الفصول
السابع: ما يفضل عن مؤونة السنة وما يلحق به
رسالة في فقه الخمس وما يلحق به · الشيخ علاء السالم
السابع: ما يفضل عن مؤونة السنة وما يلحق به
يجب الخمس فيما يفضل عن مؤونة السنة له ولعياله من أرباح التجارات والصناعات والزراعات. وكذلك يجب الخمس فيما يلحق بذلك مما هو زائد عن حاجته من بيت أو سيارة أو أثاث أو لباس وما شابه، كما يتضح تفصيله الآن.
وربما هذا الأمر هو أكثر موارد الخمس ابتلاء للمؤمن، لذا سأقف عليه بشيء من التوضيح والتفصيل عسى يعمّ نفعه عباد الله المؤمنين.
وسيكون التوضيح على شكل نقاط قمت بفصلها تسهيلاً، وإلا فهي قد تتداخل فيما بينها كما لا يخفى.
أولاً: تشريع الخمس في ما زاد على مؤونة السنة
قد يسأل أحد ويقول: هل أن الخمس في (الفائض من مؤونة السنة) كان موجوداً في زمن رسول الله /؟
الجواب: كتشريع إلهي نعم موجود، أما كتطبيق وإجراء على المسلمين فغير موجود؛ وذلك لعدم تحمّل الناس لهذا الحكم، فخفف عنهم رسول الله / والأئمة /، فالخمس للإمام ( له أن يضعه عن الناس ويرفعه عنهم، وإليك النص التالي وهو يوضح ذلك:
روى محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد وعبد الله بن محمد عن علي بن مهزيار قال: كتب إليه أبو جعفر ( وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكة، قال: (.. إن مواليّ أسأل الله صلاحهم أو بعضهم قصروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك وأحببت أن أطهرهم وأزكيهم بما فعلت في عامي هذا من الخمس، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ..﴾([١٢]).. ولم أوجب ذلك عليهم في كل عام، ولا أوجب عليهم إلا الزكاة التي فرضها الله عليهم، وإنما أوجب عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي قد حال عليها الحول، ولم أوجب عليهم ذلك في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة .. تخفيفاً مني عن مواليّ ومنّاً مني عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم، فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ ..﴾([١٣])، والغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء، والفائدة يفيدها، والجائزة من الإنسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله، ومثل المال يؤخذ ولا يعرف له صاحب..) ([١٤]).
ثانياً: تحديد رأس السنة الخمسية
ابتداءً ينبغي أن نعرف أنه لا يعتبر الحول (العام) في شيء من الأمور التي يجب فيها الخمس كما توضح فيما تقدم، ولكن يؤخر دفع خمس ما يجب في أرباح التجارات إلى نهاية الحول احتياطاً للمكتسب، فإن صرف المكلف الأرباح على مؤونته خلال السنة واستهلكت فلا خمس فيها ولا في رأس مال التجارة، وإن زاد الربح على المؤونة فيخمس الربح، وكذا يخمس من رأس المال بنفس النسبة كما سيتضح. لذا ينبغي للمؤمن وضع رأس سنة خمسية ليعرف من خلالها ما يزيد على مؤنة سنته ويقوم بتخميس الزائد عن الحاجة، وهذا منّة منهم / علينا.
قال (: (الخمس يوم بيوم، يعني هو يحاسب نفسه كل يوم، ولأنّ هذا الأمر يشقّ على الناس، ولأنهم اعتادوا على أنهم يحاسبون أنفسهم سنوياً قلنا كل سنة، فلابد أن يحاسب المؤمن نفسه في مدة أقصاها سنة. يعني هو له أن يحاسب نفسه كل سنة مرة، ولكن ليس له أن يجعل المدة أبعد من هذا. الخمس للإمام فله أن يسقطه في زمن ويوجبه في آخر، وله أن يجعل هناك مدة لمحاسبة المؤمن نفسه مالياً .. الخ).
