لورنس ماير ود. بول ماكهيو في مراجعتهما للدراسات المتعلقة بالمثلية الجنسية، حيث قالا عنها: "بما أن التأثير كان ضئيلاً، لن يكون العنصر الجيني مؤشراً جيداً على الميل الجنسي" (١٦)، خصوصاً مع ورود الملاحظة السابقة على دراسة ساندرز أيضاً.
دراسة ساندرز تم نشرها أيضاً في صحيفة الاندبندنت Independent (١٧) البريطانية في نوفمبر عام ٢٠١٤ تحت عنوان:
"Largest ever study into the gay gene 'erodes the notion that sexual orientation is a choice"
"أكبر دراسة على الإطلاق في الجين المثلي تضعف فكرة أن الميول الجنسية أمر اختياري"،
وبحسب المقال فإنّ ساندرز أعلن أنّ عمله أضعف فكرة كون "الميول الجنسية أمر اختياري"، والعنوان كما هو واضح فيه إيهام كبير؛ لأن الدراسة لم تأتِ بشيء جديد أصلاً بعد أن كان كلا الموقعين ( Xq٢٨ و ١٢q٨ في الجينوم X للرجال المثليين) محتملين سابقاً في عامي ١٩٩٣ و ٢٠٠٥ على التوالي، وهو - أي ساندرز - وفريقه لم يقوموا بتحديد جين معين يمكن اعتباره أصلاً جينياً وسبباً حتمياً للمثلية الجنسية كما أوهموا الناس بذلك !
يقول كاتب المقال جيمس فينسنت James Vincent : "على كل حال لا يدعي ساندرز أنه حدّ د جيناً واحداً يسبب المثلية الجنسية بين الذكور في النوع الإنساني، ويشدد على أنه في بعض صفات النوع الإنساني المعقدة مثل الميول الجنسية، فإنها تتأثر بعدد من العوامل الجينية والبيئية" !
إذن، الجينات - بحسب ساندرز نفسه - ليست هي القصة الكاملة، بل لم يتم تحديد جين معين يكون سبباً للمثلية الجنسية أساساً، وبالتالي فبين الدراسة وبين التوظيف الذي أريد لها أن تجيّر فيه بون بعيد كما هو واضح.
المقال المنشور في الصحيفة ينقل لنا حماس عالم الأعصاب الأمريكي د. سيمون ليفاي Simon LeVay أيضاً في تصريحه الذي خص به مجلة نيو ساينتست New
Scientist العلمية الأسبوعية، إذ يقول في تعليقه على دراسة زميله (ساندرز ): "هذه الدراسة تقرع مسمار آخر في نعش نظرية أسلوب الحياة المختارة كتفسير للمثلية الجنسية" ! ولكنه لم يوضح لنا كيف تم ذلك.
وحسناً فعلت سامانثا ألين Samantha Allen الكاتبة العلمية الشهيرة في الموقع الأخباري الأمريكي (The Daily Beast) لمّا أشارت إلى الغموض الذي يكتنف الأدلة الجينية الحاسمة لأي سببية جينية، فكتبت تقول - كما في المقال -: "إنه من الصعب التفاعل مع هذه الدراسات؛ ذلك لأن التفسيرات البيولوجية للمثلية الجنسية، في وقتنا الحالي، تشبه في صدروها أجهزة الموبايل التي يخرج منها موديل جديد كل عام".
دراسة علماء الأعصاب:
بالنسبة لعلم الأعصاب، بدأت محاولة إيجاد الرابط الجيني بالميول الجنسية المثلية مع الدراسة التي قام بها سيمون لوفاي (الذي قرأنا حماسته للمثلية قبل قليل) عام ١٩٩١ ، والتي خلصت إلى وجود اختلافات بيولوجية على مستوى الدماغ لدى الرجال المثليين مقارنة بغيرهم من الرجال الأسوياء، وهو اختلاف في الحجم في مجموعة خلوية معينة للنواة الخلالية الثالثة للوطاء الأمامي INAH٣ ،
هذا، ولكن دراسة أخرى أجريت وأتت بنتائج أكثر دقة قام بها الطبيب النفسي وليام باين William Payne وزملاؤه لاحقاً ، فقد أظهرت الدراسة أن نواة INAH -٣ الدماغية ثنائية الشكل على الصعيد الجنسي (الذكور والإناث) عموماً ، فهي تحتل حجماً لدى الذكور أكبر منه لدى الإناث، والسبب يعود إلى الاختلاف في عدد الخلايا العصبية أو كثافتها لدى الجنسين. وبخصوص مثليي الجنس من الرجال خلصت الدراسة إلى أنه لم يكن هناك أي فرق في عدد الخلايا العصبية داخل النواة بينهم وبين الرجال الأسوياء، الأمر الذي يؤشر إلى أن صغر الحجم في نواة INAH -٣ لدى الرجال المثليين لا يعود بشكل قطعي لسبب جيني ولكن قد تكون "تجربة ما بعد الولادة" هي المسؤولة عن الاختلاف بالحجم.