ثالثاً: الخمس يكون في الفائض عن الحاجة
كل ما يملكه الإنسان من مال فائض وزائد عن حاجته يجب فيه الخمس، وليس فيما يسد الحاجة خمس، فإذا كان يمتلك بيتاً واحداً فليس فيه خمس، ولا في أثاثه المستعمل من فرش وأدوات منزلية وأجهزة كهربائية وما شابه ذلك، ولا في اللباس الذي تم استعماله، ولا في السيارة الخاصة التي يحتاجها للتنقل، ولا في مصدر الرزق الذي يسد الحاجة فقط دون فائض. أما إذا كان يمتلك بيتاً غيره أو أرضاً أو سيارة أخرى أو أثاث وغيرها مما لا يحتاجه فيجب تخميسها.
ثم إن المال الفائض عن الحاجة يخمس مرة واحدة فقط، فإذا بقي كله أو جزء منه إلى السنة التالية لا يخمس مرة أخرى.
وأما إذا كان قد خمّسه ثم أعطاه لآخر، فهل يجب على المستلم دفع خمسه أيضاً إن لم يستعمله خلال السنة ؟
الجواب: نعم يجب على المستلم أن يخمس مكاسبه سواء كانت مخمسة عند المالك السابق أم لم تكن، فالمخمس لا يخمس مرة أخرى ولكن إن تبدل المالك فهذا أمر جديد لا علاقة له بالسابق.
وقد يبقى السؤال قائماً بخصوص بعض الموارد من حيث الحاجة والاستعمال التي لا يجب معها الخمس في الشيء المستعمل والمحتاج إليه، أدونها الآن مع بيان حكمها:
هل يكفي استعمال الشيء مرة، كلبس حلي أو لباس أو ما شابه ثم ادخاره، ليتحقق الاستعمال الذي لا يجب معه الخمس في ذلك الشيء ؟
الجواب: الاستعمال هو الاستعمال الحقيقي وليس للتهرب من الخمس، ولا إشكال في الاستعمال وإن كان مرة واحدة فالمستعمل معفى من الخمس.
قد يكون الإنسان محتاجاً لشيء كالأغطية والفرش، ولكنه لا يستعمله ليحافظ على نظافته ليستعمل عند مجيء ضيف ونحو ذلك، فهل يجب فيه الخمس عند عدم استعماله خلال السنة ؟
الجواب: يجب فيه الخمس إن لم يكن مستعملاً.
هل هناك فرق بين الأشياء في صدق الاستعمال، فقد يفيض على مؤونة السنة مرة مواد غذائية، وأخرى قد يفيض عنده بقايا أشياء كان قد استعمل بعضها كالعطور والدهون وبعض الكماليات، فهل يجب في الباقي الخمس ؟
وثالثة يكون عنده شيء ذا أجزاء متعددة ويستعمل بعضه كما لو كانت دورة كتب أو (سيت) أغراض متعددة، فهل باستعمال جزء منها يصدق الاستعمال عليها جميعاً ؟
الجواب: باستعمال بعضه يكون مستعملاً كله.
إذا أعطي إنسان أشياء - كالألبسة وبعض الأغراض - وكانت مستخدمة (ولم تكن جديدة)، فهل يجب عليه تخميسها ؟
الجواب: لا يجب.
رابعاً: تخميس مصدر الرزق (محل، شركة .. وما شابه)
يجب الخمس في مصدر الرزق (محل للتجارة، أو مصنع، أو مزرعة، أو سيارة ...) إذا كان إنتاجه أو ربحه يفيض عن حاجة الإنسان ومؤونة سنته، فيخمس من أصل المال بنفس نسبة الزيادة، فمثلاً إذا كان لديه معمل أو محل ويحصل منه وارد يكفيه لمؤونة سنته فقط، فالمعمل ليس عليه خمس. أما إذا كان الوارد يزيد على مؤونة سنته فيخمس من الأصل (رأس المال) بقدر نسبة الزيادة عن مؤونة السنة، أي إذا كانت مؤونة سنته (٢) ووارد المعمل (٤) فهو يخمس نصف الأصل (المعمل). أما الإنتاج والأرباح التي يدرها المحل أو المعمل فيتم تخميس ما يفيض منه عن الحاجة في نهاية السنة.
خامساً: تعدد مصدر الرزق
إذا تعدد مصدر رزق الإنسان ومكاسبه (كأن يكون لديه محل وراتب شهري .. وهكذا) وأراد أن يخمس، كيف يكون ذلك ؟
الجواب: من يريد أن يخمس ابتداءً وعنده أكثر من مصدر رزق، فله أن يختار مصدر رزق واحد يُعفى من الخمس (أي يعطي رأس المال لذلك المصدر)، وعندئذٍ لا يجب فيه الخمس إن كان بمقدار حاجته، وإن كان يفيض على الحاجة فيخمس من رأس المال بمقدار الزيادة كما تقدم، وأما ما زاد على المؤونة من ربح مصدر الرزق فيخمسه عند حلول سنته الخمسية.
وأما باقي مصادر رزقه الأخرى فيجب فيها الخمس، ولا يعفي مصدرُ رزق مصدرَ رزق آخر من الخمس، فإذا كان من ضمن مصادر رزقه راتب شهري يكفيه فما تبقى منه في رأس سنته الخمسية يقوم بتخميسه.
وتعدد مصادر الرزق هي في الأغلب واضحة ويستطيع الإنسان فرزها، ولكن قد تتشابه عليه بعض الأمور، كما إذا كان لدى شخص أرض زراعية فيها مجموعة من النخيل وفيها ماكنة لسقي الأرض الزراعية، ويقوم بتربية مواشي فيها كالأبقار، فهل تُعد هذه كلها مصدر رزق واحد أم متعدد ؟
الجواب: الأرض والنخيل وماكنة السقي مصدر رزق، والأبقار مصدر رزق آخر.
ثم إنّ الأمثلة التي قد لا يتضح للمكلف فرزها من حيث تعدد مصدر الرزق أو وحدته ما على المؤمن إلا أن يسأل الإمام ( عنها ليتم تحديدها من قبله، والحمد لله على نعمه.
سادساً: رواتب الموظفين
تقدم أن الموظف الذي يكفيه راتبه يجب فيه الخمس إن فاض عن مؤونة سنته عند حلول رأس سنته الخمسية، وإلا فلا خمس فيه.
ولو حصل على مكافئة سنوية من الشركة التي يعمل فيها فعليه أن يخمسها أو ما بقي منها عند حلول سنته الخمسية، لا حين الاستلام. وكذا الحال في الهدية غير النقدية يخمسها في رأس السنة إن لم يستخدمها.
وها هنا سؤالان:
الأول: إذا استلم الموظف راتبه قبل رأس سنته الخمسية بمدة قليلة جداً كيوم مثلاً، وكان هو مصدر رزقه، فهل يعد ما بيده من الراتب - أو ما تبقى منه - زائداً على مؤونة سنته ويجب فيه الخمس ؟
الجواب: يجب فيه الخمس.
والثاني: هل يجب على الموظف الخمس في راتبه الذي حان وقته واستلمه عنه شخص ما، ولكن لم يوصله إليه إلا بعد رأس سنته الخمسية، مثلاً: لو كانت رأس سنته الخمسية يوم (١٠) رمضان، وكان راتبه يوم (٨) منه، ولكن لم يصله إلا بعد ذلك ؟
الجواب: يجب فيه الخمس.
سابعاً: المال المجموع لغرض الزواج أو الحج أو شراء دار سكنية
يقوم بعض الناس أحياناً بتجميع مبلغ لغرض شراء دار سكنية، فيقوم بادخار ما يزيد عن مؤونة حاجته السنوية للغرض المذكور.