إثر هذا، خلص د. لورنس ماير وزميله د. بول ماكهيو في مراجعتهما لدراسات "الميل الجنسي والدماغ" إلى القول : "بناءً على نتائج هذه الدراسة، ودراسات "لوفاي" ( ١٩٩١ )، لا يمكن التنبؤ بالميل الجنسي بشكل موثوق على أساس حجم INAH٣ وحدها" (١٨).
بل إن "لوفاي" نفسه وبعد سنوات من دراسته التي أوهمت الآخرين بعثوره على السبب الجيني والبيولوجي للمثلية الجنسية (وكانت هي الملهم لدراسة زميله هامر) عاد واعترف قائلاً: "من المهم التشديد على النتائج التي لم أتوصل إليها، فأنا لم أثبت أن المثلية الجنسية جينية ولم أعثر على أي سبب جيني ليكون الشخص مثلياً، كما أنني لم أثبت أن الرجال مثليي الجنس "ولدوا هكذا"، وهو الخطأ الأكثر شيوعاً الذي يقع فيه الأشخاص عند تفسير عملي، ولم أتوصل إلى تحديد موقع خاص بالمثلية في الدماغ" (١٩).
أيضاً: نشر موقع مجلة Nature في أكتوبر عام ١٩٩٧ دراسة عالم النفس والأعصاب مارك بريدلوف Marc Breedlove التي عكس فيها عمل سيمون لوفاي، أي إنه أراد معرفة تأثير الممارسات الجنسية المثلية على الدماغ وخلص إلى القول: "هذه النتائج تعطينا برهاناً على صحة ما نعلمه نظرياً أنه هو الحال، أي إنّ التجربة الجنسية (أي اختيار مسار محدد مثلي أو طبيعي) يمكنها أن تغير بنية الدماغ كما تفعل الجينات تماماً" (٢٠).
خلاصة ما تقدم:
إنّ الدراسات العلمية التي قام بها علماء الوراثة والجينات والأعصاب والنفس والاجتماع (وقد عرضت بعضها)، لم تتوصل إلى دليل علمي رصين وموثوق لإثبات الصلة بين الجينات والمثلية الجنسية.
فهل تمكّ ن غيرهم كالدكتور دوكنز مثلاً من إثبات ذلك؛ خصوصاً وهو من علماء الأحياء التطورية الكبار، ومعروف بميوله الإلحادية وتأييده للمثلية الجنسية ؟
هل عثر ريتشارد دوكنز على جين المثلية الجنسية ؟
هذا نص إجابة د. دوكنز على سؤال وجّ ه إليه بخصوص المثلية الجنسية:
[ السائل: المثلية الجنسية تثير جدلاً واسعاً والناس الذين يعارضونها يصرّون على أنها لا تمتلك سبباً داروينياً أو تطورياً ، فهل هذا صحيح ؟
دوكنز: حسناً ، هذا سؤال شائع جداً، في الحقيقة هو أكثر سؤال يطرح عليّ ، كيف يمكن للمثلية الجنسية أن تنتقل من جيل إلى آخر، لماذا لا تختفي ؟ لماذا لم يزيلها الانتخاب الطبيعي ؟
قبل كل شيء، فإنه ستكون هناك مشكلة لو كانت المثلية الجنسية موروثة جينياً وستحتاج إلى دليل لإثبات ذلك، والدليل عليه يأتي من دراسات التوائم، إذا نظرت إلى توأمين أحاديين أو متطابقين ليس الأمر يقتصر على المثلية الجنسية، يتطابقان مثلاً في الطول أو الوزن أو القدرة الموسيقية، أي شيء. ستجد التوأمين المتطابقين أو الأحاديين يشبهون بعضهم لبعض بدرجة أكبر من التوأم غير المتطابقين، وهذه خاصية وراثية. وهذا يعني وجود عنصر جيني لحالة الاختلاف بين البشر بغض النظر عن ماهية الحالة، في حالة الطول أو القدرة الموسيقية، ولهذا نجد عنصراً جينياً موروثاً ، التوريث حصل. وفي حالة المثلية الجنسية، نعم هناك توريث، لو علمت الميول الجنسي لدى أحد التوأمين فإنك ستكون في موقع أفضل لمعرفة ميول التوأم الآخر إن كانوا متطابقين أكثر من إذا ما كانا ثنائيين غير متطابقين.
إذن، لدينا توريث مما يعني أنه لدينا مشكلة داروينية، ولذلك علينا أن نطرح السؤال التالي: لماذا فقط المثلية الجنسية الذكورية نجت من جيل إلى جيل معطياً المرء الإيحاء بأن الانتخاب الطبيعي سيتخلص منها ؟
هناك فرضيات مختلفة ............].
وبعد عرضه لفرضيتين، أضاف:
[ لكنني لا أرجح تلك النظريتين، أريد أن أكون أكثر دقة، حين نتحدث عن جين لأي شيء سواء كان عن المثلية الجنسية أو لا، نحن لا نعني بأنه حتمي الغرض أو السبب، الجين قد يؤثر في البيئة المناسبة، لذا فإن هذا الجين هو سبب المثلية الجنسية في البيئة الحالية، في بيئتنا التكنولوجية الحضارية، لكنه لن يكون ذو تأثير في بيئة مختلفة أخرى .
دعوني أضرب مثالاً للتوضيح فقط، هذا مثال وليس عليه دليل وهو مثال يمكن طرحه: لنعتبر أن الطفل الذي يرضع من صدر أمه هو معتدل جنسياً والطفل الذي يرضع من الرضّاعة هو مثلي الجنس، قبل اختراع الرضّاعة قد سيكون جين صاحبه ليس مثلي جنسياً، لذا ما نراه الآن هو تعبير آخر لنفس الجين، لست متشبثاً بهذه الفكرة لكنني أجدها مثالاً رائعاً تشرح الفكرة التي توضح أن الجين ليس مقيداً بها لكن الأمر كله يعتمد على البيئة التي ينشأ فيها الشخص ] انتهى كلامه (٢١).
المناقشة:
١- إنّ التنويه بالأصل الجيني للمثلية الجنسية الوارد في كلام د. دوكنز لا يمكن قبوله بحال، وهو مجرد فرض لا يمتلك عليه أي دليل علمي رصين، وإلا كان عليه أن يذكر اسم "الجين" المعيّن المتسبب بالمثلية وموقعه على خريطة الإنسان الجينية بالتحديد مع اسم العالم المكتشف له، خصوصاً وأن الموضوع مهم جداً ومثار جدل علمي واسع وكبير، وبذلك يرفع عن الحواضر العلمية العالمية عناء الأبحاث الكثيرة التي لا زالت تجريها رغم حاجتها إلى التمويل المالي الكبير.
٢- بالنسبة لـ "دراسات التوائم" الواردة في كلامه للتدليل على توريث المثلية الجنسية، فهي إيهام للمتابعين لا أكثر ومراهنة منه على عدم اطلاعهم لأجل تسويق فكرته وميوله الإلحادية المعروفة، وإلا فنحن سبق وأن عرضنا أهم الدراسات الخاصة بالتوائم التي أجراها علماء الوراثة وغيرهم وفق ما هو منشور في المجلات
العلمية المعتمدة عالمياً ، واطلعنا على التقييم العلمي لها فضلاً عن تصريحات رؤساء الفرق البحثية أنفسهم، وجميعهم يؤكدون بأن الجزم بالسببية الجينية والتوريث للمثلية الجنسية لم يحصل ولا زال بعيد المنال.
"من خلال تلخيص الدراسات على التوائم، يمكننا القول إنه لا يوجد أي دليل علمي موثوق بأن الجينات تحدد الميل الجنسي لدى الفرد" (٢٢).
٣- على فرض القول بوجود الأصل والسبب الجيني للمثلية الجنسية (وهو غير موجود طبعاً)، لكن ألا يفترض بالانتخاب الطبيعي أن يتكفل بالقضاء على هكذا جين ولا يسمح بمروره بعد عدم تمكّ ن المثليين من التكاثر وضمان بقاء جيناتهم ؟
إجابة هذا السؤال لكل من يفهم نظرية التطور بشكل صحيح - ولو بقدر محدود - ينبغي أن تكون : "نعم"، بمعنى أنّ الانتخاب الطبيعي بكل تأكيد يتكفل بالقضاء على أي جين يتسبّ ب بالقضاء على المجموعة الجينية الفردية، هذا هو الأصل في الموضوع بحسب نظرية التطور بحيث إنّ استمرار بقاء ذلك الجين المسبب للمثلية ضمن المنظومة الجينية وتمريره - لو كان - فهو بحاجة إلى البحث وفرض الاحتمالات للعثور على تبرير علمي منطقي له؛ لأن تمريره - أي الجين المثلي المفترض - أمر يأباه التطور الدارويني وتحديداً أحد أركانه الرئيسية وهو الانتخاب الطبيعي.
هذا، ولكن المطالع لكلام دوكنز أعلاه يجد الالتفاف منه على حقيقة واضحة بالنسبة له كعالم أحياء تطورية كبير، وكان عليه على الأقل - بعد تبنيه لفكرة السبب الجيني للمثلية الجنسية - أن يشير إلى أن الأصل يقتضي القضاء على هكذا "جين" ثم يقوم بطرح الاحتمالات والفرضيات على تمريره وعدم إزالته، لكنه لم يفعل ذلك ومال إلى إلحاده على حساب العلم والحقيقة.
يقول البروفيسور بول فازي Paul Vasey : "هذا هو التناقض من منظور تطوري"، ويضيف: "كيف يمكن لسمة مثل الشذوذ الجنسي للذكور ، والتي تمتلك
عنصراً وراثياً، أن تستمر على مر الزمن التطوري إذا كان الأفراد الحاملين للجينات المرتبطة بتلك السمة لم يُ ستنسخوا ؟!" (٢٣).
المثلية الجنسية وحتمية الجينات:
أعني بالحتمي هنا: أن يكون الشيء ضروري الوجود والتأثير. ولا شك أنّ الجينات حتمية بهذا المعنى ومؤثرة بالإنسان،
علماء الإلحاد من جهتهم لما يسعون جاهدين لتصوير الأصل الجيني للمثلية الجنسية يريدون بالنهاية أن يعتبروها قدراً لا يملك المثلي أمامها أي خيار للتغيير من ميوله الجنسية حتى يصح نصحه أو علاجه فضلاً عن معاقبته كما تفترضه الأديان الإلهية.