ومثل هذا الإنسان عليه تخميس المبلغ المجموع إذا لم يكن قد خمسه فيما سبق، على أنه يخمسه فيما إذا حضر موعد رأس سنته الخمسية ولم يشترِ به داراً للسكن.
وكذا الحال فيما لو كان التجميع لغرض الزواج أو الحج، فلو جاء رأس سنته الخمسية ولم يتزوج أو يذهب إلى الحج يجب عليه أن يخمس المبلغ الذي جمعه أيضاً.
وتشيع في أزماننا في بعض البلدان ظاهرة إيداع مبلغ في البنوك لمن يريد تسجيل اسمه للذهاب إلى الحج كشرط من قبل لجنة الحج في تلك الدولة مقابل تسجيل اسمه، على أن الذهاب يكون بعد مدة قد تصل إلى سنتين أو ثلاث وربما أكثر، وأكيد أنّ المبلغ المودع سيدور عليه الحول ولم يصرف بعد، فهل يجب فيه الخمس ؟
الجواب: لا يجب فيه الخمس.
ثامناً: خمس ما ليس تحت اليد، والضائقة المالية
قد يملك الإنسان مالاً ولكنه ليس تحت يده، كما لو كان قد أقرضه إلى شخص آخر، أو كان مودعاً في بنك لا يحق له سحبه منه، فهل يجب الخمس في مثل هذا المال، وكيف ؟
الجواب: لا يجب فيه الخمس حتى يستلمه هو أو وكيل عنه.
وحيث ذكر القرض، فلو اقترض الإنسان مالاً لسد حاجته قبل رأس السنة الخمسية، وكان لا زال - أي المال المقترض أو ما تبقى منه - تحت يده، ثم حل رأس سنته، فهل يشمله الخمس ؟
الجواب: إذا كان في ذمة الإنسان دين فلا يخمس من المال الذي يملكه إلا بقدر الزائد عما في ذمته من الدين، وكمثال: لو كان عليه قرض قيمته ١٠٠ وكان تحت يده ١٥٠ فيخمس ٥٠ فقط.
وبصورة عامة هل يؤثر اقتراض الإنسان على تعلق الخمس بماله عموماً ؟
الجواب: نعم يؤثر كما تبين في المسألة المتقدمة.
ولو كان في ضائقة مالية، وحل رأس سنته الخمسية، لكن فاضت عنده مواد غذائية وغيرها مما في منزله، فهل الضائقة ترفع الخمس عما فاض على مؤونة سنته مما ذكر غير المال ؟
الجواب: إذا كان المقصود بالضائقة المالية هو عدم وجود أموال فائضة عنده وفقط توجد مواد غذائية فائضة فيخمس المواد الفائضة عنده. والخمس عبادة مثله مثل الصوم والصلاة وهو سبب لطهارة النفس ونقائها، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾([١٥])، ولا يهم كونه قليلاً أو كثيراً فربما كان درهم ممن يملك خمسة دراهم أعظم أجراً وثواباً عند الله من ألف يدفعها من يملك خمسة آلاف، والخمس والزكاة عموماً سبباً لسعة الرزق فلا يدري المؤمن لعل إخراجه الخمس أو الصدقة تكون سبباً في أن يوسع الله رزقه.
تاسعاً: أموال الأطفال
من الواضح أنّ الطفل غير مكلف بالخمس ولا غيره من التكاليف الشرعية، ولكنه يملك وفي ماله الخمس، فالطفل لا يجب عليه الخمس ولكنه في ماله، فيجب على الولي إخراج الخمس من مال الطفل غير البالغ، وإلا فهو - أي الطفل - يخرج خمس ماله إذا بلغ.
ومنه يظهر حكم مال الطفل الذي يودع في حسابه في البنك.