وبالرغم من أنهم لم يتمكّ نوا لهذه اللحظة من تقديم الدليل العلمي على مدعاهم، لكني أريد إثارة السؤال التالي: هل يملك الإنسان القدرة للوقوف بوجه الجينات ومحاربتها والصمود أمام ضغطها وتأثيرها الكبير ؟ الجواب: نعم.
يقول السيد أحمد الحسن: [بالتأكيد الأمر الجيني حتمي ومؤثر بالإنسان، لكن هل الإنسان يملك القدرة على محاربته ؟ نعم بالتأكيد، جيناتنا تقول لنا: "الأنا أولاً" لكن الإنسان حارب وصارع ضد ما تقوله الجينات وضد ما بنته في جهازه العصبي بهذا الاتجاه، الجينات بنت دماغاً وجهازاً عصبياً يضغط بقوة باتجاه "أنا أولاً" ولكن الإنسان حارب هذا الاتجاه، وهي حرب وجهد ممدوح من الجميع] (٢٤).
ليس بوسع أحد أن ينكر وجود المواقف المشحونة بالإيثار الحقيقي مثلاً في عالمنا أو يتلكأ في مدح جهود وتضحيات أصحابها، وهي ما كانت لتقع أو ترى النور أصلاً لولا قدرة الإنسان على الوقوف بوجه الجينات ومحاربتها.
على هذا: لو افترضنا - وهو فرض غير ثابت علمياً كما قلت - ثبوت السبب الجيني للمثلية الجنسية، لكن هذا لا يعني سلب قدرة الإنسان على مواجهة ذلك السبب (الجين المفترض) والوقوف بوجهه ومن ثَ مَّ استحقاق المدح عند خوض المواجهة، والعكس صحيح أيضاً أي استحقاق الذم عند التخلف عن المواجهة بعد القدرة عليها.
وبهذا يتضح أن الطعن الذي تعرض له الدين الإلهي نتيجة موقفه المعلوم من المثلية الجنسية غير صحيح أصلاً حتى مع فرض العثور على السبب الجيني والوراثي لها، فما بالك إذا عرفت أن الدليل على ذلك غير متوفر ولا زال بعيد المنال ؟!!
ليس كل طويل القامة سيلعب كرة السلة بالضرورة:
هذا المثال سقته هنا بالذات، في مقابل مثال "العيون الخضراء" الذي يروق لبعض المثليين تشبيه الميول الجنسية الشاذة بها كصفة جينية لا يملك المثليون أمامها أي خيار غير الانصياع.
وبالرغم من أنّ هكذا تمثيل قد يوقع البعض في شباك الفكرة، لكن كشف المغالطة - اذا ما كانت موجودة - لا يسهم بإبطال الفكرة فحسب ولكن يثبت جهل صاحبها وربما الغرض السيء لديه أيضاً.
إنّ تشبيه الميول الجنسية المثلية بخضرة العيون غير صحيح؛ لسببين:
الأول: إنّ العلم توصل إلى تحديد الجينات المسؤولة عن لون العين وشخّ صها بالتحديد، ولا أقل حدّ د جينين رئيسيين في الكرموسوم ١٥ لهما علاقة بلون العين هما: ( OCA٢ و HERC٢ ) (٢٥)، والأول منهما بالتحديد هو الذي له علاقة بالعيون
الخضراء، في حين لا يوجد أي تشخيص علمي يمكن الاعتماد عليه لـ "جين" يتسبّ ب بالمثلية الجنسية.
الثاني: إن تأثير جين OCA٢ على خضرة العيون واضح أنه تأثير جيني مباشر، وليس الأمر كذلك في مسألة المثلية الجنسية؛ ذلك أنّ الجينات المسؤولة عن الجنس لدى الإنسان مرتبطة بالكروموسومين X و Y اللذين يعملان بعد الأسبوع (٧ أو ١٢ ) من الحمل (٢٦)، وأقصى ما تقتضيه جينات هذين الكروموسومين - فيما يتصل ببحثنا - هو بناء الأعضاء التناسلية لكل من المرأة أو الرجل وما يترتب عليه لاحقاً من الحاجة إلى الاتصال والممارسة الجنسية عموماً ، أما ترجمة تلك الحاجة البيولوجية وصرفها باتجاه معين (كصرف الذكر رغبته باتجاه الذكر أو الأنثى باتجاه الأنثى كما يفعل المثليون ) فهو خيار صاحب الممارسة نفسه ولا دخل للتأثير الجيني فيه. والقول به يشبه تماماً القول بأنّ جينات الطول لدى إنسانٍ ما مسؤولة عن لعبه كرة سلة، أو أنّ جين OCA٢ مسؤول عن مشاهدة عينه الخضراء للأفلام الإباحية، أو أنّ جين FTO مسؤول عن أكله للبيتزا وما شابه ذلك.
على أنّ صرف الذكر أو الأنثى لرغبتهما الجنسية باتجاه معيّ ن يُ فترض أن لا يتنافى مع طبيعة الجينات الأنانية المنشدة للبقاء والتمرير للأجيال اللاحقة، ومن ثَ مَّ يكون التكاثر كوسيلة طبيعية للنقل والتمرير أمراً ضرورياً ، ولا شك أن استراتيجية التمرير التي تناسب توجه الجينات هذا هي أن يكون التواصل الجنسي بين الذكر والأنثى لا غير، وسيكون أي تواصل آخر - كالذي يدعو له المثليون أو التواصل مع الحيوانات أو الدمى الجنسية مثلاً - منافياً للتوجه الطبيعي الذي تنشده الجينات، وبالتالي فإذا ما أراد أحد تصوير أنّ هناك جيناً محدداً يتسبّ ب بالمثلية الجنسية أو أن هناك جيناً يتسبب بممارسة الجنس مع الحيوان، فليعلم يقيناً أنّ الانتخاب الطبيعي سيقف بالمرصاد لمثل ذلك الجين (المفترض)؛ لأنه - أي الانتخاب الطبيعي - كفيل بإزالة أي جين يتسبّ ب بالقضاء على المجموعة الجينية الفردية كما أشرنا لذلك سابقاً في مناقشة كلام دوكنز.
ممارسة الجنس مع الدمى الجنسية:
لم يعد الأمر سراً، أنّ دمىً جنسية صارت تطرح في الأسواق العالمية يتم تصنيعها في بعض دول العالم المتقدمة تكنولوجياً كأمريكا، يصل سعر الدمية الواحدة المتطورة منها ١٥٠٠٠ دولار ويمكن برمجتها لتحاكي الواقع الذي يرغب به مالكها قدر الإمكان وتذكّر بعض المناسبات وحفظ بعض المقولات وما شابه.
Realbotix : شركة أمريكية تقوم بصناعة دمى جنسية أطلقت عليها اسم (هارموني- )Harmony ، ويتم تسويقه الآن على أساس أنه " الرفيق المثالي" (٢٧).
نسبة الإقبال على شراء هذه الدمى في بعض دول الغرب لا تكاد تصدق، إذ "كشفت دراسة حديثة أن ٤٠ % من الشعب الألماني يرغب في شراء الدمى الجنسية الجديدة، حيث قالت صحيفة "التايمز" البريطانية: إن هناك إقبالاً كبيراً من المجتمع الألماني على الانسجام مع الدمى الجنسية بدلاً من البشر، وأصبح الجنس مع البشر شيئاً من الماضي" (٢٨).
لا أريد الآن مناقشة المسألة دينياً ولا حتى نفسياً، لكن بقدر تعلق الأمر بموضوع البحث (أعني السبب الجيني للمثلية الجنسية) أقول: بناء على الطرح الذي يسير عليه منظرو "المثلية الجنسية الجينية" الذين يريدوا أن يعتبروا أي نشاط جنسي يختاره الفرد هو خيار جنسي طبيعي بالنسبة له ومسبّ ب عن أصل جيني فيه، فإنّ عليهم - وفق طريقة التفكير هذه - أن لا يكتفوا في اعتبار ممارسة الإنسان للجنس مع الدمى الجنسية خياراً طبيعياً فحسب وإنما عليهم أيضاً أن يفتشوا عن "الجين" أو "الطفر الجيني" الذي دعا مثل هؤلاء إلى الاكتفاء بتلك الممارسة الجنسية. عليهم إما أن يقبلوا بهذا، أو يقولون بما نقول به نحن - وقد تقدم- من أنّ أقصى ما تفرضه جينات الجنس لدى الفرد هو بناء أعضائه التناسلية وما يترتب عليها فيما بعد من حاجته لممارسة الجنس فقط، أما صرف تلك الحاجة بطريقة معينة فهي خيار فردي خاضع له، وله علاقة بمدى توفر الإغراء الجنسي بالنسبة له، فمتى ما توفر مثل ذلك
الإغراء أمكن حدوث الممارسة الجنسية من قبله، وهو بالضبط ما يحصل لدى المثليين وكذلك مع بعض الناس الذين يمارسون الجنس مع الدمى الجنسية دون أن يكون هناك أي تدخل جيني في الموضوع بالنسبة للطرفين.
هل كل جيني موروث هو طبيعي ومشروع دائماً ؟
قلت: إنّ علماء الإلحاد يسعون جاهدين إلى تصوير المثلية الجنسية خياراً جنسياً طبيعياً ومشروعاً بمجرد العثور على السبب الجيني الوراثي لها، وهو ما لم يتمكنوا من إثباته لحد الآن كما مر بنا، ولكن - تنزلاً - أطرح السؤال التالي: هل كل ما هو جيني موروث يكون خياراً مشروعاً دائماً ويتمكن الإنسان من فعله، أم أنه قد يعتبر خروجاً عن الحالة الطبيعية ويتطلب علاجاً رغم أنه أمر جيني ؟
ابتداءً ، تقدم ما ذكره السيد أحمد الحسن في بيان قدرة الإنسان على مواجهة الجينات وكبح جماحها، وأضيف الآن مثالين (مرضين) وراثيين ولهما ارتباط بجينات الإنسان ولكن مع ذلك لا يعتبران مشروعين وطبيعيين وإنما يخرجان المصاب بهما عن الحالة الطبيعية ويستدعيان علاجاً (بغض النظر عن إمكانية العثور على العلاج من قبل المتخصصين طبياً من عدمه).
الأول: مرض "السايكوباث" أو المعتل النفسي، وهو من الأمراض النفسية ذات الطابع الإجرامي والعدائي للمجتمع، يصاب به البعض نتيجة تعرّضهم لأسباب بعضها بيئي وآخر جيني وراثي (٢٩)،
ففي دراسة كندية أجريت في عام ٢٠١٤ استطاع فريق بحثي بقيادة شيلاج هودجينز ( Chillag Hudgens الأستاذ في جامعة مونتريال) من تحديد "الاختلافات
الجينية في ٣ جينات تتفاعل مع العوامل البيئية لزيادة أو تقليل احتمالات الانحراف والوصول إلى الشخصية المضادة للمجتمع والشخصية الإجرامية" (٣٠).
هذا المرض بالرغم من أنه قابل للتوريث الجيني (كأحد الأسباب المؤدية له)، وينتهي المطاف بأصحابه غالباً للرمي في السجون أو المصحات العقلية لعدم العثور على علاج ناجع لهم طبياً ، لكن مجرد قابليته للتوريث لم يشفع لأصحابه عند العلماء - الملحدين وغيرهم - في اعتباره خياراً مشروعاً وسلوكاً طبيعياً كما يحصل مع المثليين اليوم.
الثاني: مرض "السرطان"، وهو ضرر (تغيّر / طفرة) يحصل في سلسلة DNA ويؤدي إلى نمو الخلايا فيها بشكل غير طبيعي بحيث تكون قادرة على اختراق أنسجة الجسم السليمة وتدميرها، وأسباب الإصابة به عديدة وبعضها جيني وراثي، فـ "المبنى الجيني، القوى الفاعلة داخل الجسم، اختيار نمط الحياة والبيئة التي نعيش فيها كلها يمكن أن تشكل أساساً لتكوّن السرطان أو لإتمام تكوينه إذا كان قد بدأ. على سبيل المثال: إذا انتقل إلى شخص ما بالوراثة انحراف جيني يزيد من احتمال الإصابة بسرطان معين، فسيكون هذا الشخص معرضاً بدرجة عالية للإصابة بهذا النوع من السرطان أكثر من الأشخاص المعرضين لنفس العامل الذي يمكن أن يسبب السرطان" (٣١).
السرطان إذن اضطراب وانحراف جيني قابل للتوريث، لكن مع هذا لا يمكن اعتباره حالة طبيعية سويّ ة لدى الإنسان المصاب به لمجرد أنه جيني أو وراثي، بل الصحيح أنه انحراف جيني يستدعي علاجاً، ولذا لم يستسلم الإنسان أمامه ويحاول علاجه بطرق مختلفة كالجراحة والمعالجات الكيميائية والإشعاعية وغيرها. وواحدة من طرق العلاج التي ينصب جهد الباحثين عليها حالياً هي "العلاج الجيني"؛ حيث يتم "إصلاح أو تبديل الجينات المعيبة والطافرة التي تسبّ بت بالانحراف الضار من خلال حقن الفيروسات التي تقوم بإصلاح الخريطة الجينية للخلايا السرطانية، وهذه الطريقة وإن كانت لم تصل بعدُ إلى نتائج نهائية على المستوى العملي لكنها صحيحة
نظرياً " (٣٢)، وتبقي بارقة أمل في إمكان توصل الطب يوماً ما لعلاج المرض الذي حصد أرواح الكثيرين في العالم.
والخلاصة: إن مرضي "السايكوباث والسرطان" كلاهما مرضان جينيان وو راثيان، وإذا كان ذلك غير كافٍ في اعتبار حالة المصابين بهما طبيعية لا تتطلب علاجاً ، فكيف ساغ لمنظري المثلية الجنسية اعتبارها حالة طبيعية ومشروعة ولا تتطلب علاجاً بمجرد إثبات الأصل الجيني والوراثي لها ؟ أم أن "باء" المثليين تجر وباء المصابين بالسايكوباث والسرطان لا تجر ! هذا كله بعد فرض عثورهم على الأصل الجيني القابل للتوريث في المثلية الجنسية، وهو أمر لم يتمكنوا من تحقيقه حتى الآن كما عرفنا.
تضخيم النسبة لا يثبت الأصل الجيني للمثلية الجنسية:
منظمة ( One n Ten أي واحد كل عشرة) التي تهتم بأمور المثليين، تفترض - كما هو واضح من اسمها - أن نسبة المثليين إلى الأسوياء جنسياً هي ١٠ %، وليس الأمر يقف عند تخمين منظمة فحسب ولكن هذه النسبة - وفق ما ذكرته صحيفة الجارديان البريطانية Theguardian (٣٣)- أشار لها البروفسور الأمريكي بروس فولر ( Bruce Voller عالم الكيمياء الحيوية) مستنداً فيها إلى الإحصائيات التي ذكرها عالم الأحياء الأمريكي ألفريد كينزي Alfred Kinsey في أربعينيات القرن الماضي،
لكن لوحظ في دراسة "كينزي " القديمة أن أساليب المسح فيها كانت ضعيفة، فهو لم يكن موضوعياً في دراسته بل كان متحيزاً لميوله المثلية الواضحة من سيرته الذاتية. ومن جانب آخر: إن الإحصائيات الحديثة التي أجريت في دول الغرب عام ٢٠١٠ - المعتمدة على عينات دقيقة، والتي فاقت الثلاثين استطلاعاً للمثليين جنسياً - لم تقترب نتائجها من نسبة "فولر" المتحمس للمثلية، وإنما كانت كلها تتراوح بين ٢ -
٣ % فقط، كما ذكر الأخوان "نيل وبراير وايتهيد" في كتابهما، نعم - والكلام لهما - إن نسبة العشرة بالمئة قد تصدق فقط بالنسبة لرجال الدين في الطوائف المسيحية الرئيسية (٣٤).
وإذا كانت نسبة المثليين في أحسن حالاتها لم تتجاوز ٣ % حتى عام ٢٠١٠ ، كما أنّ العلماء المؤيدين للمثلية عجزوا - حتى الآن - عن العثور على أصل جيني يمنحها وصف "خيار جنسي طبيعي" رغم كل الإمكانيات المتاحة لهم لتحقيق ذلك، إذن لم يبقَ أمام المؤيدين لها سوى إحداث زخم إعلامي وسياسي كبير عالمياً يصبّ في صالح توجّ ه أكبر قدر ممكن من الناس نحو المثلية الجنسية ليتم رفع عدد المثليين ويزيد من انتشارهم في دول متعددة ومن ثَ مَّ تصوير أنها أمر طبيعي، وهو بالضبط ما يحصل اليوم.
دراسات علمية تنفي ربط المثلية الجنسية بالجينات:
في الجهة المقابلة: هناك عدة دراسات ومراجعات علمية قام بها علماء وجامعات محترمة أثبتت عدم وجود أي صلة بين المثلية الجنسية وبين الجينات، وهذه بعض الدراسات المهمة بحسب تسلسلها الزمني:
١- دراسة لجامعة كامبريدج البريطانية:
في مايو ٢٠٠٦ نشرت جامعة كامبريدج Cambridge (٣٥) البريطانية على موقعها الرسمي بحثاً معتمداً لديها ينفي السبب الجيني للمثلية الجنسية، تحت عنوان:
"CHILDREN OF HOMOSEXUALS AND TRANSSEXUALS MORE APT TO BE HOMOSEXUAL"
"أبناء الشواذ والمتحولين جنسياً أكثر عرضة ليصبحوا شاذين جنسياً ".
ما يعني أنّ الأطفال الذين يتم تبنّيهم من قبل المثليين قد يتأثرو ن بهم ويكتسبون الشذوذ من خلال مشاهدة الممارسات الجنسية المثلية التي تحصل أمامهم، بالرغم من عدم وجود أي سبب جيني بين هؤلاء المثليين وبين الأطفال المتبنين.
٢- دراسة نيل وايتهيد Neil Whitehead :
في عام ٢٠١١ أجرى عالم الأبحاث والكيمياء الحيوية النيوزلندي د. نيل وايتهيد دراسة أثبت فيها عدم وجود أي ربط بين الجينات وبين المثلية الجنسية، وقال في خلاصتها: "بسبب حساب نقص الكسر الجيني فإننا في مأمن من القول بأن الناس لا يولدون أساساً هكذا" أي شاذون جنسياً .
نُ شرت الدراسة في مجلة " Journal of Human Sexuality " (٣٦)، تحت عنوان:
"Neither Genes nor Choice: Same-Sex Attraction Is Mostly a Unique Reaction to Environmental Factors".
"ليست جينية ولا اختيارية؛ المثلية غالباً هي ردة فعل خاصة بظروف البيئة المحيطة".
ما يهمني هنا هو نفي د. وايتهيد للسبب الجيني للمثلية، رغم أني أختلف معه في نفي كونها أمراً اختيارياً، وسيتضح لاحقاً أنها أمر اختياري بامتياز.
الدراسة أعلاه، لم تكن الوحيدة التي أجراها د. وايتهيد لنفي السبب الجيني للمثلية الجنسية، بل كان قد ألّ ف هو وأخوه (براير وايتهيد )Briar Whitehead كتاباً
بعنوان "! My Genes Made Me Do It جيناتي جعلتني أفعلها !" بـ ٢٧٤ صفحة، تكررت طباعته أكثر من مرة كان آخرها الطبعة الخامسة في عام ٢٠١٨ ،
وهذا تعريفهما للكتاب:
[الكتاب يقدم استنتاجاً مستنداً على الموضوعية والنضوج و ٢٠ عاماً من المراجعة المستفيضة، بنزاهة عالية، لأكثر من ١٠٠٠٠ من البحوث والمنشورات العلمية في موضوع المثلية الجنسية.
الاستنتاج الوحيد الذي يمكن الوصول إليه بعد مراجعة هذا الكم الهائل من الأدلة: المثلية الجنسية إجمالاً هي مسألة متعلقة بالبيئة. بينما التأثير البيولوجي ضعيف وغير مباشر.
لا خلاف أن المثلية الجنسية لها جانب بيولوجي كما أن رمي كرة البيسبول له ذات الجانب. بدون الجينات لا يكون لنا أثر في بيئتنا. كون جيناتنا تدفعنا للعب البيسبول فهذا لا يعني أننا مجبور ون على ممارسة اللعبة.
بعبارة أخرى: لا يوجد شيء في جيناتنا أو في بنائنا البيولوجي يجبرنا على المثلية الجنسية. الميل للمثلية الجنسية ليس فطرياً أو أمراً ثابتاً فينا. يوجد بيننا الكثير ممن كانوا مثليين سابقاً .
المثلية الجنسية الجينية كانت منطقاً مريحاً روّج له الناشطون المثليون لعقود. لكن الكرة الآن في ساحة من يقول إن المثليين لا يمكن أن يتغيروا ليثبت هذا المدعى.
نحن لا نعادي أحداً، لكن بحوثنا شتّ تت المعارضين (لموقفنا) على مختلف أصنافهم، خصوصاً البحوث المتعلقة بتخصص الصحة العقلية التي اتبعت باضطراد توجهات الجمعية الأميركية لعلم النفس والتي شددت لسنوات على أن تغير الميول الجنسية للأفراد سيلحق بهم الأذى. إن الجمعية الأمريكية لعلم النفس محتاجه جدياً لمراجعة موقفها إذا لم تكن تقصد أن تسيء للعلم. وهناك علامات بسيطة على أنها بدأت تصغي للحقائق العلمية.
موقفنا - وبعد سنين من البحث والاتصال بالعديد من الأشخاص المثليين غير الراغبين بالمثلية - هو: إن ترك شخص في مثل هذه الحالة (المثلية) بدون مد يد المساعدة هو إهمال وعدم رعاية كما لو يترك مريض مصاب بكسور في ساقه ولا يقدم له العلاج حتى لا يشفى ساقه لأن الشفاء قد يكون مؤذٍ له.
في بعض الأوساط يعتبرونا مرتكبين لجريمة "كراهية العلم"] (٣٧) انتهى.
٣- دراسة الجمعية الأمريكية لعلم الوراثة:
في عام ٢٠١٢ وخلال اجتماعها السنوي، أجرت الجمعية الأمريكية لعلم الوراثة the American Society of Human Genetics دراسة شملت أكثر من ٢٣٠٠٠ فرد لتحديد المتغيرات الجينية وربطها بالمثلية الجنسية، ولكن الدراسة "لم تجد أي روابط مهمة على مستوى الجينوم للهوية الجنسية المثلية للذكور أو الإناث. لذلك، فإنّ الدليل على وجود أساس جيني للمثلية الجنسية غير واضح وغير نهائي، ما يشير إلى أنه على الرغم من أن العوامل الوراثية تفسر بعض الاختلاف في الميل الجنسي، تبقى المساهمة الوراثية في هذه الصفة غير قوية وحتى غير نهائية" (٣٨).
٤- دراسة لجامعة كاليفورنيا الأمريكية:
في عام ٢٠١٥ أجرت جامعة كاليفورنيا دراسة بهذا الخصوص أيضاً، أشارت لها صحيفة التلغراف The Telegraph البريطانية بعنوان:
"Homosexuality may be triggered by environment after birth"
"المثلية الجنسية يمكن أن تكون مسبّبة عن البيئة بعد الولادة".
وواضح من العنوان أنّ الدراسة خلصت إلى أنّ المثلية الجنسية قد تكون مسبّبة عن البيئة بعد الولادة وليست بسبب جيني. وبالتالي فالذكور - بحسب
الدراسة - لا يولدون مثليي الجنس ولكن يتم تحويلهم من قبل محيطهم. وكانت الجامعة وعدت بتقديم دراستها في الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لعلم الوراثة البشرية في بالتيمور (٣٩).
٥- مراجعة لورنس ماير Lawrence Mayer وبول ماكهيو Paul McHugh :
لم يثبت السبب الجيني للمثلية الجنسية بشكل واضح وقطعي لدى كل من د. لورنس ماير (باحث مقيم في قسم طب النفس في جامعة جونز هوبكنز، وبروفسور في الإحصاءات والإحصاءات الحيوية في جامعة ولاية أريزونا)، ود. بول ماكيهو (بروفسور في طب النفس والعلوم السلوكية في كلية جونز هوبكنز للطب) في مراجعتهما العامة - التي تقدمت الإشارة لها أكثر من مرة - لأهم الدراسات العلمية للتوائم والوراثة والهرمونات والدماغ في العلوم البيولوجية والنفسية والاجتماعية.
فمثلاً، بعد أن عرضا دراسات التوائم انتهيا إلى القول: "من خلال تلخيص الدراسات على التوائم، يمكننا القول إنه لا يوجد أي دليل علمي موثوق بأن الجينات تحدد الميل الجنسي لدى الفرد".
وقد نقلت سابقاً تعليقهما على الدراسات التي أجراها علماء الوراثة والاجتماع والأعصاب، ويمكن الاطلاع على مراجعتهما المفصلة المنشورة في خريف عام ٢٠١٦ في مجلة " The New Atlantis " / العدد ٥٠ (٤٠).